رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا لاحظت أن الدولة التي ناصبت الربيع العربي العداء منذ لحظاته الأولى هي ذاتها التي تقود تحولات المنطقة في الوقت الراهن، فإن ذلك يعد مؤشرا يمهد للإجابة عن السؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟
(1)
المنطوق أعلاه ختمت به مقالة الثلاثاء الماضي (11/3/2014) التي كان عنوانها «نحن نزرع وإسرائيل تحصد»، وأوردت فيها عديدا من الشهادات التي عبرت عن حفاوة الإسرائيليين الشديدة بالتحولات التي شهدتها مصر، وآخرها حظر أنشطة حركة حماس باعتبارها منظمة «إرهابية» كما أوردت شهادات أخرى عبرت عن المدى الذي بلغه الاسترخاء الاستراتيجي الإسرائيلي في ظل تلك التحولات. واطمئنان قادة الدولة العبرية إلى جسور التفاهم الممتدة مع بعض الأنظمة الخليجية انطلاقا من التقاء المصالح بين الطرفين في مواجهة «الخطر الإيراني».
ولئن توقع البعض منى أن أفي بما وعدت حين طرحت السؤال: إلى أين نحن ذاهبون، فإنني أرجو ألا يحسنوا الظن بى إلى الحد الذي يصور لهم أنني على علم بالمآلات التي تنتظر العالم العربي في نهاية المطاف، وهو ما لا أستطيع أن أدعيه، لكنى فقط أستطيع أن أشير إلى بعض علامات الطريق الذي نمضى عليه، متصورا أن ذلك يساعدنا على تصور المآلات في الأجل المنظور على الأقل، وقبل أن أعرض ما عندي من تلك العلامات فإنني أضيف إلى ملف الشهادات الكاشفة واحدة مهمة نشرتها جريدة «الشروق» في 7/3 الحالي، لمراسلها في واشنطن الأستاذ محمد المنشاوي، الذي هو في الوقت ذاته خبير بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن ومتخصص في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. في شهادته ذكر الأستاذ المنشاوي ما نصه: لم يتخيل أكثر العرب تشاؤما أن يأتي اليوم الذي يذكر فيه مسؤول أمريكي أنه «لو غطى وجوه من قابلهم من كبار المسؤولين خلال زياراته الأخيرة للرياض وأبوظبي وتل أبيب واستمع إلى تصوراتهم بخصوص قضايا ومستقبل الشرق الأوسط. فلن يستطيع التمييز بين السعودي أو الإماراتي أو الإسرائيلي، حيث إن آراءهم متطابقة حيال تلك القضايا». وهى شهادة أكتفي بها دون تعليق، وأزعم أنها تشكل إحدى علامات الطريق الذي نحن ماضون عليه.
(2)
ما عاد خافيا على أحد أن الدولتين المذكورتين تبنتا موقفا مقاطعا ورافضا للربيع العربي منذ لاحت بوادره في عام 2011، وكانتا من أشد أنصار الرئيس الأسبق حسني مبارك ونظامه، حتى كان عدم مساندة واشنطن لمبارك إحدى نقاط الخلاف بينهما وبين الإدارة الأمريكية، ولم تكتف الدولتان بمقاطعة الربيع العربي ولكنهما لم تتوقفا عن محاصرته ومحاولة إجهاضه في جميع الدول التي بلغتها أصداؤه، في مشرق العالم العربي ومغربه، والقرائن الدالة على ذلك كثيرة بعضها خفي تكفلت به الأجهزة الأمنية، وأظهرها مورس من خلال الدعم المالي الذي بدا باذخا في محاولة صد رياح الربيع ودعوات التغيير التي استصحبته، في حين ظل ممسكا وممتنعا عن الدول التي بلغتها أصداء التغيير. وقد بدا ذلك موقفا مفهوما اقتضاه الحرص على الدفاع عن النفس وتأمين الداخل من عواقب التفاعل مع أصداء الربيع التي أنعشت الآمال في مختلف أرجاء العالم العربي. إلا أن قوة تلك الأصداء بدت مقلقة بحيث دفعت الدولتين إلى محاولة وقف ذلك المد خارج حدودها بمختلف السبل، الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول إنهما احتلتا مقعد قيادة الثورة المضادة، وكان تحركهما مشهودا في ذلك الاتجاه على مختلف المستويات، السياسية والاقتصادية والإعلامية.
