رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فرح في الشارع العربي وخوف في واشنطن وفزع في تل أبيب على وقائع متتالية، ثورات الشعوب العربية ضد أنظمة الاستبداد والتبعية. كانت تونس أولاً ثم مصر تالياً فليبيا واليمن.... وهكذا السبحة تكر.
كانت ثورة مصر الجائزة الكبرى للشعوب العربية لأنها أسقطت نظام كامب ديفيد (الساداتي ـ المباركي) الذي كان قائماً على ثنائية الاستبداد في الداخل والتبعية للخارج (أمريكا + إسرائيل). بسقوط مبارك ونظامه سقط "محور الاعتدال" شبيه "حلف بغداد" الذي أسقطته ثورة 23 يوليو. ثورة 25 يناير ليست نسخة عن ثورة 23 يوليو. الأخيرة بدأت حركة انقلابية سرعان ما تبنى الشعب مشروعها الثوري. بينما ثورة 25 يناير قامت بالشعب ثم تبناها الجيش. لكن بين ثورتي 23 يوليو و25 يناير وشائج مشتركة متأصلة في مسار المشروع الوطني التحرري النهضوي الذي خطته ثورة 23 يوليو وانقطع بانقلاب السادات المضاد الذي قيد مصر باتفاقية كامب ديفيد التي بموجبها خرجت مصر من الصراع العربي الإسرائيلي وبطل دورها الريادي ـ القيادي في عالمها العربي.
ثورة 25 يناير أعادت الروح إلى مشروع التحرر النهضوي بوعي الحاضر وبأدوات عصر شباب الفيس بوك والتويتر والجزيرة وبرؤية مستقبلية لدوله القائمة على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية منظومة بخيط الكرامة الوطنية الجامع على قدم المساواة لكل المصريين في سبحة المواطنة. وليس من دون دلالة أن أغاني عبدالحليم الوطنية كانت الأغاني المفضلة لشباب ميدان التحرير. لكن جمهورية ثورة 25 يناير لن ترفع شعارات الجمهورية الناصرية. ولن تتبنى الأيديولوجية القومية الناصرية. فلكل زمان دولة ورجال. إلا أن مصر في جمهورية ثورة 25 يناير سوف لن تكون إلا مصر الحرة العربية المناهضة للهيمنة الأمريكية والعربدة الإسرائيلية. ليس بالضرورة أن تلغي معاهدة كامب ديفيد أو أن تناصب واشنطن العداء. يكفي أن مصر ثورة 25 يوليو لن تكون طرفاً في "محور الاعتدال" ولن تقفل على فلسطيني غزة بالضفة والمفتاح وتبيع الغاز والنفط لعدو الأمة، ولن تتخاذل عن أداء واجبها القومي في نصرة القضايا العربية. والأمر نفسه ينطبق على تونس الثورة وليبيا الثورة (بعد الخلاص المحتوم من القذافي ونظامه) وغيرها من ثورات العرب القادمة، التي تبهج الشارع العرب وتغيظ إسرائيل وأمريكا. الأمريكان أدركوا وهم يواجهون الثورة المصرية، بعد الثورة التونسية، أن مبارك سوف يلحق بابن علي وأنهم معرضون لفقدان مصر "جوهرة تاج الهيمنة الأمريكية" على الأمة العربية منذ هبط السادات مطار بن غوريون. منوا النفس ببقاء مُبارَكهم، لكنهم، إذ تأكد لهم سقوطه المحتوم، تخلوا عنه وضغطوا عليه كي يرحل. ثم انكبوا على استبصار مصير إستراتيجيتهم بعد وصول حكم مصر إلى شعبها. ليس معروفاً إلى ماذا توصلوا؟! غالبا لم يتوصلوا ولن يتوصلوا إلى شيء يضمن لهم نظاماً قادماً تابعاً لسياستهم الإستراتيجية في المنطقة. وليس بمقدورهم أن يجترحوا معجزة تتيح لهم جعل النظام المصري القادم ديمقراطيا في الداخل وتابعاً لهم في الخارج. إذ أن النظام الديمقراطي الحقيقي قرين الوطنية كونه يستمد شرعيته من إرادة الشعب.
