رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أشعر باكتئاب شديد، أعني الاكتئاب المقرون بالحزن. إنه من الطبيعي أن يحزن الإنسان لفقد عزيز، لكن من غير الطبيعي أن يكون ذلك مقرونا باكتئاب شديد شديد جدا جدا جدا. ربما لأن هذا الإنسان الفقيد اعتدنا وجوده في الحياة معنا. لكن الفقد عندما يكون مفاجئاً تشعر بأن هذا الموت، هادم اللذات ومفرق الأحباب، كان أليما جدا. ألمه في الروح والقلب لا يطاق. على الرغم من أن الموت طريق طبيعي للإنسان للوصول إلى الجنة إن شاء الله. جنة عرضها السماوات والأرض. في الفردوس الأعلى منها، مع موتانا وموتى المسلمين. ويتكرر هذا الألم في كل مرة نفقد فيها عزيزا. حتى أن الموت جعلنا نتيقّن بأن هذه الحياة هي لحظات في عمر الزمن. لحظة عبور فقط لا غير لجسر الحياة. حيث تكون الحياة هي الجسر إلى الآخرة. وأننا نحن في هذه الدنيا نعيش وجودا مؤقتا. منذ أن هبطنا من الجنة حيث كان أبونا آدم وأمنا حواء فيها، وسوف نعود إليها مرة أخرى بإذن الله ورحمته.
لماذا هذه المقدمة؟
لأنني منذ سمعت نعي الديوان الأميري للأمير الوالد وأنا أعيش حالة الاكتئاب هذه ممزوجة بالحزن والشعور بالفقد،
على الرغم من أني عملت قريبا منه لوقت ليس بالطويل، فإن هذه المعرفة بكل تفاصيلها الصغيرة تفجرت فجأة من غير تصديق، في لحظة قراءتي للخبر. سبحان الله كانت هناك أحداث متلاحقة وذكريات مع هذا الشخص العزيز الأمير الوالد رحمة الله عليه هطلت في الروح والعقل والقلب مثل مطر غزير في يوم غائم. شعرت بغمّ عميق. تذكّرت كل موقف معه، وكلّ كلمة وكلّ حادثة وذكرى. لقد عاصرته في البدايات. والبدايات كما هو معلوم تختلف عن كل شيء جاء بعدها. لأن المنجز لم يكن قد تشارك به الكثيرون. كان هذا الإنجاز متقدا في رأسه. ومنه فاض على المحيطين به كرؤية وحلم. جعل جيشا من المؤمنين به يعملون مثل خلايا نحل لتحويله إلى واقع. هذا الرجل كان، ومن المؤكد أن كل المقربين منه يعرفون ذلك، ولست أنا فقط، يحلم بشيء. بقطر جديدة. قطر مختلفة كانت في رأسه. وبالتأكيد بإنسان قطري جديد ومختلف. ثم خلال ثمانية عشر عاما أصبحت رؤياه هذه على الأرض دولة سعيدة. وسأشرح لماذا سعيدة وشعب سعيد. منذ البدايات، منذ نهاية التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة. كان يعي تماما ما ستصبح عليه قطر اليوم بالضبط. كم من مرة قال لي بالحرف الواحد: اصبر أربع إلى خمس سنوات وسترى قطر كيف ستكون. سأجعل كل إنسان يتمنى أن يكون قطريا. قال لي هذا بالحرف الواحد. قال لي أيضا: سأجعل الشعب القطري من أغنى الشعوب في العالم. ومن أسعد الشعوب. لهذا قلت قطر السعيدة. وشعب قطر السعيد. وبعد تحديدا تأسيس شركة الناقلات التي خصص جزء منها كأسهم للمواطنين في قطر سألني بعدها وكنت قد التقيت به في حفل تخرج أبنائنا، أبناؤه وأبنائي، من أكاديمية قطر أكاديمي وهو في قمة السعادة والفرح: ماذا يقول الناس؟ يعني أهل قطر. قلت له إنهم سعيدون ويدعون لك يا بو مشعل دعاء كبيرا عريضا. لقد فرّحتهم الله يفرّحك في الدنيا والآخرة. والله يا بو مشعل أهل قطر يستاهلون وأنت سخي كريم. كنت أدعوه باسمه بو مشعل فقط لا غير كما اعتاد أهل قطر دائما بمناداته بهذا الاسم: بو مشعل. الأمير. ثم الأمير الوالد. ابتسم وهو في قمة سعادته ثم فاجأني قائلا: اصبر اصبر ما شفت شيئا حتى الآن، سأجعل قطر وسأجعل قطر وسأجعل قطر واستمر يعدد ما رأيته ورأيتموه يا أهل قطر في واقعكم، وما رآه كل إخوانكم في الخليج العربي والعرب والعالم. لم يكن يقول شيئا أو يفصح عن أمنية إلا ونفذها بأسرع ما يخطر على بال البشر. وفي إحدى المرات أشار إلى موقع الدفنة الحالي بأنه يحلم بأن تصبح أفضل من منهاتن، وأفضل من كذا وأفضل من كذا وأفضل من كذا وطبعاً كلنا يعلم كيف وزع الأراضي هناك على الكثير من أهل قطر وشجعهم بل كلّم لهم شخصياً البنوك لكي تمنحهم التمويل اللازم لبناء الفنادق والأبراج والأسواق المركزية وغير ذلك. إنه رجل عظيم بكل معنى الكلمة. حوّل اللهفة إلى شغف، وحول الشغف إلى جنة كما أشار في أحد لقاءاته مع مذيع أجنبي (أهلا بك في الجنة).