ما حدث في مصر كان الإنجاز الأكبر الذي تحقق في ذلك المسعى. ورغم أن خلفيات التغيير لم تتكشف وقائعها بعد، إلا أن اندفاع البلدين في الحفاوة به ودعمه بعد حدوثه كاف في دلالته. إن لم يكن الدافع إلى الإسراع في إثبات الحضور في قلب المشهد المصري مقصورا على محاولة الفوز بالدولة العربية الأكبر، وإنما اعتبر ذلك بابا أوسع لصد رياح الربيع العربى وإضعافه حيثما وجدت.
رسالة البلدين كانت واضحة من البداية دون إعلان، فهما بالأساس ضد 25 يناير 2011 ومع التمرد (المحظور فيهما) الذي أفضى إلى انتفاضة 30 يونيو 2011 ومهد لنظام الثالث من يوليو. ولست أشك في أن الجموع التي خرجت يوم 30 يونيو لم تخطر على بالها التداعيات اللاحقة للحدث، علما بأن خروجها آنذاك كان إعرابا عن السخط على أداء حكم الإخوان والدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن مفاجئا في خبرة الأداء السياسي. أن يمضي الغضب في اتجاه، ثم يقطف ثماره آخرون ويوظفوا الغضب باتجاه آخر.
يغرينا المشهد بالمقارنة بما جرى في عصر الرئيس الأسبق أنور السادات. الذي انتسب إلى ثورة 23 يوليو 52 ثم أخرج البلد من مسيرة النضال العربي ومن الصف العربي. ذلك أن ما حدث في مصر مؤخرا يكاد يكرر تلك التجربة. فما جرى في الثالث من يوليو 2013 انتسب بدوره إلى ثورة 25 يناير 2011 واعتبر انتفاضة 30 يونيو امتدادا لها، ثم أخرج مصر من الربيع العربي.
لقد كانت السعودية أول دولة هنأت القاهرة بالتغير الذي تم ولحقت بها الإمارات. ثم توالت رسالة الحفاوة بالوضع المستجد مع الحط من شأن ثورة 25 يناير في إعلام البلدين. وبعد ذلك انهالت صور الدعم والمساندة، التي توالت من باب الاقتصاد وهو الوتر الحساس في أزمة الوضع المصري. وحتى الآن تم ضخ 16 مليار دولار في الخزانة المصرية. وقرأنا عن مليون مسكن جديد ستقوم الإمارات بتمويلها في مصر، وقيل إن هناك مليونا أخرى من مجلس التعاون الخليجي. كما تحدثت الصحف عن آلاف رؤوس الماشية التي تم الاتفاق عليها لإغراق الأسواق المصرية بها. وما تم في الشق الاقتصادي تكرر في عدة مجالات أخرى. أعلن عن بعضها ولم يعلن عن البعض الآخر. لست أستبعد أن يكون كل ذلك مسكونا بمشاعر التضامن والمروءة والمقدرة، إلا أنه لم يكن بغير مقابل. ذلك أن الدول ــ حتى إذا كانت شقيقة ــ ليست جمعيات خيرية، ولكن لها حساباتها ومصالحها التي تتوخاها فيما تتبعه من سياسات.
