رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد الدوسري

- روائي - مؤلف أوبريت قطر المجد

مساحة إعلانية

مقالات

327

د. أحمد الدوسري

الشيخ حمد بن خليفة.. قصة ملهمة خالدة أيقونية لا تنتهي

18 يوليو 2026 , 11:28م

أشعر باكتئاب شديد، أعني الاكتئاب المقرون بالحزن. إنه من الطبيعي أن يحزن الإنسان لفقد عزيز، لكن من غير الطبيعي أن يكون ذلك مقرونا باكتئاب شديد شديد جدا جدا جدا. ربما لأن هذا الإنسان الفقيد اعتدنا وجوده في الحياة معنا. لكن الفقد عندما يكون مفاجئاً تشعر بأن هذا الموت، هادم اللذات ومفرق الأحباب، كان أليما جدا. ألمه في الروح والقلب لا يطاق. على الرغم من أن الموت طريق طبيعي للإنسان للوصول إلى الجنة إن شاء الله. جنة عرضها السماوات والأرض. في الفردوس الأعلى منها، مع موتانا وموتى المسلمين. ويتكرر هذا الألم في كل مرة نفقد فيها عزيزا. حتى أن الموت جعلنا نتيقّن بأن هذه الحياة هي لحظات في عمر الزمن. لحظة عبور فقط لا غير لجسر الحياة. حيث تكون الحياة هي الجسر إلى الآخرة. وأننا نحن في هذه الدنيا نعيش وجودا مؤقتا. منذ أن هبطنا من الجنة حيث كان أبونا آدم وأمنا حواء فيها، وسوف نعود إليها مرة أخرى بإذن الله ورحمته.

لماذا هذه المقدمة؟

لأنني منذ سمعت نعي الديوان الأميري للأمير الوالد وأنا أعيش حالة الاكتئاب هذه ممزوجة بالحزن والشعور بالفقد،

على الرغم من أني عملت قريبا منه لوقت ليس بالطويل، فإن هذه المعرفة بكل تفاصيلها الصغيرة تفجرت فجأة من غير تصديق، في لحظة قراءتي للخبر. سبحان الله كانت هناك أحداث متلاحقة وذكريات مع هذا الشخص العزيز الأمير الوالد رحمة الله عليه هطلت في الروح والعقل والقلب مثل مطر غزير في يوم غائم. شعرت بغمّ عميق. تذكّرت كل موقف معه، وكلّ كلمة وكلّ حادثة وذكرى. لقد عاصرته في البدايات. والبدايات كما هو معلوم تختلف عن كل شيء جاء بعدها. لأن المنجز لم يكن قد تشارك به الكثيرون. كان هذا الإنجاز متقدا في رأسه. ومنه فاض على المحيطين به كرؤية وحلم. جعل جيشا من المؤمنين به يعملون مثل خلايا نحل لتحويله إلى واقع. هذا الرجل كان، ومن المؤكد أن كل المقربين منه يعرفون ذلك، ولست أنا فقط، يحلم بشيء. بقطر جديدة. قطر مختلفة كانت في رأسه. وبالتأكيد بإنسان قطري جديد ومختلف. ثم خلال ثمانية عشر عاما أصبحت رؤياه هذه على الأرض دولة سعيدة. وسأشرح لماذا سعيدة وشعب سعيد. منذ البدايات، منذ نهاية التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة. كان يعي تماما ما ستصبح عليه قطر اليوم بالضبط. كم من مرة قال لي بالحرف الواحد: اصبر أربع إلى خمس سنوات وسترى قطر كيف ستكون. سأجعل كل إنسان يتمنى أن يكون قطريا. قال لي هذا بالحرف الواحد. قال لي أيضا: سأجعل الشعب القطري من أغنى الشعوب في العالم. ومن أسعد الشعوب. لهذا قلت قطر السعيدة. وشعب قطر السعيد. وبعد تحديدا تأسيس شركة الناقلات التي خصص جزء منها كأسهم للمواطنين في قطر سألني بعدها وكنت قد التقيت به في حفل تخرج أبنائنا، أبناؤه وأبنائي، من أكاديمية قطر أكاديمي وهو في قمة السعادة والفرح: ماذا يقول الناس؟ يعني أهل قطر. قلت له إنهم سعيدون ويدعون لك يا بو مشعل دعاء كبيرا عريضا. لقد فرّحتهم الله يفرّحك في الدنيا والآخرة. والله يا بو مشعل أهل قطر يستاهلون وأنت سخي كريم. كنت أدعوه باسمه بو مشعل فقط لا غير كما اعتاد أهل قطر دائما بمناداته بهذا الاسم: بو مشعل. الأمير. ثم الأمير الوالد. ابتسم وهو في قمة سعادته ثم فاجأني قائلا: اصبر اصبر ما شفت شيئا حتى الآن، سأجعل قطر وسأجعل قطر وسأجعل قطر واستمر يعدد ما رأيته ورأيتموه يا أهل قطر في واقعكم، وما رآه كل إخوانكم في الخليج العربي والعرب والعالم. لم يكن يقول شيئا أو يفصح عن أمنية إلا ونفذها بأسرع ما يخطر على بال البشر. وفي إحدى المرات أشار إلى موقع الدفنة الحالي بأنه يحلم بأن تصبح أفضل من منهاتن، وأفضل من كذا وأفضل من كذا وأفضل من كذا وطبعاً كلنا يعلم كيف وزع الأراضي هناك على الكثير من أهل قطر وشجعهم بل كلّم لهم شخصياً البنوك لكي تمنحهم التمويل اللازم لبناء الفنادق والأبراج والأسواق المركزية وغير ذلك. إنه رجل عظيم بكل معنى الكلمة. حوّل اللهفة إلى شغف، وحول الشغف إلى جنة كما أشار في أحد لقاءاته مع مذيع أجنبي (أهلا بك في الجنة).

