رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعد الظاهرة السياحية مسرحاً رحباً للجغرافيين، حيث يدرسونها بشوق لارتباطها بالمظاهر الجغرافية، وهم البارعون في إدراك معالمها وخصائصها. وكثيرة هي المشروعات السياحية التي قامت بناءً على مشاركة الجغرافيين في دراسة جدواها الاقتصادية والبيئية، حيث عرفوا أسرار الطبيعة وكيفية تكييفها للإفادة منها لصالح البشرية من باب الجغرافيا التطبيقية. وقد أدى فهم أهمية السياحة إلى انتشارها جغرافياً على نطاق واسع عالمياً.
وفي دولة قطر، بدأ الاهتمام بالقطاع السياحي بتبني الدولة مع بداية القرن الحادي والعشرين مجموعة من الإجراءات والآليات وانتهاء بالإستراتيجية الوطنية لتنمية هذا القطاع في 2013 لتحقيق أهداف رئيسية وبشكل تدريجي حتى 2030. ومن بين الأهداف كان رفع إسهام القطاع في إجمالي الناتج المحلي من أقل من 1 % في 2012 إلى حوالي 3.5 % بحلول عام 2030، أي بأكثر من 10 مليارات دولار، وزيادة عدد العاملين إلى حوالي 127 ألفاً، ومواكبة ذلك العمل على زيادة نسبة المواطنين بحوافز تشجيعية وخاصة في الإدارة الفندقية. بالإضافة إلى زيادة عدد السياح إلى الدولة من حوالي 1.2 مليون سائح في عام 2012 إلى حوالي 3.8 مليوناً في عام 2022، ومن ثم إلى حوالي 7 ملايين في نهاية الفترة، واستقطاب المزيد من غير الخليجيين بمرور الوقت ليمثلوا الثلثين إلى الثلث. ومن بين الإجراءات زيادة عدد الفنادق بجميع فئاتها لأكثر من 200 فندق، ليبلغ عدد الغرف حوالي 60 ألفاً في عام 2030. وأخيرا توسيع الشأن في أمر السياحة الداخلية المتعلقة بالمواطنين والمقيمين، وتقليل توجههم نحو السياحة الخارجية ذات الكلفة المالية العالية، وخاصة في المواسم البينية.
في ضوء ما تقدم، فيمكن اعتبار وجود إستراتيجية لتنمية القطاع السياحي، وإدارة منفذة نشطة كما تظهر المتابعات، من العوامل الداخلية القوية إذا ما أريد تحليل قوة المشروع القطري في توجهها نحو تنمية القطاع. وللتنبؤ بإمكانيات النجاح كما في جميع المشروعات الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية للدول، فيمكننا استخدام أداة التحليل المعروفة (SWOT) التي تقيم جدوى المشاريع بناءً على مجموعة من عوامل القوة الداخلية للمشروع وعوامل الضعف فيه، بالإضافة إلى الفرص المتاحة للتنافس من خارجه، وأخيراً مجموعة التهديدات الخارجية للمشروع. ويمكن بيانها في الشكل الآتي:
SWOT Analysis
* العوامل الداخلية عوامل القوة:- وجود إستراتيجية شاملة وواضحة.- الخطوط القطرية والبنية التحتية الأخرى (النقل)- الاستقرار والأمن (مركز متقدم في القياس الدولي). عوامل الضعف:- الظروف المناخية (شهور الصيف الطويلة).- التكامل المفقود لأجهزة الخدمات المساندة.- محدودية الكادر الوطني لتغطية فرص العمل.
* العوامل الخارجية
الفرص المتاحة للمنافسة:- التنمية الحضارية الشاملة للدولة.- فرص الانتشار الجغرافي المحلي (بحراً وبراً).- كأس العالم 2022 (إضافة كبيرة). التحديات المهددة:- الثقافة المحلية المترددة تجاه السياحة الأجنبية.- المنافسة.- التكلفة العالية للخدمات السياحية ومرافقها.
