رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تؤكد العديد من المؤشرات بأن الاقتصاد العماني يمر بظروف حسنة. وتشمل هذه التطورات الايجابية أمور مثل 1) تعزيز النمو الاقتصادي 2) تسجيل فائض ضخم في الحساب الجاري 3) زيادة نفقات الموازنة العامة 4) الاحتفاظ بملاءة سيادية عالية المستوى 5) تطوير البنية التحتية في جميع أنحاء السلطنة وخصوصا في منطقة الدقم.
على سبيل المثال، يتوقع صندوق النقد الدولي استمرار الاقتصاد العماني في تسجيل نسب نمو متميزة. وبصورة محددة، يتوقع الصندوق تحقيق الناتج المحلي الإجمالي العماني نموا قدره 5.1 في المائة في العام الجاري مقارنة مع 5 في المائة في 2012 و 4.5 في المائة في 2011.
ويعود الفضل بشكل جوهري لهذا التطور الملفت إلى الوضع النسبي القوي فيما يخص الإنتاج النفطي من جهة وأسعار النفط من جهة أخرى. يعتقد بأن القطاع النفطي يساهم بنحو 76 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي موزعا ما بين 63 في المائة للنفط و 13 في المائة للغاز.
بالنسبة للإنتاج النفطي، فقد بلغ مستوى الإنتاج قرابة 878 ألف برميل في اليوم في 2011 مرتفعا إلى 920 ألف برميل في 2012 وعلى أقل تقدير 930 ألف برميل في العام الجاري.
وحسب الصندوق، من المنتظر أن تبلغ قيمة عوائد صادرات النفط والغاز قرابة 36.4 مليار دولار في العام 2013 أي أعلى بشكل ضئيل مقارنة مع 2012. لكن يزيد الرقم بشكل لافت عن عوائد 2011 والتي بلغت 33.4 مليار دولار.
يشار إلى أن القطاع النفطي يستحوذ على قرابة 70 في المائة من مجموع الصادرات وهي نسبية جديرة. وهذا ربما يفسر قدرة السلطنة على تحقيق فائض في الميزان التجاري في السنوات القليلة الماضية بمقدار 20 مليار دولار فما فوق.
طبعا، من شأن ارتفاع مستوى الإنتاج النفطي في ظل محافظة أسعار النفط على مستوياتها المرتفعة تعزيز إيرادات الخزانة العامة وبالتالي قدرة السلطة على الصرف وبالتالي التأثير على مجمل النشاط الاقتصادي. الشيء الجميل في هذا الصدد هو غياب الضغوط التضخمية كظاهرة عالمية في الوقت الحاضر على الأقل.
بالنسبة للمالية العامة، فقد أعدت السلطات المالية موازنة السنة المالية 2013 بنفقات قدرها 33.5 مليار دولار مخلفة ورائها عجزا في حدود 4.4 مليار دولار. لكن من المحتمل تسجيل عجز محدود في أسوأ الأحوال بالنظر لإمكانية تعزيز الإيرادات.
والإشارة هنا إلى إعداد موازنة 2013 عبر افتراض متوسط سعر قدره 85 دولارا للبرميل أي أقل بشكل واضح من الأسعار السائدة في الأسواق العالمية. وكما أسلفنا، يلعب القطاع النفطي دوار محوريا
وكتحصيل حاصل، تساعد الحقائق المتعلقة بالنمو والميزان التجاري بحصول السلطنة على درجات ائتمانية راقية. وخير دليل على ذلك نيل عمان درجة (أي) و (أي واحد) من قبل مؤسسة ستندارد أند بور ووكالة موديز على التوالي. كما تقدم الجهتان الرائدتان في مجال الدرجات الائتمانية نظرة مستقبلية مستقرة الأمر الذي يعكس آفاق الاقتصاد العماني.
وفي شهر يونيه الماضي أعادت مؤسسة ستندارد أند بور تثبيت الدرجة الائتمانية لسلطنة عمان عبر التأكيد على بعض مواقع القوى في الاقتصاد العماني وخصوصا الاحتفاظ بفوائض في الموازنة العامة والميزان التجاري. من جملة الأمور اللافتة، أشارت المؤسسة إلى تحقيق فائض قدره 25 مليار دولار في الميزان التجاري في 2012 أي نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي.
كما أبدت ستندارد أند بور وهي محقة في ذلك عن سرورها لتحقيق السلطنة فائضا في الموازنة العامة للعام 2012 والذي شكل نحو 3.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما تتوقع المؤسسة ارتفاع مستوى فائض الموازنة العامة لحد 4.2 في المائة في السنة المالية 2013.
على صعيد آخر، سوف تستفيد مختلف القطاعات الاقتصادية من برنامج لصرف مبلغ ضخم قدره 65 مليار دولار في الفترة ما بين 2013 و 2017. لا شك، يعد هذا الرقم نوعيا بالنسبة لاقتصاد قدره 77 مليار دولار حسب آخر الإحصاءات المتوافرة.
وتشمل المشاريع تشييد مجمع يضم مصنع لتكرير النفط الخام إلى منتجات نفطية فضلا عن مصنع آخر للبتروكيماويات في منطقة الدقم. يندرج هذا المشروع في إطار خطة لتطوير منطقة الدقم عبر تعزيز دورها الصناعي والسياحي وبالتالي المساهمة في حل بعض التحديات الاقتصادية التي تواجه السلطنة.
حقيقة القول، تنصب جهود المسئولين في السلطنة نحو تحويل منطقة الدقم إلى واحة سياحية من خلال الاستفادة من موقعها المتميز. تطل ولاية الدقم والتي تعد إحدى ولايات المنطقة الوسطى على بحر العرب.
ومن شأن الاستفادة القصوى من الإمكانيات المتاحة في منطقة الدقم المساهمة في حل بعض التحديات التي تواجه الاقتصاد العماني وخصوصا إيجاد فرص عمل مناسبة للمواطنين. ولحسن الحظ، يعرف عن الشعب العماني استعداده للعمل في القطاعات الصناعية والخدمية بدليل ظاهرة عمل المواطنين في مختلف المنشآت في منطقة صحار الصناعية.
مؤكدا، تواجه عمان تحدي نوعي في مجال إيجاد فرص عمل للمواطنين بالنظر لبعض الحقائق الديمغرافية. يشكل المواطنون حتى سن 15 قرابة 43 في المائة من مجموع المواطنين الأمر الذي يمثل تحديا لواقع وآفاق سوق العمل.
لا شك يعد موضوع إيجاد فرص عمل أمرا حيويا حيث تشير أفضل الإحصاءات المتوافرة، حيث تتراوح نسبة البطالة ما بين 12 و 15 في المائة في أوساط الموطنين المؤهلين للتوظيف وجلهم من الإناث. كما هناك ظاهرة البطالة المقنعة حيث لا يرى البعض من المواطنين بدا من تولي وظائف متدنية نسبيا من حيث المستوى والدفع مقارنة مع المؤهلات والخبرات العلمية للأفراد.
ما يبعث على الاطمئنان هو استعداد السلطات العمانية للاستفادة من الفرص ومواجهة التحديات الاقتصادية المتشعبة التي تواجه البلاد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12219
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11166
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3699
| 22 أكتوبر 2026