رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل أيام، كان مذيعٌ في إحدى القنوات الفضائية المصرية منفعلاً بشدة، وهو يتحدث بحماسةٍ عن ترامب كزعيمٍ قويٍّ، ويهاجم بايدن بألفاظٍ مُقذعةٍ. وفجأة، صمتَ لثوانٍ، ثم قال إنه تلقى خبراً مفاده أن الرئيس السيسي أرسل برقية تهنئة لبايدن، وعاد للحديث فأخذ يهاجم ترامب الذي لا يعرف للدبلوماسية معنى، وينشر الفوضى في العالم، ويمدح بايدن بأنه رجلٌ دبلوماسيٌّ هادئ حكيمٌ.
وفي نفس اليوم، كان رأس هرم التطبيل والنفاق الإعلاميينِ: عمرو أديب، يتحدث عن وجوب فوز ترامب لأنه رئيس قوي لدولة قوية، وأن الشعب الأمريكي بحاجة إليه. ويبدو أنه تلقى الخبر الذي تلقاه زميله، لكنه كان أكثر احترافيةً منه، نظراً لخبراته الطويلة في النفاق، فأخذ يتحدث عن الديمقراطية التي تتيح للشعب اختيار رئيسه، فيكون فوز ترامب أو بايدن أمراً طبيعياً.
لكن الأكثر طرافةً، كان ما قاله معتز عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الذي بدأ حياته صغيراً بوصلة تطبيل ونفاق لحسني مبارك، ثم تطفل على ثورة 25 يناير 2011م، وقفز منها إلى أحضان الانقلاب عليها في الثالث من يوليو 2013م. فقد كان واضحاً في أن ترامب كان نعمةً للنظام الانقلابي، بينما سيكون بايدن نقمةً عليه لأنه سيحاسبه على جرائمه ضد معارضيه، وعلى تحويل مصر، دولةً ومجتمعاً، إلى كيانٍ عسكريٍّ لم يشهد التاريخ مثيلاً له في الاستبداد والفساد وسوء الإدارة.
هذه المشاهد الثلاثة، تختصر الحالة الرسمية المصرية في التعامل مع الانتخابات الأمريكية، لأن الغياب الكلي للشعب المصري عن إدارة شؤون بلاده، جعل من استمرار النظام الانقلابي بنفس آلياته في الاستبداد والفساد مرهوناً بكونه أداةً لقوى خارجيةٍ تدعمه. وبالطبع، فإن أعظم تلك القوى هي الولايات المتحدة، أما أبوظبي فإنها منشغلةٌ باستعداداتها لاحتمال تولي بايدن الرئاسة، ولا يعنيها، في قليل أو كثير، شأن موظفها الذي عينته رئيساً لمصر، بل إنها تعمل على إغراقه أكثر فأكثر في صراعات لن ينتج عنها إلا مزيدٌ من تهميش مصر، وإفقار شعبها، وزيادة عزلتها دولياً وعربياً.
وفي جانب آخر، كان موقف عبد الخالق عبد الله، مستشار ولي عهد أبوظبي، فريداً من نوعه. فقد تميز الرجل بتحولاته المسرحية السريعة والمفاجئة من النقيض إلى النقيض، إذ كان أشد إسلامية وعروبةً من الجميع في مواقفه الرافضة كلياً للعلاقات مع الكيان الصهيوني، ثم انقلب على مواقفه في مشهد مسرحي مبتذل فأعلن أنه مع قيادة بلاده في كل ما تراه لصالح الإمارات. المهم، هو أن الرجل كاد يتمزق حماسةً وهو يتحدث عن وجوب فوز ترامب لأن بايدن سيفتح قنوات للتواصل مع الإسلاميين، وسيسعى لتقوية القوى المناهضة لسياسات الحلف الصهيوعربي. وفجأةً، قام بمشهد مسرحي آخر، فأعلن أن بايدن هو السياسي الذي يحتاج إليه العالم للتخلص من الآثار المدمرة للترامبية السياسية.
التغيرات المسرحية لعبد الخالق، تشير إلى أنه يتعامل مع الشأن الأمريكي كما تتعامل قيادته مع الشأن المصري، ويتخيل أن الناخبين الأمريكيين سيتأثرون بما قاله دعماً لترامب، أو أن بايدن سيلتفت إليه، أو أن المؤسسات الأمريكية ستخاف من تلميحه بقطع التمويل الإماراتي، فتندفع لإرضاء أبوظبي بفرض ترامب على الشعب الأمريكي، مما يؤكد أن عبدالخالق لم يزل يعيش أوهام الحلم الإمبراطوري لقيادة بلاده، ولا يريد الاعتراف بحجمها الحقيقي الضئيل في المنطقة والعالمينِ العربي والإسلامي، والمجتمع الدولي.