عندما كتبت أوبريت قطر المجد، وكنت ربما أول من أطلق المجد على قطر، كنت أعلم بأن هذا الرجل، لأنه كان يعني كل ما يقوله على مسامعنا من أفكار عظيمة تتحول إلى منجزات على الفور، سيقود هذا البلد إلى المجد. شعرت بأن قطر سائرة معه إلى المجد لذلك أسميت الأوبريت قطر المجد.

آمنت بحماس الأمير الوالد وكل من كان معه، على الأخص حرمه سمو الشيخة موزا بنت ناصر، والمحيطون به والعاملون معه، لذلك لم أستغرب قط حينما مرت السنوات سريعاً لتصبح قطر على ما أصبحت عليه. فقد كان يعمل 24 ساعة لكي يسابق الزمن. تقدمت بمشروع في أحد الأيام وعندما اطلع على دراسة الجدوى قال لي بالحرف الواحد: أين يمكن أن تعمل هذا المشروع؟ يقصد الموقع الأنسب له. فأشرت إلى موقع معين. فما كان منه إلا أن اتصل أمامي وكان شيئا لا يصدق. حادثة لا تصدق لولا أنها حادثة حصلت معه. لقد بلغ به عشقه لقطر وأهلها إلى هذا الحد الذي لا يريد أن يضيع لحظة واحدة دون إنجاز. رتب لي الذهاب فورا للمسؤول وعرضت عليه المشروع، حيث وافق عليه على الفور.

إلى هذا الحد كان الأمير الوالد رحمه الله مشتعلاً بالنشاط، ولم يرد أن يؤجل يوماً واحداً مشروعا عُرض عليه من أجل قطر. رحمة الله عليك يا بو مشعل. كم أحزنني رحيلك.

أتذكّر أن المشاريع والمواضيع والأفكار كانت تتدفق في رأسه، وأنا أعلم والكل يعلم حوله أنها كلها كانت رؤيته. هي رؤية قطر في الأعالي. ما حدث لقطر هو رؤيته الخاصة. رؤية رجل استثنائي غير عادي وأيقوني. وجاء طبعا ابنه سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله من بعده يكمل المسيرة.

تكلمت معه مرة واحدة فقط عن موقع مشروع آخر وكان ما كان بما تعرفونه الآن. المواقف كثيرة مع هذا الرجل الذي كنت أراه في كل مكان سبحان الله في الدوحة. في إحدى المرات كنت خارجا من فندق الريتز كارلتون وإذا بشخص خلفي بسيارته الخاصة البي أم دبليو البيضاء يقول لي ايش تعمل هنا يا دكتور ويمازحني. فهو يمازح الجميع مع حفظ قدر كل واحد من الناس. ومن المؤكد أن أغلب أهل قطر رآه وتحدث إليه ويعرف ما أقصد بتلك الروح البشوشة البسيطة ذات العمق الطبيعي والغريزي، مع ذكاء بخير وللخير.

التقيت بالراحل الكبير - رحمه الله - كثيرا سواء داخل قطر أو خارجها، وأصبت بذهول الإنسان العادي أمام قائد استثنائي حين علمت من أحد المقرّبين منه بأنه كان يوصي علي بعض المسؤولين لتسهيل مهماتي. أمير دولة ويوصي على شخص بسيط هو العبد لله. هذا رجل عظيم جدا أنجبته الأمة العربية لن يتكرر. هناك قادة عرب طبعا ما شاء الله عليهم بنوا أوطانهم لكن سمو الشيخ حمد كان مميزا جدا في هذا الجانب خاصة من أجل قطر وأهلها. تحالف من أجل قطر وأحب من أجل قطر وخاصم من أجل قطر ولم يكره أحداً أبداً. وكان كل القادة في مجلس التعاون الخليجي أشقاء له، لأنه كان دائما وفيّا لأصدقائه، يساعد الصغير والكبير يساعد الدول ويساعد الناس البسطاء على السواء، ويكره البروتوكول كراهة شديدة، إذ أراد على الدوام أن يعيش حياته حرا. لذلك رأيناه في كل الأماكن، التي حتما تفتقده الآن، رأيناه في المقاهي والمطاعم والأسواق. ليس في قطر وحدها بل في دول أخرى، رأيناه في كل مكان بطاقة محبة هائلة. إذا كان للزعماء كاريزما هيبة فإن لـ حمد بن خليفة كاريزما هيبة وسعادة وطاقة إيجابية. فما أن تقترب منه حتى تشتعل نشاطا وشغفا بالعمل. ولعل من عملوا معه يعرفون ذلك تماما. ماذا أقول عن حمد من خليفة؟ ماذا أقول عن بو مشعل. لن أستطيع أن أفيه حقا لديّ من التفاصيل ما يتسّع لمجلّدات.