عندما كتبت أوبريت قطر المجد، وكنت ربما أول من أطلق المجد على قطر، كنت أعلم بأن هذا الرجل، لأنه كان يعني كل ما يقوله على مسامعنا من أفكار عظيمة تتحول إلى منجزات على الفور، سيقود هذا البلد إلى المجد. شعرت بأن قطر سائرة معه إلى المجد لذلك أسميت الأوبريت قطر المجد.
آمنت بحماس الأمير الوالد وكل من كان معه، على الأخص حرمه سمو الشيخة موزا بنت ناصر، والمحيطون به والعاملون معه، لذلك لم أستغرب قط حينما مرت السنوات سريعاً لتصبح قطر على ما أصبحت عليه. فقد كان يعمل 24 ساعة لكي يسابق الزمن. تقدمت بمشروع في أحد الأيام وعندما اطلع على دراسة الجدوى قال لي بالحرف الواحد: أين يمكن أن تعمل هذا المشروع؟ يقصد الموقع الأنسب له. فأشرت إلى موقع معين. فما كان منه إلا أن اتصل أمامي وكان شيئا لا يصدق. حادثة لا تصدق لولا أنها حادثة حصلت معه. لقد بلغ به عشقه لقطر وأهلها إلى هذا الحد الذي لا يريد أن يضيع لحظة واحدة دون إنجاز. رتب لي الذهاب فورا للمسؤول وعرضت عليه المشروع، حيث وافق عليه على الفور.
إلى هذا الحد كان الأمير الوالد رحمه الله مشتعلاً بالنشاط، ولم يرد أن يؤجل يوماً واحداً مشروعا عُرض عليه من أجل قطر. رحمة الله عليك يا بو مشعل. كم أحزنني رحيلك.
أتذكّر أن المشاريع والمواضيع والأفكار كانت تتدفق في رأسه، وأنا أعلم والكل يعلم حوله أنها كلها كانت رؤيته. هي رؤية قطر في الأعالي. ما حدث لقطر هو رؤيته الخاصة. رؤية رجل استثنائي غير عادي وأيقوني. وجاء طبعا ابنه سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله من بعده يكمل المسيرة.
تكلمت معه مرة واحدة فقط عن موقع مشروع آخر وكان ما كان بما تعرفونه الآن. المواقف كثيرة مع هذا الرجل الذي كنت أراه في كل مكان سبحان الله في الدوحة. في إحدى المرات كنت خارجا من فندق الريتز كارلتون وإذا بشخص خلفي بسيارته الخاصة البي أم دبليو البيضاء يقول لي ايش تعمل هنا يا دكتور ويمازحني. فهو يمازح الجميع مع حفظ قدر كل واحد من الناس. ومن المؤكد أن أغلب أهل قطر رآه وتحدث إليه ويعرف ما أقصد بتلك الروح البشوشة البسيطة ذات العمق الطبيعي والغريزي، مع ذكاء بخير وللخير.
التقيت بالراحل الكبير - رحمه الله - كثيرا سواء داخل قطر أو خارجها، وأصبت بذهول الإنسان العادي أمام قائد استثنائي حين علمت من أحد المقرّبين منه بأنه كان يوصي علي بعض المسؤولين لتسهيل مهماتي. أمير دولة ويوصي على شخص بسيط هو العبد لله. هذا رجل عظيم جدا أنجبته الأمة العربية لن يتكرر. هناك قادة عرب طبعا ما شاء الله عليهم بنوا أوطانهم لكن سمو الشيخ حمد كان مميزا جدا في هذا الجانب خاصة من أجل قطر وأهلها. تحالف من أجل قطر وأحب من أجل قطر وخاصم من أجل قطر ولم يكره أحداً أبداً. وكان كل القادة في مجلس التعاون الخليجي أشقاء له، لأنه كان دائما وفيّا لأصدقائه، يساعد الصغير والكبير يساعد الدول ويساعد الناس البسطاء على السواء، ويكره البروتوكول كراهة شديدة، إذ أراد على الدوام أن يعيش حياته حرا. لذلك رأيناه في كل الأماكن، التي حتما تفتقده الآن، رأيناه في المقاهي والمطاعم والأسواق. ليس في قطر وحدها بل في دول أخرى، رأيناه في كل مكان بطاقة محبة هائلة. إذا كان للزعماء كاريزما هيبة فإن لـ حمد بن خليفة كاريزما هيبة وسعادة وطاقة إيجابية. فما أن تقترب منه حتى تشتعل نشاطا وشغفا بالعمل. ولعل من عملوا معه يعرفون ذلك تماما. ماذا أقول عن حمد من خليفة؟ ماذا أقول عن بو مشعل. لن أستطيع أن أفيه حقا لديّ من التفاصيل ما يتسّع لمجلّدات.
