رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد سنحت لي الفرصة عندما كنت مديراً عاماً لوكالة الأناضول للأنباء، لزيارة الدول الناطقة باللغة العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وذلك للتعريف بالمزايا التي تقدمها نشرة اللغة العربية، التي تبثها الوكالة، لقد طرح علي مراراً وتكراراً وفي العديد من البلدان التي زرتها، سؤال "عمّا إذا كانت تركيا هي جزء من مشروع عثماني جديد أم لا؟"، فيما كان يدعي آخرون مع كل حفل افتتاح لأحد مكاتبنا الجديدة في الشرق الأوسط، بأن تركيا تقوم بالتأسيس لحلم عثماني جديد.
لقد تلقيت العديد من الرسائل، عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، لاستخدامي كلمة "الحجاز"، في إحدى مقالاتي التي نشرت في الأسابيع الأخيرة، حيث ادعى البعض أن استخدامي لتلك الكلمة (أي الحجاز)، ينم عن وجود أهداف إمبريالية، ووجود رغبة في اتجاه إعادة استعمار المنطقة، وبناء إمبراطورية عثمانية، كما لم تخل بعض الرسائل التي تلقيتها، من عبارات قاسية وشتائم.
"الإمبريالية العثمانية والخيانة العربية"
إن إدعاءات من قبيل "العثمانية الجديدة"، و"التوسعية"، و"عودة الاستعمار"، تعتبر من المصطلحات الأكثر شيوعاً بين أولئك الذين يريدون خلق وتحفيز وجود تيار معارض لتركيا في العالم العربي، وفي الضفة المقابلة تماماً، نرى وجود تيار يدّعي وقوف العرب إلى جانب الإنكليز في الحرب العالمية الأولى، وقيامهم بغدر الأتراك وطعنهم من الخلف، وخيانتهم للدولة.
إن تلك الإدعاءات، الموجودة داخل المجتمعين (العربي والتركي)، لا تجذب السواد الأعظم من أفراد المجتمع، إلا أن المناهج التعليمية في البلاد التي تدور في فلك الغرب وتقع تحت دائرة نفوذه، تفرد مساحات واسعة لمثل تلك الإدعاءات، وأعتقد أن الأشخاص الذين يعملون على ترويج مثل هذه الإدعاءات، لا يمتلكون أفكاراً جيدة تجاه العالم الإسلامي، كما أعتقد بأن الأشخاص الذين يعملون على إنتاج مثل هذه الإدعاءات، وإشاعتها داخل أفراد المجتمع، هم الأشخاص الذين لا يمتلكون وعياً تجاه مفهوم الأمة، ولا يدركون أهمية هذا المفهوم.
كان يطرح علي السؤال التالي بشكل مستمر "ما هو الهدف من بث وكالة الأناضول أخباراً باللغة العربية؟"، وكنت أجيب على ذلك السؤال دوماً بالقول: "إن هدفنا من بدء بث أخبار باللغة العربية اعتباراً من 2011، هو نفس الهدف الذي دفع "وكالة فرانس برس" عام 1969، و"رويترز" عام 1980 على إطلاق بث باللغة العربية"، أعتقد أنه من اللافت جداً قيام البعض بتوجيه مثل هذا السؤال لي، في الوقت الذي لا يجدون ضيراً في قيام وكالات غربية، ببث أخبارها باللغة العربية، وافتتاح مكاتب لها في كل زاوية من زوايا الشرق الأوسط، ولا ينبسون ببنت شفة، تجاه تلك الوكالات، ولا يصفونها بأنها جزء من مشروع استعماري، يهدف لاستعمار المنطقة. لقد أثار تكرر طرح هذا السؤال فضولي، فقمت بالتقصي عن الأشخاص الذين يكررون طرح هذا السؤال على مسامعي، وتبين لي أن معظمهم صحافيون، سبق وأن عملوا في وكالة "فرانس برس" و"رويترز"، بصراحة لم أكن مندهشاً أبداً..
عالم إسلامي أسير لإعلام الوكالات الغربية
دعونا لا ننسى، أن التبادل الإخباري بين تركيا والعالم العربي، كان يتم من خلال وكالات غربية، إلى أن بدأت وكالة الأناضول للأنباء بث أخبارها باللغة العربية، لقد بقيت وسائل الإعلام التركية الراغبة بالحصول على أخبارٍ حول العالم العربي، ووسائل الإعلام العربية الراغبة بالحصول على أخبار عن تركيا، أسيرة للأخبار التي تنقلها وكالات الأنباء الغربية، قرابة قرن من الزمن.. لم تكن الأخبار المهمة في البلدان العربية وتركيا – بما في ذلك تصريحات رؤساء الدول التي تحمل في طياتها رسائل هامّة - تترجم إلى لغات مختلفة.
بل وهنالك ما هو أخطر مما سبق، حيث كانت الوكالات الغربية، تشكل شبكة التواصل في مجال الأخبار بين الدول العربية نفسها، وعليه، فنحن لا نعرف مقدار الأخبار الملفقة، والكاذبة، والتي وقع فيها أخطاءٌ في الترجمة، خلال تلك الفترة، ولعل إدعاءاتٍ من قبيل "الإمبريالية العثمانية" و"الخيانة العربية"، التي أثارت مشاعر العداء بين شعوبنا، قد انتشرت في منطقتنا بهذه الطريقة. أما الآن، فلم نعد أسرى لدى البلدان الغربية، حيث تقوم وكالة الأناضول بترجمة جميع الأخبار المهمة في المنطقة العربية، إلى اللغات التركية والعربية والإنكليزية والفرنسية، كذلك الأخبار الخاصة بالتطورات في تركيا، تترجم إلى 8 لغات، بما في ذلك اللغة العربية، وهذا يعني طبعاً، كسر احتكار الوكالات الغربية لتلك الأخبار، فعل أزعجت كل تلك التطورات أحدهم يا ترى؟.