(3)
في الخامس من شهر مارس الحالي سحبت ثلاث دول خليجية سفراءها من قطر لأول مرة في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، والدول الثلاث هي السعودية والإمارات والبحرين. وبعد ذلك بأيام قليلة جرت مناورات عسكرية مصرية إماراتية في أبوظبي حملت اسم زايد (1). وفي الوقت الذي كانت المناورات جارية فيه زار مسقط الرئيس الإيراني حسنى روحاني في مسعى لتوثيق العلاقات وتنسيق التعاون مع سلطنة عمان ــ ما الذي يعنيه ذلك؟
عند القراءة المتأنية ستدرك أن سحب السفراء كان بداية انهيار وتفكيك مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في عام 1981. يعنى أيضا أن الإمارات أرادت أن تستقوي بمصر في مواجهة قطر من خلال المناورات المشتركة، وهو ما عبرت عنه الصحف المصرية التي ذكرت أن المناورات بعثت برسالة إلى قطر وتركيا (البعض أضاف الولايات المتحدة). يعنى ذلك أيضا أن إيران ارتفعت أسهمها أكثر في الخليج، بعد التفاهمات التي حدثت بين واشنطن وطهران بخصوص المشروع النووي الإيراني. إذ وجدت أن الظرف بات مواتيا لمد مزيد من الجسور مع السلطنة التي شهدت التفاهمات الإيرانية الأميركية (أعلن يوم الأحد 16/3 أن إيران تعتزم بناء عشر محطات نووية على سواحل الخليج وبحر عمان).
هل هذا كل شيء؟. ليس بالضبط، لأنه يعني في الوقت ذاته أن الأوراق بصدد الاختلاط في الخليج، الأمر الذي يؤدى إلى ظهور خرائط جديدة له تستصحب تحالفات عربية جديدة ستكون مصر طرفا فيها وستقوم السعودية ومعها الإمارات بدور القيادة لها.
سننحى جانبا مظاهر الفوضى المشرقية التي تلوح في سوريا والعراق وبدرجة أو بأخرى لبنان. ولن نتحدث عن أصداء الداخل في السعودية والإمارات حيث مكنتها التوازنات الجديدة من تشديد القبضة الأمنية وإحكام قمع أصوات دعاة الإصلاح الذين أصبحوا يصنفون كإرهابيين، وهو ما لاحظناه من محاكمات النشطاء في البلدين، التي طالت حتى المغردين الذين يسجلون خواطرهم على موقع «تويتر». لن نخوض أو نفصل في هذا أو ذاك. لكننا سنجد أننا بصدد خرائط جديدة للاستقطاب. واحدة تضم السعودية والإمارات والبحرين وبدرجة ما الكويت. ومعها مصر والأردن وإسرائيل. والثانية يضم قطر وتركيا وتونس وبدرجة ما إيران وسلطنة عمان. وهناك دائرة الدول التي تقف في البين بين مثل المغرب والسودان واليمن وموريتانيا والجزائر. (ليبيا لاتزال تبحث عن موقع).
لسنا نبالغ إذا قلنا إن العالم العربي مقبل على حالة من الفوضى التي تظل الأبواب خلالها مفتوحة أمام مختلف الاحتمالات، سلبية كانت أم إيجابية.
(4)
إذا جاز لي أن أستخلص علامات أخرى من هذه الخلفية فلعلي أوجزها فيما يلي: < إذا كانت مصر بصدد الخروج من الربيع العربي ولو مؤقتا، فالقدر الثابت أنها خرجت من دائرة التأثير، عربيا وإقليميا وفي أوضاعها الاقتصادية المتردية والسياسة المأزومة فإنها أصبحت مفعولا به وليست فاعلا.
< إن العالم العربي لم يعد بحاجة إلى مؤامرات تحاك ضده في الخارج، لأن صراعات دوله تحقق لأى متآمر عليه مراده دون حاجة لبذل أي جهد من جانبه، حتى أزعم بأن الصراع العربي العربي أصبح الشاغل الأساسي «والقضية المركزية» للأنظمة القائمة.
< إن التدهور الحاصل في منطقة الخليج الذي لا يزال سياسيا حتى الآن، مرشح لأن يتطور إلى حصار اقتصادي لقطر يضغط عليها بحيث يقطع الطريق البرى الذي يوصل إليها من السعودية، وهناك تسريبات لا أريد أن أصدقها تتحدث عن احتمالات المواجهة العسكرية بين البلدين، خصوصا إذا تحققت الدعوة إلى إقامة اتحاد بين الدول الثلاث السعودية والإمارات والبحرين.