اتصل بي يوماً ليلاً ليسألني عن تفاصيل موضوع معين، كان يسأل عن كل صغيرة وكبيرة لا يترك شاردة ولا واردة، ويعرف الأشخاص ويعرف القبائل، ويعرف العائلات ويقدّر الصغير قبل الكبير والأم والبنت، فهذا الرجل كان يعتبر كل أهل قطر والمقيمين فيها عائلته الخاصة. لا أستطيع أن أفيه حقه أبداً كان رجلاً استثنائياً سعدت كثيرا بمعرفته كما أسعد الكثيرين. كلفني ببعض الأعمال الثقافية لصالح قطر وأعمال أخرى أيضا لصالح قطر داخل قطر رغم الفترة غير الطويلة التي كنت قريبا فيها منه إلا أنها أثّرت بي تأثيرا كبيرا جدا وزرعت محبة ومودة لهذا الرجل خالصة لوجه الله حتى كان هذا الفقد والرحيل المفاجئ. فمن شدة مودتي ومحبتي له حين قرأت خبر رحيله شعرت بكآبة واكتئاب شديد جدا مثل تلك الكآبة التي شعرت بها عندما فقدت والدي رحمه الله أو أمي رحمها الله أو أخي رحمه الله. غير مستغرب أنني أحسست أنه فقد عظيم في نفسي. لكنني قلت في نفسي الحمد لله على كل حال. فالموت حق.
حمد بن خليفة هو مؤسس قطر الحديثة وكل ما ترونه الآن كان في عقل هذا الرجل وفي روحه في يوم من الأيام، وكان يتحدث به قبل أن تروه على الأرض وعلى الواقع. كان يتحدث به، ويناقش الشركات بكل تخصصاتها، سواء تلك التي ستطور كورنيش الدوحة، أو تلك التي ستطور شارعا، أو مبنى أو مشروعا حيويا استراتيجيا. يناقشها بنفسه ويشارك في اجتماعات في الوزارات يطمئن على سير العمل أو يشارك في الحديث كما حصل معنا مرات عديدة مثلا في وزارة الثقافة، إذ زارنا فجأة ودخل إلى مكتب الوزير وناقش معنا أمورا كثيرة.
كان الأمير الوالد يعشق الرياضة لذا سما بقطر في هذا المجال إلى سماوات النجاح، باستضافة كأس العالم، وقبلها استضافة الأسياد، من قبلها المؤتمرات الرياضية، إلى آخره، كانت طموحاته رحمه الله لا يكفيها عمران ولا ثلاثة ولا أربعة ولا خمسة لكن الخير دائما فيمن خلفه من بعده من أبنائه، وعلى رأسهم سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
أود أن أقول أشياء كثيرة جداً جداً جداً من حق أهل قطر أن يعرفوها ويعلموها عن والدهم الذي رحل للتو. لكن سيأتي يوم ربما سأقولها كلها. هل عليّ أن أقول بأنني أرثي أخا كبيرا وصديقا أم قائدا ملهما؟ ذلك الرجل الذي كان شاهدا ومشاركا في كل ما يحب شعبه، والمشهد الوحيد الذي غاب عنه هو مشهد دفنه وتشييعه ومواراته الثرى، ليته شاهد كم كانت محبة الناس له قطريين وعربا وهم ينعونه ويرثونه. هناك سر في ذلك. هذا السرّ يضعه الله سبحانه وتعالى في القلوب ولا دخل لنا بذلك.