أما في تل أبيب فقد نزلت ثورة تونس ثم ثورة مصر (وها هي ثورة ليبيا) على بني إسرائيل منزلة الزلزال التاريخي المُزعزِع لمعنى وجودهم في وجود العرب. ليس لأن ثورات العرب، وثورة مصر على الخصوص، قد تأتي بنظام سياسي يطابق نظام إيران، أو حتى يتشبه به في صورة حكم الإخوان المسلمين، كما تروج الدعاية الصهيونية، وإنما لأنها (ثورات العرب) تؤسس لأنظمة وطنية ديمقراطية تنتهج شرعيتها ومشروعيتها من إرادة شعوبها ومصالحها ورغباتها المناهضة بالضرورة لدولة اليهود الصهيونازية. إن إسرائيل وحدها بين دول العالم عملت حتى اللحظة الأخيرة على إنقاذ مبارك من السقوط. بحيث توجهت إلى العالم محذرة، علناً، من خطورة سقوط مبارك ونظامه على "السلام" دون أن تقول إنها (إسرائيل) وحدها، وإليها مقاطعتها الأمريكية ما وراء المحيطات، الخاسران من سقوط مبارك ونظامه. إذ أن بقية دول العالم، بما في ذلك أوروبا، لا يمانعون في التعامل مع مصر حرة ديمقراطية ذات سيادة.
لقد كان خوف الإسرائيليين من اختفاء مبارك كما كتب محلل صهيوني: " مثل رجل يوشك أن يفقد المرأة التي نكل بها سنين، وآنذاك فقط يعرف في تأخر آثم قيمتها.". ويقصد بذلك بغض النظر عن وقاحة تشبيهه أن إسرائيل نكلت بكرامة مصر باسم السلام. ويذكر على سبيل المثال عجرفة ليبرمان الذي اقترح قصف سد أسوان بالسلاح النووي. وها هي إسرائيل تفقد مصر "كامب ديفيد" بعد سقوط حسنى مبارك ونظامه. إلى درجة أنها تنطوي على نفسها في خوف من الآتي. الخوف ليس فقط من إلغاء الحكم الناجم عن فعل الثورة الشعبية لاتفاقيات كامب ديفيد. لكنه في الأساس خوف من أن تصبح مصر ديمقراطية لأن عند ذاك تغدو سياستها الخارجية مرآة عاكسة لإرادة شعبها مصدر الشرعية. وحيث الشعب المصري ضارب جذوره التاريخية في ثنائية العروبة والإسلام ـ الهوية الوجودية المتنافرة تنافر السالب والموجب مع وجود إسرائيل الاغتصابي. ثم هو خوف من تجدد نهوض مصر، وبالتالي العرب، في مشروع عربي قومي ديمقراطي حداثي يتشكل في منظومة جامعة دول عربية ديمقراطية تقطع نهائيا مع فضيحة جامعة الدول العربية صنيعة أنظمة الاستبداد والتبعية، وتفرض على الولايات المتحدة الأمريكية أن تميل بمواقف سياستها الخارجية لصالح القضايا العربية نزولاً عند ثقل مصالحها الإستراتيجية الحيوية عند العرب مما يفرض عليها التخلي عن انحيازها التبعي لإسرائيل التي فقدت قيمتها الإستراتيجية لأمريكا والغرب منذ انتهاء الحرب الباردة. وذلك جوهر الفزع الإسرائيلي من مستقبل الثورات العربية.... ويبقى في النهاية رعب بني صهيون الأكبر من أن حقبة صراعهم التقليدي مع أشكال النظام العربي الرسمي المعتاد منذ العام 1948 انتهت. ليدخلوا في حقبة صراع مستقبلي مع الشعوب العربية وقد امتلكت حقها في تقرير مصيرها الديمقراطي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4965
| 09 مارس 2026
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية. الخلاصة، الجغرافيا تخدم إيران، الديموغرافيا تخدم إيران، خطوط الإمداد تخدم إيران، الأوضاع النفسية في داخل إيران او خارجها تخدم ايران، الاسلحة الدقيقة القادرة على ضرب أصول القوات الامريكية والاسرائيلية في صالح إيران، وورقة الطاقة في صالح ايران، واذا استطاعت ايران ضبط معدل اطلاق الصواريخ والمسيرات مع معدل الإنتاج فستملك إيران أوراق الصمود وهي من سينهي الحرب.
1830
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1497
| 11 مارس 2026