رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» يوم الخميس الماضي نجاح هبوط مركبتها «برسيفيرنس» على سطح كوكب المريخ بعد رحلة استغرقت سبعة أشهر، بهدف استكشاف الكوكب والبحث عن حياة سابقة عليه.
ورغم أن نوع الحياة التي تسعى هذه الرحلة للبحث عن آثارها بحسب «ناسا» هي حياة ميكروبية قديمة ربما وجدت قبل سنوات طويلة، الا ان المخيلة البشرية لطالما كانت مفتونة بمسألة البحث عن وجود حياة عاقلة و»واعية» خارج كوكبنا الأزرق، ولطالما راودها سؤال ملح حول وجود حياة عاقلة وحضارات ذكية في المجرات البعيدة.
وعلى كُلٍ، لا يقتصر هذا الهاجس على المخيلة الشعبية وأفلام الخيال العلمي والفانتازيا الأدبية وحسب، بل ان قضية وجود حيوات عاقلة خارج كوكبنا الصغير تعد قضية جوهرية مطروحة على طاولة البحث العلمي، وتشغل حيزا مهما في علوم الفضاء ومساعي البحث العلمي، ومع الاقرار بعدم وجود دليل يسندها حتى الآن، فإن الحال كذلك بالنسبة لنقضها، حيث لا يوجد دليل يفند أو يدحض فرضية وجود حياة في مجرات الكون الفسيح، وهو ما يترك الباب مفتوحاً امام مساعي البحث عنها.
تمثل المعرفة البشرية المعضلة الكبرى التي تواجه العقل الإنساني، حيث ان تقدم تلك المعرفة وتطورها وتشعبها، أوهم الانسان انه بلغ مبلغاً من العلم تكشفت معه كافة أسرار الكون الذي يحيطه، وأصبح معها ملماً بخوافيه ولم يعد بحاجة لزيادة رصيده من المعرفة والبحث، وللدقة هنا، فإن هذه المعضلة تواجه الانسان من غير العلماء والباحثين الذين يدركون جلياً انهم رغم التقدم الذي يحققونه فهم ما زالوا في بداية الطريق، وان كل كشف علمي مبين يبرز لهم ضآلة معرفتهم ويكشف لهم ان ما يخفيه عنهم العالم أكبر واكثر تعقيداً.
من أبرز المسائل وأكثرها أهمية وحساسية في حقل البحث العلمي، المسألة المتعلقة بحدود المعرفة او ما يعرف بـ «نظرية المعرفة» وهي النظرية التي تطرح سؤالاً جوهريا مؤرقاً وهو «كيف نعلم أننا نعلم؟»، وهل المعرفة ممكنة أم لا؟ فالعقل الانساني ومع الاعتراف بمحدوديته وضآلته أمام تعقيد الكون، فإنه يبقى وسيلتنا الوحيدة نحو سبر أغوار المعرفة، والتحدي الأكبر الذي يواجه العقل الانساني في عصرنا الراهن يتمثل في أن المعرفة لم تعد حكراً على الراسخين في العلم وحسب، بل انها أصبحت بفضل التقدم الذي نعيشه حقاً ينهل منه الجميع ويشكل توجهاتهم ويبلور تصوراتهم دون شرط او قيد ودون إلزام بامتلاك منهجية علمية لتحقيق تلك المعرفة، وهو ما اوقع انسان العصر الحديث في معضلة كبيرة تتعلق بتوهم المعرفة.
تترتب على تلك المعضلة عدة سلبيات ليس اقلها اساءة استخدام المعرفة والتطور والتسلح النووي، وصولاً الى تمويل الابحاث العلمية ودعمها، وعدم وضع بعض الحقول المعرفية موضع الأهمية الذي تستحقها، وبالنظر الى تاريخنا المعرفي والتراكم المتسارع للمعارف خلال السنوات الأخيرة وبمقارنة تلك المسيرة مع ما وصلنا اليه اليوم من التقدم سندرك حتماً مدى تواضع معارفنا في السابق ومدى زهو اسلافنا بما حققوه في حينها من تقدم، ظناً منهم انهم بلغوا من العلم والمعرفة ما لا يحتاجون معه لزيادة رصيدهم منه، والسؤال هنا هو ما الذي يجعلنا نظن اننا تجاوزنا هذه المرحلة من البدائية من المعرفة، خصوصا واننا لم نتمكن بعد من كشف اصغر اسرار العالم ولم نتمكن حتى الآن من ادراك ابرز ما يميزنا؟!.