صف خليجي موحد في مواجهة التطورات بالمنطقة
الموقف المشترك الذي عبرت عنه جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، في إدانة العدوان... اقرأ المزيد
183
| 24 يوليو 2026
ويبقى باب السماء مفتوحاً
في زحام الحياة، يظن بعض الناس أن كثرة الذنوب قد أغلقت أمامهم أبواب العودة، وأن ما اقترفوه من... اقرأ المزيد
147
| 24 يوليو 2026
لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد
ليست أخطر الخسائر أن تضعف لغة أمة، وإنما أن يضعف العقل الذي يحملها. فاللغة لا تموت حين تقل... اقرأ المزيد
171
| 24 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية. وهناك دول يختصرها حاضرها، وأخرى يروي تاريخها قصة سنوات طويلة من العمل والتخطيط والصبر حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. وقطر واحدة من تلك الدول التي لم تصل إلى مكانتها العالمية في ليلة وضحاها، ولم يصبح اسمها حاضرًا في المحافل الدولية بمحض الصدفة، وإنما بجهد متواصل، وإرادة لا تعرف المستحيل، ورؤية آمنت بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. واليوم، ونحن ننظر إلى وطننا، لا ينبغي أن ننظر إليه بوصفه دولة غنية فحسب، بل بوصفه أمانة كبرى. أمانة تتمثل في أمنه، ووحدته، واستقراره، وسمعته، وإنجازاته، ومكانته التي أصبحت محل احترام العالم. فكل طريق، ومدرسة، ومستشفى، وجامعة، وميناء، ومؤسسة، وكل إنجاز تحقق على هذه الأرض، لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات من العمل والإخلاص والتضحيات. وتزداد هذه الأمانة اليوم ثقلًا في ظل أزمة إقليمية لم يعهد الخليج مثل اتساعها وخطورتها. فمن كان يتصور أن تتعرض دول الخليج، الواحدة تلو الأخرى، للصواريخ والمسيّرات والتهديدات القادمة من جهات متعددة؟ ومن كان يظن أن المدن الآمنة، والمنشآت المدنية، والممرات البحرية، ومصادر الطاقة والمياه يمكن أن تصبح في قلب المواجهة؟ لقد تعرضت دول خليجية عدة خلال التصعيد الراهن لهجمات وتهديدات طالت أمنها ومنشآتها الحيوية، ووصل الخطر إلى محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، وإلى خطوط الملاحة في مضيق هرمز والبحار المحيطة بالمنطقة. وهذا يكشف أن الحروب الحديثة لا تستهدف المواقع العسكرية وحدها، بل قد تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للإنسان: الماء الذي يشربه، والغذاء الذي يصل إلى بيته، والكهرباء التي تنير مدينته، والطريق البحري الذي تعبر منه احتياجاته. إن تهديد محطات تحلية المياه في الخليج ليس أمرًا ثانويًا، فدول المنطقة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مياه البحر المحلاة. وأي اعتداء على تلك المنشآت لا يعني تضرر مبنى فحسب، بل يعني تهديد شريان الحياة لملايين البشر. وقد أبرزت الهجمات الأخيرة على منشآت المياه والكهرباء مدى أهمية هذه المرافق أمام الحروب، ومدى ضرورة حمايتها، وتطوير البدائل، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وعدم الاطمئنان إلى أن مصادر الحياة بعيدة عن ميادين الصراع. والغذاء كذلك أصبح جزءًا من الأمن الوطني، لأن اضطراب الملاحة أو إغلاق الممرات البحرية أو تعطل سلاسل الإمداد يمكن أن يرفع الأسعار ويؤخر وصول السلع الأساسية. وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الدولة التي لا تنوّع مصادر استيرادها، ولا تدعم إنتاجها المحلي، ولا تبني مخزونها الاستراتيجي، قد تجد أمنها الغذائي رهينة قرار أو حرب وقعت خارج حدودها. وتشير تقديرات متخصصة إلى أن التوترات الإقليمية الحالية تهدد سلاسل التصدير والإمداد، وتضاعف مخاطر الأمن الغذائي في المنطقة والعالم. لهذا فإن المحافظة على قطر لم تعد مجرد عبارة وطنية نرددها، بل ضرورة وجودية تتطلب وعيًا شاملًا. فالأمن اليوم ليس حراسة الحدود فقط، بل حماية الماء والغذاء والطاقة والاقتصاد والمعلومات، وحماية المجتمع من الشائعات والفوضى والخوف. وليس كل اعتداء يبدأ بصاروخ، فقد يبدأ بخبر كاذب ينتشر في لحظات، أو إشاعة تدفع الناس إلى الهلع والتدافع وتخزين السلع، فتربك المجتمع وتخدم أهداف العدو من حيث لا يشعر ناشرها. في أوقات الأزمات يظهر المعدن الحقيقي للمجتمعات. يظهر المواطن المسؤول الذي يأخذ معلوماته من المصادر الرسمية، ولا يعيد نشر كل ما يصله، ولا يثير الذعر، ولا يستغل حاجة الناس، ولا يكدس السلع بلا ضرورة. ويظهر التاجر الأمين الذي لا يرفع الأسعار، والموظف المخلص الذي يؤدي واجبه، والإعلامي الذي يزن كلماته، والأسرة التي تربي أبناءها على الثبات والوعي، لا على الخوف والانفعال. إن حماية قطر مسؤولية كل مواطن، ولا تنتهي عند المقيم. فكل من يعيش على هذه الأرض وينعم بأمنها واستقرارها يحمل جزءًا من مسؤولية الحفاظ عليها. الوطن لا تحميه الجدران وحدها، وإنما يحميه الإنسان الواعي الذي يعرف قيمة ما بين يديه، ويحسن التصرف وقت الرخاء والأزمة. وقد أحسنت قطر الاستفادة من التجارب السابقة، فعملت على تنويع مصادر الغذاء، وزيادة الإنتاج المحلي، وبناء