لماذا لا يكون هنالك مشكلة عندما يفعلها الإنكليز أو الفرنسيون؟
لم تطفُ تلك المشاكل على السطح، قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، حيث كانت تركيا تولي وجهها صوب الغرب بشكل كامل، وكانت تمتلك علاقات محدودة جداً مع الدول العربية، وهنا أتساءل عمّا إذا طرحت مثل تلك الانتقادات والتساؤلات في المنطقة العربية، خلال تلك الفترة، وفيما إذا انتقد أولئك الصحافيون كلا من بريطانيا، التي أقامت علاقات سياسية واقتصادية مع مصر، وفرنسا، التي أقامت علاقات مماثلة مع تونس والمغرب، أو اتهموا تلك البلدان بالسعي لـ "إعادة حقبة الاستعمار"؟ إن بدء الصحافة الغربية بكتابة مقالات تحذر فيها من عودة تركيا إلى امتلاك قوة تماثل قوة "للدولة العثمانية"، وقادرة على السيطرة على المنطقة، جاء بالتوازي مع تغيير رجب طيب أردوغان لقواعد العمل السياسي والدبلوماسي في تركيا، وشروعه في إقامة علاقات قوية ومتينة مع جميع الدول العربية، وقد تناقلت بعض الصحف العربية تلك المقالات، وروجت لها.
أما اليوم، فلا نجد في تركيا قط، كتابا تربويا يعتبر أن "العرب أقدموا على خيانة العثمانيين"، بل بالعكس تماماً من ذلك، يتم تشجيع النشر باللغة العربية في تركيا، كذلك تشجيع المحال التجارية والشركات، على كتابة لوحاتها التجارية باللغتين التركية والعربية.
إن رفع يافطة "العثمانية الجديدة" يتم لتحقيق هدفين محددين، هما، تشويه صورة الدولة العثمانية وتاريخها في المنطقة، ومنع تعزيز العلاقات بين تركيا والدول العربية، وهكذا، تضمن بعض الأطراف استمرار بقاء حالة التشرذم التي تعتري العالم الإسلامي، بعد انهيار الوحدة الإسلامية قبل قرن من الزمن.
عندما يمكن قيام "اتحاد أوروبي" ولا يمكن قيام "وحدة في الشرق الأوسط"
لقد تمكن الغربيون، من تأسيس "اتحاد أوروبي"، ونسيان حربين ثقيلتين جاءتا على الأخضر واليابس، خلال 50 عامٍ فقط، وتسببتا بقتل الملايين من الناس، ورغم أن جميع الدول الأعضاء في الاتحاد، هي دول مسيحية، إلا أن أحداً لم ينتقد ذلك الاتحاد ولم يفسره على أنه "وحدة للأمة المسيحية"، و"عودة تجسّد روح الحروب الصليبية"، لكن عندما يتعلق الموضوع بالبلدان المسلمة، ترى العالم كله يقف متأهّباً، ويبذل كل ما في وسعه من أجل إجهاض أي جهودٍ تبذل في اتجاه عمل مشترك قد يقوم بين البلدان الإسلامية، أو منع تبلور أي رغبة في اتجاه بناء وحدة ضمن منطقة الشرق الأوسط.
لم يكن لديَّ أي نية سيئة، عندما أطلقت مشروع بث الأخبار باللغة العربية في وكالة الأناضول للأنباء، أو عندما استخدمت وصف "الحجاز" للإشارة إلى الأماكن المقدسة بالنسبة لجميع المسلمين، بل لم أكن أعلم حتى أن تلك الكلمة قد تزعج البعض، وقد علمت ذلك للمرة الأولى، من خلال الرسائل التي وصلتني على حسابي، في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".
على العالم الإسلامي التخلص من المحظورات والممنوعات، والادعاءات الكاذبة، وعلينا تذكر أن "الهُوّة الحضارية" التي تفصلنا عن الحضارة الغربية، تقارب ال 100 عام، حيث حققوا تقدّماً فيما تأخّرنا، ولم تشهد بلدانهم منذ الحرب العالمية الثانية حروباً، ولا إرهاباً، ولا فوضى، فيما زالت تشهد بلداننا معاناةً أليمة، وسيلا من الدموع، ونزيفا غير منقطع من دماء الإخوة منذ مائة عام. متى سنقول "كفى" لكل ما يحدث، ومتى سنبدأ بالعمل من أجل إيجاد حلول لكل المشاكل العظيمة التي تواجهنا؟..
كيف سيكون مستقبل سوريا؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); لن يكون أي شيء كما كان من قبل في بلد أريقت بها الدماء.... اقرأ المزيد
3642
| 04 يناير 2017
ماذا حدث في سوريا، وما الذي فعلت تركيا؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); استعادة نظام الأسد السيطرة على مدينة حلب، بدعم من روسيا وإيران، كان أكبر... اقرأ المزيد
1271
| 28 ديسمبر 2016
هل تندلع حرب أهلية في تركيا؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); من أبرز القضايا التي يجري نقاشها اليوم في تركيا هي: هل تندلع حرب... اقرأ المزيد
722
| 21 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5811
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2988
| 29 سبتمبر 2026