رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم أن التعقيدات السياسية التي تظلل مشهد الأزمة السورية أكثر بكثير، من تلك التي تحيط بالأزمة اليمنية، إلا أن وفد (الحوثيين – صالح) أبى إلا وأن يزيدها تشاؤما وتعقيدا على الشعب اليمني والمجتمع الدولي، مرسلا رسالة مفادها أن الحرب والدمار وسفك الدماء أحب وأقرب إلينا وإليكم من حبل الوريد.
مشاورات السلام المنعقدة بالكويت منذ الحادي والعشرين من الشهر الماضي ظلت تراوح مكانها رغم كل المحاولات الحثيثة التي قام بها المبعوث الأممي ولد الشيخ أحمد ومن خلفه دولة الكويت من أجل إحراز أي تقدم في الملفات العالقة بين الطرفين سوى ما طرأ مؤخرا في ملف المعتقلين والمختطفين.
والسبب الذي كان معلوما ومتوقعا لدينا ولدى معظم المراقبين، حتى قبل إعلانه ورغم كل الأنباء التي كانت ترد بشكل متقطع بتقدم إيجابي تارة وسلبي تارة أخرى في سير المفاوضات، هو أن وفد الانقلابيين لم يكن منذ البداية جادا أو متحليا بروح المسؤولية التي تجعله ينظر بعين الاعتبار لما آل إليه الوضع الإنساني المأساوي لشعبه.
ذلك الوضع الذي أشارت إليه الأمم المتحدة قبيل بدء هذه المفاوضات معلنة تدهوره بشدة، مع تقارير توضح أن 80% من سكان اليمن أصبحوا بحاجة ماسة إلى مساعدات، ونحو نصف الشعب اليمني تقريبا يقف على حافة المجاعة.
المؤشرات السلبية التي أفضت قطعا لهذه النتيجة المحبطة للشعب اليمني الذي كان يمني النفس وينتظر بفارغ الصبر أخبارا سعيدة من الكويت كثيرة وواضحة نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر الآتي:
تأخر أو تلكؤ وصول وفد (الحوثيين – صالح) للكويت، ثم البطء في إعداد الأوراق التفاوضية التي تحدد رؤيته للحل الشامل للأزمة، ثم اختراقه المتواصل لاتفاق الهدنة ووقف إطلاق النار، وأخيرا وليس آخرا إطلاق صاروخ باليستي تجاه السعودية، حصاره لتعز ومنعه لوصول المساعدات الإغاثية للمحتاجين، ثم هجومه واقتحامه للواء العمالقة.
ما يحتاجه اليمن وما هو مطلوب من وفد (الحوثيين – صالح) في هذه الجولة من المفاوضات لحل الأزمة سلميا ولإنقاذها من الفشل، جلي وواضح ولايحتاج لأي نوع من أنواع التسويف والمراوغات.
تحولهم لحزب سياسي وتسليمهم السلاح للدولة، والالتزام بقرارات الأمم المتحدة ونتائج مؤتمر الحوار الوطني الشامل والكف عن أي أعمال استفزازية، ثم إطلاق سراح المعتقلين دون قيد أو شرط (وليس أسرى الحرب لأن هؤلاء لهم قنوات أخرى لفك أسرهم) وسحب قواتهم من جميع المناطق التي استولوا عليها بما في ذلك العاصمة صنعاء.
هذه المطالب ليست شروطا أو إذعانا أو استسلاما من قبل (الحوثيين – صالح) للطرف الآخر المفاوض لهم لو ارتضوا بها ونفذوها كما يردد حسن نصر الله ومن خلفه إعلام قنوات طهران، ولكنها مهر غالي لحقن دماء الشعب اليمني وأرضية سياسية صلبة لتأسيس دولة المستقبل، دولة القانون والمؤسسات والمساواة والعدالة والتعددية الديمقراطية التي تسع الجميع.
في المقابل لم يقدم الوفد الانقلابي إلا موقفا تفاوضيا نشاذا (حسب معظم المصادر التي خرجت للإعلام)، كانت أهم ملامحه قفزهم للبند الأخير الذي يقضي بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية دون الخوض في قرار مجلس الأمن الخاص بالانسحاب من المدن وتسليم السلاح والانخراط في عملية سياسية.
كما أغرقوا المفاوضات بمطالبات جانبية أخرى مثل المطالبة بمنصب رئيس الدولة في السلطة التنفيذية القادمة، وقف الغارات التي تستهدف المناطق التي تسيطر عليها القاعدة معتبرة أنها انتهاك للسيادة الوطنية!
ظل المبعوث الأممي يتنقل بين المحاور محاولا الخروج من هذا المآزق التفاوضية التي وضعها أمامه وفد (الحوثيين – صالح)، إلا أنه أصيب في الأخير بالصدمة والذهول بعد عدم موافقتهم على مناقشة جدول الأعمال، ورفضهم أيضا الانخراط في النقاشات عبر اللجان التي شكلت لذلك في البداية ثم عدم التجاوب بعدها سوى لجنة ملف المعتقلين.
ففي الوقت الذي ظل يردد فيه المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد لوفد (الحوثيين – صالح) أن ما يطرحونه من نقاط تجاوزته المفاوضات وأنه لا يمكن الرجوع لنقطة الصفر، كان الطرف المقابل سادرا في غيه مصرا بتعنت غير مسؤول القفز فوق المراحل وتحوير الحوار حسب أولوياته!
ما قامت به المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج العربي من جانب وسلطنة عمان من جانب آخر، ومعهم المبعوث الأممي من أجل وقف معاناة شعب اليمن العظيم جهد عظيم وأخوي سوف يسجله لهم التاريخ، ويشكرون عليه أيما شكر، ولكن إزاء هذه المستجدات الطارئة تبرز على السطح أسئلة ملحة يجب أن تطرح بقوة.
هل ستظل الجامعة العربية (محلك سر!) سلبية كعادتها في كل الأزمات العربية وإزاء هذه المأساة اليمنية تحديدا، تاركة الأمر برمته لتتحمله دول مجلس التعاون الخليجي لوحدها؟
وهل سيظل المجتمع الدولي صامتا لا يتحمل مسؤولياته إزاء المشكل اليمني دون أي تدخل جاد ينهي هذه الصراع المرشح لمزيد من التفاقم؟
وهل سيترك الجميع اليمن ومصير شعبه المكلوم، رهنا لنزوات وتخبطات جماعة الحوثي – صالح ولتدخلات إيران العبثية بعد أن ثبت بما لا يدع إلى الشك أنهم ليسوا جادين في التوصل لحل سياسي سلمي للأزمة؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026