مرافق ومخزونات استراتيجية، وتعزيز قدرتها على مواجهة اضطرابات الإمداد. وتؤكد التقارير الحديثة أن الأمن الغذائي في قطر ما زال مستقرًا، نتيجة الاستعداد المبكر وتنوع الخطط والبدائل. لكن قوة الاستعداد لا تعني أن نركن إلى الطمأنينة، بل أن نواصل التطوير، لأن التحديات تتغير، والحروب تكشف كل يوم أدوات جديدة للضغط والاستهداف. إن أعظم الأخطاء أن نعتاد النعمة حتى ننسى كيف جاءت. فمن السهل أن يرث الإنسان وطنًا قويًا، لكن الأصعب أن يحافظ على قوته. ومن السهل أن يعيش في دولة مستقرة، لكن الأصعب أن يكون سببًا في استمرار هذا الاستقرار. فالأوطان لا تتراجع فجأة، وإنما تبدأ بالتراجع عندما يضعف الشعور بالمسؤولية، ويحل محله الاعتقاد بأن الإنجازات ستبقى مهما أهملنا. إن المحافظة على قطر تبدأ من المدرسة والجامعة ومكان العمل والشارع والمنزل ووسائل التواصل الاجتماعي. تبدأ حين يتقن الموظف عمله، ويحترم الطالب علمه، ويخلص التاجر في تجارته، ويحافظ الفرد على الممتلكات العامة، ويحسن استهلاك الماء والغذاء والطاقة، ويدرك أن الإسراف في زمن الأزمات ليس حرية شخصية، بل سلوك يمس أمن المجتمع كله. كما تبدأ المحافظة على الوطن بالوحدة. فالأزمات لا تختبر قوة السلاح وحده، بل تختبر تماسك المجتمع وثقته بقيادته ومؤسساته. وكل محاولة لإثارة الانقسام، أو نشر الكراهية، أو ضرب العلاقة بين المواطن والمقيم، إنما تستهدف جدارًا من جدران الوطن. فالناس في السفينة الواحدة، وأي ثقب فيها لن يسأل عن جنسية من يصيبه الماء. واليوم، وقد أصبحت قطر دولة ذات حضور عالمي، فإن مسؤوليتنا أصبحت أكبر. نحن لا نحمل اسم وطننا داخل حدوده فقط، بل نحمله أينما ذهبنا. العالم يعرف قطر ويراقب تجربتها ويحترم نجاحاتها، ولذلك فإن كل مواطن ومقيم سفير لهذا الوطن، يمثله في أخلاقه وعمله والتزامه قبل أن يمثله بكلماته. قطر اليوم ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل إرث حضاري ومسؤولية تاريخية وأمانة أخلاقية. وما نملكه من أمن ورخاء واستقرار ومكانة ليس أمرًا مضمونًا إلى الأبد، بل نعمة تحتاج إلى الشكر، وإنجاز يحتاج إلى الحماية، ووطن يحتاج إلى رجال ونساء يعرفون أن الولاء الحقيقي يظهر حين تتبدل الأيام وتشتد الأزمات. فليكن سؤال كل واحد منا: ماذا قدمت اليوم لقطر؟ هل حافظت على أمنها؟ هل صنت وحدتها؟ هل كنت مصدر وعي أم مصدر شائعة؟ هل كنت لبنة في البناء أم ثغرة ينفذ منها الخوف؟ الخليج يمر اليوم بامتحان عسير، وقطر ليست بعيدة عن رياحه، لكن الأوطان التي بنت مؤسساتها، ووحّدت صفوفها، وأعدّت أبناءها للأزمات، لا تسقط أمام العواصف، بل تخرج منها أصلب عودًا وأعمق وعيًا. قطر أمانة في أعناقنا، وحمايتها ليست مهمة يوم واحد، بل عهد يتجدد كل صباح، ومسؤولية يؤديها كل إنسان من موقعه، حتى تبقى هذه الأرض آمنة عزيزة، ويظل علمها مرتفعًا، ويصل إرثها إلى الأجيال القادمة أقوى مما تسلمناه.
6876
| 20 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن، لأنها ترتبط برجالٍ تركوا أثرًا عميقًا في وجدان شعوبهم، وأسهموا في صناعة مراحل جديدة من البناء والتطور. ومن بين تلك اللحظات، يأتي رحيل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، ليحمل مشاعر الحزن والفقد في قلوب أبناء قطر، لكنه في الوقت ذاته يفتح صفحات مشرقة من سيرة قائد ترك بصمة راسخة في تاريخ الوطن، وأسهم في رسم ملامح الدولة الحديثة. ونحن أبناء هذا الوطن نستحضر اليوم سيرة قائدٍ ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ دولتنا، لا بوصفها صفحات في سجل التاريخ فحسب، بل باعتبارها مرحلة عشنا آثارها ورأينا خلالها قطر تنتقل بخطى ثابتة من مرحلة البناء المتدرج إلى مرحلة الحضور المؤثر إقليميًا ودوليًا. فقد امتلك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، رؤية بعيدة المدى جعلت من التنمية مشروعًا شاملًا يقوم على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ مكانة الدولة بين الأمم. لقد أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أن الثروات الطبيعية لا تصبح مصدر قوة حقيقية إلا عندما تُدار بعقلية استراتيجية تستثمرها لصالح الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، شهدت دولة قطر تحولًا اقتصاديًا كبيرًا، كان من أبرز مظاهره تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال، الذي أصبح أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني، وأسهم في دعم مشاريع التنمية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولم يكن الاقتصاد في تلك المرحلة هدفًا منفصلًا عن الإنسان، بل كان وسيلة لتحقيق حياة أفضل للمواطنين. فقد انعكس النمو الاقتصادي على مختلف جوانب الحياة من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص جديدة أمام أبناء الوطن، مما عزز رفاه المجتمع ورسخ الثقة بمستقبل قطر. وقد احتل بناء الإنسان مكانة مركزية في فكر سمو الأمير الوالد، رحمه الله، انطلاقًا من