< إن ما حدث يمثل ضربة موجعة للربيع العربي، ليست بالضرورة نهاية له، رغم أن إعلام الثورة المضادة مستمر في تشويهه واعتباره كارثة حلت بالأمة، لكنني أزعم أننا بصدد حالة من الجزر والتراجع مماثلة لما شهدته ثورات أخرى. ويظل الباب مفتوحا لتحول ذلك الجزر إلى مد يعيد الأمل والثقة في الربيع. على الأقل فذلك ما نلاحظه في تحرك شباب الثورة في مصر، الذي يرفض الاستسلام للتراجع ويقاومه بشدة.
< إن قضية فلسطين لم يعد لها ذكر في الخطاب السياسي العربي الراهن. ولذلك فإنني أعتبر أن إسرائيل هي الفائز الأكبر في التحولات الراهنة حيث لم تعد سياساتها محل اعتراض أو حتى اكتراث من جانب الأنظمة العربية. ولا نستطيع أيضا أن نتجاهل ارتفاع أسهم إيران وتقوية ساعدها خليجيا ومشرقيا.
لا أعرف إلى أين نحن ذاهبون بعد ذلك. لكن الذي أعرفه أننا سائرون على طريق الندامة، وليس السلامة بأي حال. والله أعلم بعد ذلك بالمآلات.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11370
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3705
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب اللاعبين، طويلاً، لكن ذلك سيظل في إطار التمـنيات وافتراض ما سيكون، أي أننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نخرج منها. ولذلك ينبغي الحديث بوضوحٍ عن دورٍ فاعلٍ للإعلام الرياضي. وهنا، لا نتحدث عن النقل الخبري وإنما عن ممارسة التأثير السليم من خلال النقد والتحليل وإلقاء الضوء على سوء اختيار اللاعبين الـمحترفين الأجانب، وجوانب القصور في أداء وسلوك لاعبينا الـمحترفين الـمواطنين، وتوضيح الأسباب وطـرح الحلول الـممكنة. أما أنْ نظل جالسين في أبراجنا العاجيـة نراعي علاقتنا بالوكيل الفلاني والإدارة الفلانية واللاعب الفلاني، فهذا لا يجوز ويجعل من ممارستـنا لدورنا عاملاً من عوامل استفحال تراجع الـمستوى وزيادة التناقص في الرصيد الجماهيري لكرة القدم. وكلاء جلـب اللاعبين ليسوا كأصحاب مكاتب جلب الخدم والعـمالـة غير الـمحترفة، ولكن بعضهم يصر على أنْ يكون كذلك. لأنهم فيما يقـدمونـه للأندية من لاعبين محترفين، لا يضعون أنفسهم في صفها ولا يبالون بإسداء النصيحة الصادقة لها. وأيضاً، نجد في إدارات بعض الأندية نوعاً من اللامبالاة في تقييم ما يقـدم إليهم، وكأن الأمر لا يعدو كونه شراء سلعةٍ، فلا نلاحظ دوراً للاعبين القدامى في الأندية، على الأقل، في عملية اختيار الـمحترفين الأجانب، ولا نلمح أثراً لتقييم مدى إمكانية اللاعب الأجنبي الذي احترف في أنديةٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ جنوبيةٍ على العطاء والاندماج في البيئة الكروية الـمحلية. وتكون النتيجة خسارةً للمستوى الفني للأندية والدوري والكرة القطرية، واستنزافاً للموازنات الـمخصصة للأندية. نحن بحاجةٍ لتجديد الأفكار السائدة حول العلاقة بين الصالح العام من جهةٍ، وتقديراتنا الشخصية لـما يصلح لنا ذاتياً من جهةٍ ثانيةٍ، فازدهار الكرة القطرية وارتفاع مستواها الفني يصبان في بوتقـة الـمصالح الوطنية العليا، ولسنا بغافلين عن كون الكرة أحد الوجوه الـمشرقة التي تطـل بلادنا بها على العالـم، ناقلةً إلى الآخرين صورةً حضاريةً رائعةً عنا. - كلمة أخيرة: الاحتراف مفهومٌ واسعٌ لا يتعلق بالاستعداد البدني للاعبين فحسب، وإنما يمتد ليشمل الأسس والبنى الفكرية والنفسية التي يقوم عليها الـمجتمع، والدور الذي تلعبـه الصحافة ووسائل الإعلام.
3378
| 22 أكتوبر 2026