يعد الوعي «Consciousness» ودرجته عند الانسان هو ما يميزه عن باقي المخلوقات التي تشاركه هذا العالم، الا ان هذا الوعي يعد السر الاكبر واللغز الأعظم، فالعلم لم يتمكن حتى الآن من فك شيفرة هذا اللغز المحير، من حيث ماهيته؟ واين يتمركز وكيف يعمل، وما هي الحدود التي تفصل الوعي الانساني عن الوعي الذي تمتلكه باقي المخلوقات، فالوعي عند الحيوانات يواجه صعوبة في توصيفه لا تقل عن الصعوبة التي تواجهنا عند توصيف الوعي الانساني، فالحيوان يفتقر للغة الانسانية التي تمكنه من إخبارنا عن تجاربه واحاسيسه، الا انه بلا شك يمتلك درجة من الوعي تمكنه من ان يكون ما هو عليه.
ولكشف تواضعنا المعرفي يمكننا تأمل الحواجز التي تفصل الوعي الانساني عن الوعي لدى الحيوانات، فالملاحظ على الحيوانات وخصوصا الأليفة منها قدرتها على التعلم والتفاعل مع الانسان، فالقط الذي يجول في ارجاء المنزل يمكنه تعلم كثير من الامور ومعرفة افراد الاسرة ومواعيد طعامه، كما انه يظهر الكثير من ردود الافعال الذكية، ومع ذلك فحدود وعيه تصطدم بحاجز سميك يستحيل اجتيازه، فالقط في هذا المثال ومهما طال مكوثه مع الانسان فإنه يقف عاجزا امام فهم العلاقات الاسرية والمعتقدات التي يحملها الاشخاص وهو على كل حال لن يكون قلقاً حيال مستقبله.
لقد قام كثير من العلماء بإجراء التجارب على الحيوانات بهدف تعليمها واكسابها المهارات، وقد اثبتت تلك التجارب ان بعض انواع الحيوانات قادرة على تعلم بعض المهارات البسيطة ويمكنها حل بعض المشكلات، الا ان تلك القدرة تبقى ضمن حاجز لا يمكن تخطيه مهما بلغ ذكاء ذلك الحيوان، ربما يبدو هذا امرا بديهيا ومن السذاجة ايراد مثال كهذا، الا ان ذلك ينبئنا بمحدودية وعينا وادراكنا نحن ايضا، ويطرح سؤالا مهما عن حدود معرفتنا، وعن اشكال الوعي من حولنا، وعوداً على ما بدأنا به المقال حول جهود البحث عن حياة خارج كوكبنا أو مجرتنا سواء أكانت حياة ذكية ام بدائية، يتبادر الى الذهن سؤال ملح يتعلق بتصوراتنا وافتراضاتنا المبنية على معطياتنا العقلية والحسية، وجدوى البحث عن حياة قائمة على الكربون حصراً، والافتراض بأن وعينا المحدود قادر على ادراك جميع ما يحيط به.
وأمام ذلك، يتحتم علينا أن نعي موقعنا من الاعراب في هذا الكون الفسيح، وان نقر أن كل قفزة معرفية نحققها او كشف علمي ننجزه يعظم من مساحة الجهل الذي يواجه الانسان، ويزيد الغموض الذي يحيط ادراكه، وعليه، فلا خيار امامنا من ان نتواضع معرفياً وان نقر بأن جميع معارفنا وعلومنا على ازدهارها، هي في واقع الامر ليست سوى رأس الجبل الجليدي الذي يخفي المحيط جزأه الاكبر، وان ما نبحث عنه في الكواكب البعيدة ربما يعيش بقربنا ولكنه في بعد آخر قد نتأخر في اختراق حواجزه او كشف استاره.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1512
| 29 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
1155
| 31 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
795
| 24 مايو 2026