إيمانه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن. ولهذا حظي قطاع التعليم باهتمام كبير، وشهدت الدولة توسعًا في المؤسسات التعليمية، ودعمًا للبحث العلمي، وانفتاحًا على أفضل التجارب العالمية. كما تطور القطاع الصحي بصورة لافتة، من خلال بناء منظومة صحية حديثة تهدف إلى توفير خدمات ذات جودة عالية، بما يعكس اهتمام الدولة بصحة الإنسان وكرامته. وفي الجانب المؤسسي، شهدت قطر خلال تلك المرحلة خطوات مهمة نحو ترسيخ دعائم الدولة الحديثة. فقد جاء إقرار الدستور الدائم لدولة قطر محطة بارزة في مسيرة التطور الوطني، حيث أسهم في تعزيز العمل المؤسسي، وتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، وترسيخ مفهوم المسؤولية الوطنية في إدارة شؤون البلاد. أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد تمكنت قطر من بناء حضور دولي مميز قائم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول. وأصبحت الدبلوماسية القطرية عنوانًا للحوار والوساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مما عزز مكانة الدولة وأثبت أن تأثير الدول لا يقاس بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها على المبادرة وصناعة الأثر. ومن أبرز المحطات التي جسدت نهج سمو الأمير الوالد، رحمه الله، في السياسة الخارجية، زيارته التاريخية إلى قطاع غزة في أكتوبر عام 2012، حيث كانت زيارة ذات أبعاد إنسانية وسياسية مهمة، وعكست اهتمام دولة قطر بدعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانب قضاياه الإنسانية والتنموية. وقد ارتبطت هذه الزيارة بإطلاق منحة لإعادة إعمار القطاع بلغت 400 مليون دولار، أسهمت في تنفيذ عدد من المشاريع الإسكانية والتنموية، من أبرزها مدينة الشيخ حمد السكنية، وتطوير عدد من الطرق الحيوية، إلى جانب دعم القطاع الصحي من خلال إنشاء مستشفى سمو الشيخ حمد بن خليفة للتأهيل والأطراف الصناعية. كما حملت الزيارة رسالة تؤكد أهمية دعم التنمية وتعزيز مقومات الحياة الكريمة للشعوب. كما أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أهمية الإعلام والمعرفة في تعزيز حضور الدولة وبناء قوتها الناعمة، فشهدت قطر خلال تلك المرحلة تطورًا إعلاميًا وثقافيًا لافتًا، كان من أبرز مظاهره تأسيس قناة الجزيرة عام 1996، التي أصبحت إحدى المنصات الإعلامية العربية المؤثرة، وأسهمت في تعزيز حضور قطر على الساحة الإعلامية الدولية. كما واصلت الدولة اهتمامها بالمجالات الثقافية والتعليمية والمعرفية، بما يعكس رؤية شاملة للتنمية تجمع بين الإنسان والعلم والهوية. ومن التحولات التاريخية المهمة في مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، تسليم مقاليد الحكم عام 2013 إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة عكست رؤية تقوم على استمرارية الدولة وتجدد القيادة. وقد مثل هذا الانتقال لحظة مهمة في تاريخ قطر السياسي، إذ أكد أن بناء الوطن مشروع مؤسسي تتواصل فيه الأجيال، وأن مسيرة التنمية تستند إلى مؤسسات قوية ونهج واضح للمستقبل. ولم تتوقف مسيرة التنمية عند هذه المحطة، بل واصلت الدولة طريقها نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وكان من أبرزها استضافة بطولة كأس العالم 2022، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ قطر والمنطقة. فقد عكست هذه الاستضافة مستوى التطور الذي وصلت إليه الدولة في مجالات البنية التحتية والتنظيم والقدرة على استضافة أكبر الأحداث العالمية، كما قدمت صورة مشرقة عن المجتمع القطري وثقافته وقيمه. وعندما نتحدث عن أثر هذه المسيرة على المواطن القطري، فإننا لا نتحدث فقط عن مشاريع اقتصادية، بل عن واقع عاشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فالتطور الذي شهدته الدولة انعكس على التعليم والصحة والخدمات، وأسهم في تعزيز شعور المواطن بالأمن والاستقرار والفخر بما تحقق لوطنه. وأرى أن أهم ما يميز هذه المسيرة التنموية هو قرب أثرها من المواطن، إذ أصبحت نتائجها واضحة في حياته اليومية وفي البيئة التي يعيش فيها، مما عزز شعوره بالانتماء والثقة بمستقبل وطنه. إن القادة الحقيقيين لا يُقاس أثرهم فقط بما ينجزونه خلال فترة مسؤوليتهم، وإنما بما يتركونه من أسس تستمر بعد رحيلهم. وسيبقى اسم سمو الأمير الوالد، رحمه الله، حاضرًا في تاريخ قطر وذاكرة أبنائها، بما حملته مسيرته من رؤية وإنجازات أسهمت في بناء الدولة الحديثة وتعزيز حضورها في العالم. وسيظل رحيل سمو الأمير الوالد، رحمه الله، محطة حزن في وجدان القطريين، لكنه سيبقى أيضًا مناسبة لاستحضار مسيرة قائد لم يترك وراءه إنجازات ومؤسسات فقط، بل ترك شعورًا راسخًا لدى أبناء وطنه بأن البناء الحقيقي هو ما يستمر أثره عبر الأجيال. فالأوطان لا تحفظ أسماء قادتها بما حققوه من مشاريع فحسب، بل بما زرعوه من ثقة وأمل في نفوس أبنائها، وستبقى مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، جزءًا من ذاكرة قطر، وشاهدًا على مرحلة صنعت الكثير من ملامح حاضرها ومستقبلها.
