رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تسيطر دول مجلس التعاون الخليجي على نسب مؤثرة من الموارد النفطية سواء النفط أو الغاز بالنسبة للإنتاج والاحتياطي الأمر الذي يشكل مصدر استقرار للدول المستهلكة. ومرد الحديث عن هذا الموضوع الحيوي ما جاء في تقرير حديث لبنك قطر الوطني وكابيتال والذي قدر القيمة المالية لمخزون النفط والغاز لدول مجلس التعاون الخليجي بشكل جماعي بنحو 65 تريليون دولار أو 65 ألف مليار دولار استنادا لمتوسط الأسعار السائدة في الأسواق العالمية في الوقت الحاضر. يعد هذا الرقم كبيرا كونه يساوي 93 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي فضلا عن 47 مرة عن حجم الناتج المحلي لدول مجلس التعاون الخليجي.
ولتقريب الرقم بشكل أكثر، تبلغ قيمة الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 14 تريليون دولار مع الأخذ بعين الاعتبار بأن الاقتصاد الأمريكي هو الأكبر على الإطلاق في العالم. ولغرض المقارنة، تزيد قيمة الناتج المحلي الإجمالي للسعودية قليلا عن نصف تريليون دولار مع التأكيد على أن الاقتصاد السعودي هو الأكبر خليجيا وعربيا بلا منازع.
وحسب التقرير نفسه، يبلغ مخزون دول مجلس التعاون الخليجي من النفط قرابة 500 مليار برميل أي 36 في المائة من مخزون النفط العالمي. وحدها، تستحوذ السعودية على نصف هذا المخزون الأمر الذي يفسر جانب من الأهمية النسبية للسعودية في الاقتصاد العالمي.
يتناسب ما جاء في تقرير البنك القطري مع إحصاءات التقرير الدوري للطاقة ومصدره شركة (بريتيش بتروليوم) البريطانية والذي بدوره يشير إلى تمتع السعودية بمخزون نفطي قدره 265 مليار برميل وبالتالي 19 في المائة من المخزون العالمي للنفط. وبالنسبة لباقي دول مجلس التعاون الخليجي، تستحوذ كل من الكويت والإمارات العربية المتحدة على 7.3 في المائة و7.1 في المائة من الاحتياطي النفطي العالمي على التوالي. بدورها، تستحوذ قطر على 1.9 في المائة فعمان بنسبة 0.4 في المائة من المخزون العالمي.
وبنظرة شمولية، تأتي فنزويلا في المرتبة الثانية دوليا عبر استحواذها على قرابة 15 في المائة من المخزون العالمي للنفط. أما روسيا والتي تحتل المرتبة الأولى دوليا من حيث الإنتاج النفطي فتسيطر على قرابة 6 في المائة فقط من المخزون النفطي المكتشف. كما تبلغ نسبة المخزون النفطي للولايات المتحدة 2.2 في المائة من الاحتياطي المكتشف وهو ما يفسر جانب من استمرار اعتمادها على النفط المستورد خصوصا من الشرق الأوسط وعلى الأخص مجلس التعاون الخليجي الأمر الذي ينعكس على سياساتها وتوجهاتها بخصوص المنطقة.
وفيما يخص الإنتاج النفطي، تعتبر السعودية ثاني أكبر منتج نفطي في العالم عبر إنتاجها نحو 10 ملايين من النفط الخام يوميا أي قرابة 12 في المائة من الإنتاج العالمي. أما مساهمة باقي دول مجلس التعاون الخليجي فعبارة عن 3.3 في المائة للإمارات و3.1 في المائة للكويت و1.7 في المائة لقطر و1 في المائة لعمان وهي نسب مؤثرة في المجموع.
بدورها، تساهم روسيا بنحو 13 في المائة من الإنتاج النفطي العالمي يتم تخصيص نسبة كبيرة منها للاستهلاك المحلي. لكن تتميز السعودية بميزة والتي هي عبارة عن أكبر مصدر للنفط الخام على مستوى العالم فضلا عن تمتعها بقدرة تعزيز الإنتاج متى ما كان ضروريا. وفي هذا الصدد، يعتقد بأن لدى السعودية القدرة على رفع مستوى الإنتاج إلى حوالي 12 مليون برميل يوميا ما يجعلها في مقدمة الدول التي تتمتع بقدرة تعويض أسواق النفط العالمية. وقد تجلي هذا واضحا في العام 2011 عند حصول تذبذب لمستوى إنتاج النفط الليبي خلال الثورة التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي.
إضافة إلى النفط الخام، تستحوذ دول مجلس التعاون الخليجي على حصص مؤثرة فيما يخص الغاز الطبيعي بنحو 42 تريليون قدم مكعب ما نسبته 22 في المائة من المخزون العالمي. وحدها قطر تسيطر على 13.5 في المائة من الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي ما يعني حلولها في المرتبة الثالثة عالميا بالنسبة للاحتياطي بعد كل من روسيا وإيران واللتين تمتلكان على 23.9 في المائة و15.8 في المائة على التوالي.
لكن تتميز قطر في مجال الإنتاج حيث تعتبر أكثر مصدر للغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم بعد إقصائها إندونيسيا من هذا المكانة. تبلغ الطاقة الإنتاجية لقطر من الغاز الطبيعي المسال 77 مليون طن سنويا. ولدى قطر زبائن لمنتجاتها في مجال في مختلف بقاع العالم ابتداء من اليابان ومرورا ببريطانيا وليس انتهاء بالولايات المتحدة.
فضلا عن قطر، تستحوذ السعودية على 4.3 في المائة والإمارات على 3.3 في المائة من الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي الأمر الذي يؤكد بأن دول مجلس التعاون الخليجي لاعب رئيسي في مجال الغاز تماما كما هو الحال مع النفط. بل تتمتع كل من السعودية وقطر بدور الريادة في مجال تصدير النفط الخام والغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم على التوالي.
حقيقة القول، تمارس دول مجلس التعاون الخليجي دورا مسؤولا فيما يخص الأمور المرتبطة بالقطاع النفطي بدليل استعدادها لسد النقص من المعروض متى ما كنت الحاجة الماسة كما في الحالة الليبية. بل تعد دول مجلس التعاون جهة يمكن الوثوق والاعتماد عليها فيما يخص إنتاج وتصدر النفط والغاز والمشتقات النفطية من قبيل المنتجات البتروكيماوية.
تعتبر هذه الحقائق في مجموعها مسألة جوهرية نظرا للأهمية النسبية للقطاع النفطي لديمومة نمط المعيشة في هذا العصر بالنسبة لتشغيل الطائرات والمركبات والأجهزة والمعدات. باختصار، تمتلك دول الخليج كميات تجارية من النفط الخام تجعلها قادرة على الوفاء بالتزاماتها لعقود طويلة دونما الحاجة للدول المستهلكة للتفكير الجدي بدارسة بدائل للنفط.
ماذا لو صمتت الشبكة؟
في أحد المشاهد المفصليّة المبكّرة من فيلم Leave the World Behind، لا ينفجر شيء، ولا تُعلن حرب، ولا... اقرأ المزيد
225
| 10 مارس 2026
سينتهي كل شيء يا ناصر
اعذروني ولكني لم أجد شخصا يتتبع كل صوت ينطلق جراء اعتراض صاروخي أو سقوط شظايا أو انطلاق أجهزة... اقرأ المزيد
309
| 10 مارس 2026
الخليج بين نارين
لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان به. ولا شك أيضا أن الكيان الصهيوني بكل أذرعه الإرهابية... اقرأ المزيد
312
| 10 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
4665
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
3609
| 09 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2502
| 04 مارس 2026