* بناءً على تحليلات الكاتب فعوامل القوة الداخلية للمشروع، كما نعتقد، هي في وجود إستراتيجية بعيدة المدى مرتبطة بشكل كبير بإستراتيجية الدولة 2030، ومعدة إعداداً جيداً وعلى أسس علمية وبأيدي خبراء، ومتدرجة في أهدافها على المدى الطويل. أما عامل القوة الثاني فيتمثل في قوة البنية التحتية من طرق وشبكة مترو، ستدعم بكل تأكيد حركة السفر والسياحة في قطر. وتأتي الخطوط الجوية القطرية التي تتخذ من مطار حمد الدولي مقراً لها، مثالاً حيوياً للبنية التحتية لصالح التنمية السياحية. أما العامل الثالث في دعم التوجه القطري نحو السياحة فهو الأمن والاستقرار السياسي الذي تميز دولة قطر عن معظم دول العالم، وبموجبه تحصل قطر على قياسات دولية متقدمة جداً في هذا المجال، وهذه العوامل الكلية الثلاثة تعد عوامل قوة لدفع الحركة السياحية وتحقيق النجاح. ولكن من جانب آخر، فإن مجموعة من عوامل الضعف الداخلية المرتبطة بهذا المشروع الوطني يجب الانتباه إليها. وهذه متمثلة في ضعف الكادر الوطني في القطاع السياحي وعدم ولوجه فيه حتى بنسبة مقبولة، كباقي القطاعات. أما العامل الثاني مع بداية التوجه، فيتمثل في الإدارة المركزية الموجودة بشكل عام في المشاريع المدعومة من الدولة التي تؤخر وتؤجل خطوات مطلوبة للتعديل أو التنفيذ، حيث الارتباط متعدد بجهات داعمة وخادمة للتوجه السياحي، ولكنها أخذت في التعاون بسلالة أكبر. وأخيراً، الظروف المناخية الصعبة وهي حتمية بكل تأكيد وخاصة في شهور الصيف الصعبة. وكل هذه الصعوبات الداخلية التي تواجه المشروع السياحي لدولة قطر يجب دراستها والاهتمام بها بغية العمل على تقليل آثارها بمرور الوقت حتى تنجلي عن التأثير السلبي على المشروع.
أما العوامل الخارجية المؤيدة والداعمة لفرص النجاح للمشروع مع الوقت، فإنها متمثلة في ثلاثة رئيسية، كما نعتقد. أولها هو تنظيم كأس العالم على أرض قطر في 2022. والعنصر الثاني هو وجود فرص أكبر للانتشار الجغرافي للسياحة مستقبلاً على النطاقين البري والبحري، وكذلك فرص التجديد والتنويع في الفعاليات السياحية.
وفي الختام، فإن الإحصائيات تظهر وكذلك الشواهد الممارسة وجهود المنظمين والمعنيين أن القطاع السياحي في قطر يتقدم بخطى حثيثة من جميع الزوايا، إلا من زاوية توطين الوظائف، فما زالت هي الأضعف. فهل نأمل ونتوقع تبدل الواقع قريبا بتطبيق القانون الجديد الصادر حديثا بعمل المواطنين وأبناء القطريات في القطاع الخاص.
اليمن.. ثم اليمن.. ثم اليمن
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس... اقرأ المزيد
531
| 27 أبريل 2026
تقرير الخبير رأي للاستئناس
قبل إصدار حكم في موضوع قضية معينة، يكون القاضي ملزماً بمراجعة المستندات المقدمة إليه من قبل الأطراف، وتمحيص... اقرأ المزيد
162
| 27 أبريل 2026
ضغوط خفية تواجه «الأم المربية»
تواجه المرأة اليوم، وخاصة «الأم المربية»، تحدياً نفسياً غير مسبوق يتعلق بتمثلها لصورتها الجمالية. لقد نجحت الآلة الإعلامية... اقرأ المزيد
153
| 27 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ الجغرافيا غير المتفرغ
جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
3120
| 22 أبريل 2026
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
2130
| 20 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
810
| 24 أبريل 2026