3468
| 18 يوليو 2026
«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة، لكنها تعني في جوهرها أن كل ما يُنجز إنما يُنجز من أجل قطر، لا لمصلحة شخصية، ولا سعيا وراء الشهرة أو المجد، وإنما لخدمة الوطن وأهله. هذه العبارة كانت البوصلة التي تهديني في كل ما أقوم به. وهي الشعار الذي أحمله في حياتي، تعلمته من والدي (يُبا)، الذي عاشها واقعا يوميا. فقد كان يضع وطنه وشعبه قبل نفسه. كلما كنا معه، كان الحديث دائما عن قطر. لم يكن هناك فاصل بين يوم عمل في المكتب وإجازة عائلية؛ فشؤون الدولة كانت حاضرة في ذهنه باستمرار. كان يتمتع بشخصية آسرة، وكاريزما معدية، وقدرة استثنائية على أن يجمعنا جميعا خلف رؤيته، وهي الإيمان بأن قطر تستحق الأفضل. وبتوجيهه، تحولت أفكار كانت تبدو يوما أحلاما بعيدة المنال إلى مشاريع واقعية عظيمة، ألهمت واحتضنت المواهب العربية من مختلف أنحاء العالم. وكثير من تلك المواهب أخبروني أنهم لم يشعروا بالفخر بكونهم عربا كما شعروا به في قطر. وصل والدي إلى الحكم، ثم تخلى عنه، بطريقة غير مألوفة. كان هدفه دائما أن ينقل وطننا من الفقر إلى اقتصاد قوي يجعل الإنسان وقيمته في المقام الأول. تولى المسؤولية ليُحدث التحول، ثم تنازل عنها ليمنح ابنه العزيز الفرصة لقيادة المرحلة التالية، مؤمنا بأنه أوفى برسالته، وأن أخي قادر على حمل الأمانة من بعده. بالنسبة له، كانت عبارة «المقياس قطر» تعني أيضا إفساح المجال للقيادة الشابة لتتولى زمام المسؤولية. وفي آخر لحظاتي معه، حدثني عن مدى فخره بأخي. وبعد وفاته أدركت أن قراره بالتنازل عن الحكم، رغم غرابته في منطقتنا، كان القرار الصائب. فقد أعطى كل ما يستطيع تقديمه، وحان الوقت ليسلم المسؤولية إلى جيل جديد. كنت واحدة من الشباب الذين منحهم ثقته، لكنني قبل ذلك كنت ابنته، التي منحها من الدعم والتمكين بقدر ما منح أبناءه الذكور. منذ طفولتي، لم يسمح لي أن أؤمن بوجود حدود لما أستطيع تحقيقه. علمني السباحة، والغوص، والقيادة، ولعب الورق، والتنس، والسفر، والحب، والضحك، والحياة، والأهم من ذلك كله: العطاء. شجعني على الدراسة في الولايات المتحدة، ثم في باريس، وكان يدفعني دائما إلى آفاق أوسع. وفي كل صيف كان يهيئ لي فرص التدريب العملي، ولم أتردد يوما في اتباع نصيحته، لأنه كان يعرفني أكثر من أي شخص آخر. إذا اتصل بي وشعر أنني لست بخير، كان يطمئن علي يوميا، وإذا لاحظ شيئا في نبرة صوتي كان يقول ببساطة: «صوتك مب عاجبني». كان والدي قويا ورقيقا في الوقت نفسه، عميق الشخصية ورفيع الفكر. كان يتمتع بحدس مميز، ويعطي كل ذي حق حقه. وكان يبحث عن أصحاب الكفاءة لقيادة المشاريع المختلفة، فإذا اختار أحدا منحه الثقة الكاملة ومكّنه من النجاح. كنت أتحدث معه باستفاضة عن المشاريع التي أعمل عليها، وكان يفاجئني بقدرته على تذكر التفاصيل عندما يعود ليسألني لاحقا عن تطوراتها. ولم تكن هذه العناية مقتصرة عليّ، بل كان كل من حوله يشعر بها. امتلك والدي مواهب كثيرة، لكن أعظمها بالنسبة لي كانت قدرته على الإصغاء والاهتمام بالناس. في اليوم التالي لتخرجي من الجامعة عام 2005 بدأت العمل معه. وخلال أيام قليلة كنا نسافر حول العالم، من شيكاغو إلى نيويورك، ومن طوكيو إلى سنغافورة. كانت طاقته تفوق الوصف، وإصراره الدائم يدفع الجميع إلى الأمام. وكان لكل قرار يتخذه معنى عميق. كنت في الثالثة والعشرين من عمري عندما طلب مني تولي مسؤولية