اتصل بي يوماً ليلاً ليسألني عن تفاصيل موضوع معين، كان يسأل عن كل صغيرة وكبيرة لا يترك شاردة ولا واردة، ويعرف الأشخاص ويعرف القبائل، ويعرف العائلات ويقدّر الصغير قبل الكبير والأم والبنت، فهذا الرجل كان يعتبر كل أهل قطر والمقيمين فيها عائلته الخاصة. لا أستطيع أن أفيه حقه أبداً كان رجلاً استثنائياً سعدت كثيرا بمعرفته كما أسعد الكثيرين. كلفني ببعض الأعمال الثقافية لصالح قطر وأعمال أخرى أيضا لصالح قطر داخل قطر رغم الفترة غير الطويلة التي كنت قريبا فيها منه إلا أنها أثّرت بي تأثيرا كبيرا جدا وزرعت محبة ومودة لهذا الرجل خالصة لوجه الله حتى كان هذا الفقد والرحيل المفاجئ. فمن شدة مودتي ومحبتي له حين قرأت خبر رحيله شعرت بكآبة واكتئاب شديد جدا مثل تلك الكآبة التي شعرت بها عندما فقدت والدي رحمه الله أو أمي رحمها الله أو أخي رحمه الله. غير مستغرب أنني أحسست أنه فقد عظيم في نفسي. لكنني قلت في نفسي الحمد لله على كل حال. فالموت حق.

حمد بن خليفة هو مؤسس قطر الحديثة وكل ما ترونه الآن كان في عقل هذا الرجل وفي روحه في يوم من الأيام، وكان يتحدث به قبل أن تروه على الأرض وعلى الواقع. كان يتحدث به، ويناقش الشركات بكل تخصصاتها، سواء تلك التي ستطور كورنيش الدوحة، أو تلك التي ستطور شارعا، أو مبنى أو مشروعا حيويا استراتيجيا. يناقشها بنفسه ويشارك في اجتماعات في الوزارات يطمئن على سير العمل أو يشارك في الحديث كما حصل معنا مرات عديدة مثلا في وزارة الثقافة، إذ زارنا فجأة ودخل إلى مكتب الوزير وناقش معنا أمورا كثيرة.

كان الأمير الوالد يعشق الرياضة لذا سما بقطر في هذا المجال إلى سماوات النجاح، باستضافة كأس العالم، وقبلها استضافة الأسياد، من قبلها المؤتمرات الرياضية، إلى آخره، كانت طموحاته رحمه الله لا يكفيها عمران ولا ثلاثة ولا أربعة ولا خمسة لكن الخير دائما فيمن خلفه من بعده من أبنائه، وعلى رأسهم سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

أود أن أقول أشياء كثيرة جداً جداً جداً من حق أهل قطر أن يعرفوها ويعلموها عن والدهم الذي رحل للتو. لكن سيأتي يوم ربما سأقولها كلها. هل عليّ أن أقول بأنني أرثي أخا كبيرا وصديقا أم قائدا ملهما؟ ذلك الرجل الذي كان شاهدا ومشاركا في كل ما يحب شعبه، والمشهد الوحيد الذي غاب عنه هو مشهد دفنه وتشييعه ومواراته الثرى، ليته شاهد كم كانت محبة الناس له قطريين وعربا وهم ينعونه ويرثونه. هناك سر في ذلك. هذا السرّ يضعه الله سبحانه وتعالى في القلوب ولا دخل لنا بذلك.

اقرأ المزيد

صف خليجي موحد في مواجهة التطورات بالمنطقة صف خليجي موحد في مواجهة التطورات بالمنطقة

الموقف المشترك الذي عبرت عنه جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، في إدانة العدوان... اقرأ المزيد

183

| 24 يوليو 2026

ويبقى باب السماء مفتوحاً ويبقى باب السماء مفتوحاً

في زحام الحياة، يظن بعض الناس أن كثرة الذنوب قد أغلقت أمامهم أبواب العودة، وأن ما اقترفوه من... اقرأ المزيد

147

| 24 يوليو 2026

لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد

ليست أخطر الخسائر أن تضعف لغة أمة، وإنما أن يضعف العقل الذي يحملها. فاللغة لا تموت حين تقل... اقرأ المزيد

171

| 24 يوليو 2026

مساحة إعلانية