متحف الفن الإسلامي. وأتذكر جيدا أنه في اليوم التالي لافتتاح المتحف نظر إليّ وسألني ببساطة: «ما هو المتحف التالي الذي سنفتتحه؟» لم يكن هناك وقت للاحتفال بما تحقق، بل كان التركيز دائما على الخطوة التالية. فقد كان يرى أن البنية التحتية الثقافية ليست مجرد مبانٍ، بل محرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجودة الحياة، وتطور الإنسان. كان يدفعني دائما إلى الاجتهاد، ويبقيني متواضعة، وقبل كل شيء إنسانة حقيقية. وكان يحب أن يضحك على نفسه، وعلمني أن أفعل الشيء نفسه. ثقته في اتخاذ القرار ومواجهة التحديات منحتني الثقة لأفعل ذلك أيضا. لقد علمني كل ما أعرفه، ليس بالمواعظ، وإنما بالقدوة. عندما تولى الحكم، ألغى الرقابة الإعلامية، وأنشأ قناة الجزيرة. وأعتقد أن هذا كان أكثر إنجاز يفخر به، ليس لقطر فقط، بل للعالم العربي بأسره. كان يريد الارتقاء بحياة العرب، وأن يعيشوا بكرامة، وأن يمتلكوا صوتا مؤثرا في الإعلام، والتعليم، والثقافة، والسينما، والرياضة، وغيرها. وكان يؤمن بالحوار لحل النزاعات، ويملك الصبر للاستماع إلى آراء الآخرين. ولم يكن يعتبر الاختلاف مواجهة، بل كان يشجعنا على قول الحقيقة، والبحث عن الرأي الصائب حتى نصل إلى الحل. وكانت القرارات تُتخذ دائما وفق ما يخدم مصلحة قطر، لا وفق الميول الشخصية. فقطر تستحق الأفضل، وكل ما يجب عمله ينبغي أن يُنجز بأفضل صورة ممكنة. وفي كل عصر، كان يقود سيارته ليتفقد المشاريع الجديدة والأحياء السكنية، وأحيانا يتوقف عند بيوت الناس ليسأل عن أحوالهم. ظل قريبا من شعبه، وكأنهم جميعا أبناؤه. فلم يكن هناك طفل أو كبير، مواطن أو مقيم، يشعر أنه بعيد عن حضوره أو عن ابتسامته. وراء القائد صاحب الرؤية، كان هناك ببساطة زوج مخلص، وأب محب، وجد حنون. كان يكنّ لوالدتي احتراما بالغا، ويثني دائما على دورها الكبير في تربيتنا وخدمة المجتمع. وكانت القيم التي يطالب بها في العمل هي نفسها التي يطالب بها داخل المنزل. لم تكن الإجازات وقتا للكسل، بل كان يوقظنا باكرا لنستثمر كل يوم، ويغرس فينا روح الانضباط. وكانت موائد الغداء تجمع السياسيين، والمفكرين، والكتّاب، والفنانين، والأصدقاء القدامى. كان والدي كريما بقلبه، ووقته، واهتمامه، وفضوله المعرفي. لا يضيع لحظة من عمره، ولا يجعل أحدا يشعر بأنه أقل أهمية منه. وكان كثيرا ما يعرّف نفسه ببساطة قائلا: «أنا حمد». وبابتسامته الدافئة وعينيه البنيتين المفعمتين بالود، كان لقاء واحد أو حديث واحد كافيا ليترك أثرا لا يُنسى. عندما يأتي الموت، لا يبقى إلا الحب والإرث. وفي أيام الحداد، بينما يتوافد الناس من مختلف أنحاء العالم إلى قطر لتقديم العزاء، أرى أعظم إنجاز تركه والدي: وطنٌ موحد، يجتمع أبناؤه ومحِبّوه من القريب والبعيد على الحزن لفقده. وأفضل طريقة لتكريمه هي أن نبقى متحدين، ومركزين، ومنضبطين، وعازمين على تقديم الأفضل لوطننا ولمنطقتنا. وستظل ثقته المطلقة وفخره بأخي مصدر إلهام لنا، لنواصل تحقيق ما يبدو مستحيلا، وأن نبقى ثابتين على هدفنا دون أن تشتتنا الأمور الجانبية. لذلك، عندما نعود إلى أعمالنا، فلنعمل بجد أكبر، متذكرين ما كان ينتظره منا: أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا، وأن نخدم وطننا بأفضل ما نستطيع، وأن نظل متواضعين، ولطفاء، وكرماء، ومضيافين كما عهدنا أنفسنا. رحم الله والدي، ولتظل ذكراه ترشدنا طوال حياتنا
1992
| 19 يوليو 2026