نعود للفكاهة الإعلامية المصرية؛ فقد انطلق المتطفلون على الإعلام والفكر والثقافة، ممن يُسَمون أنفسهم بالإعلاميين، في تحليلاتٍ ساذجةٍ متهافتةٍ عن معاداة بايدن لتركيا، وأنه سيقوم بتحطيم اقتصادها، وتغيير سياساتها. وبالطبع، فإن هذه التحليلات تأتي في إطار إنكار الواقع، وهي آلية دفاعية يلجأ إليها الضعفاء عندما يواجهون قوةً قاهرةً لا يمكنهم مجابهتها. فالولايات المتحدة، مهما كانت مواقفنا من سياساتها، لها سياسات كونية ترتبط بمصالحها الاقتصادية والسياسية، ولا شأن لها بالعواطف المُهَلْهَلَةِ التي تصلح في دول لا معنى فيها للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. كما أن تركيا دولة ديمقراطية، وشعبها هو الذي اختار قيادته، فاستطاعت أن تكون لاعباً إقليمياً ودولياً مهماً، وليست دولةً وظيفية لا يأبه أحدٌ لمواقفها السياسية، ولا دور لها حتى في وسط جيرانها الجغرافيين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتِـبٌ وَإِعْـلاميٌّ قَـطَـرِيٌّ
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1629
| 04 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
804
| 31 ديسمبر 2025
لا شكّ أن الجهود المبذولة لإبراز الوجه الحضاري والسياحي هي جهودٌ مقدَّرة ومحلّ اعتزاز، ونأمل أن تبلغ أسمى درجات التميّز والإبداع من خلال التكامل والتنسيق بين مختلف الجهات، وبمشاركة أطياف المجتمع كافة؛ بما يعكس الصورة المشرّفة للبلد، وثقافتها، وقيمها، ورُقيّ أهلها. وبحكم كوني من روّاد كورنيش الدوحة، فقد استوقفتني بعض الممارسات التي -من وجهة نظري- قد تؤثّر سلبًا في المشهد العام وجودة التجربة السياحية التي نطمح جميعًا إلى الارتقاء بها. إذ إن لهذه الممارسات انعكاساتٍ مباشرة على سمعة القطاع السياحي، وعلى جودة الخدمات المرتبطة به. ومن أبرز هذه الملاحظات انتشار مجموعات من الأشخاص الذين يمارسون الإرشاد السياحي دون ترخيص أو تأهيل مهني، يتمركزون في نقاط معيّنة على الكورنيش والمواقع الحيوية، ويعمدون إلى استقطاب السياح بصورة عشوائية تفتقر إلى التنظيم. وأشير هنا -من باب رصد الواقع لا التعميم- إلى بعض العمالة، ولا سيما الآسيوية منها، التي تفتقر إلى أبسط أدوات الإرشاد السياحي السليم، وإلى الوعي والبعد التاريخي والثقافي للمكان. وهنا يبرز تساؤلٌ مشروع: هل يحمل هؤلاء تصاريح رسمية تخوّلهم مزاولة هذه المهنة؟ وهل يمتلكون التأهيل المعرفي اللازم لنقل المعلومة الدقيقة عن التاريخ، والعادات، وقيم المجتمع؟ فالإرشاد السياحي ليس مجرّد مرافقة عابرة، بل هو تمثيلٌ حيّ، وصورة واقعية تُنقل إلى العالم عبر التواصل الإنساني المباشر، وتترك أثرًا دائمًا في ذاكرة الزائر والسائح. وتبرز ملاحظةٌ أخرى تتعلّق بالقوارب الخشبية السياحية التقليدية، حيث تظهر على بعضها علامات التهالك، وتدنّي معايير السلامة والنظافة، فضلًا عن غياب الأسلوب الاحترافي السياحي في التعامل مع الزوّار والسائحين، وهو ما يثير تساؤلًا حول مدى توافق هذه المشاهد مع الصورة العصرية والحضارية التي نحرص على تقديمها في أحد أبرز معالمنا السياحية. إن إعادة تأهيل هذه القوارب السياحية والارتقاء بجاهزيتها، من خلال تحسين معايير الأمان، وتوفير سبل الراحة، والالتزام الصارم بمعايير السلامة والنظافة، واعتماد أسلوب احترافي في الخدمة، من شأنه أن يجعلها أكثر جاذبية للسياح، ويحوّلها من وسيلة نقل عشوائية إلى عنصر سياحي فعّال يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية على الكورنيش. إن كورنيش الدوحة ليس مجرّد معلمٍ عابر، بل لوحة نابضة تروي قصة وطن؛ فعن يمين الزائر تتجلّى الأبراج الشاهقة رمزًا للحداثة، وعن يساره يستحضر عبق التاريخ المرتبط بالبحر والغوص والبادية. وفي هذا التلاقي الفريد، يلتقي الماضي بالحاضر ليجسّدا رحلة بلدٍ حافظ على هويته وهو يعانق المستقبل. ومن هنا تكمن المفارقة في وجود بنية تحتية عالمية المستوى، يقابلها ضعف في جودة بعض التفاصيل الميدانية التي قد تبدو بسيطة، لكنها عميقة الأثر في جوهر التجربة السياحية. وفي المقابل، تمثّل مهنة الإرشاد السياحي فرصةً حقيقية وواعدة لأبناء الوطن من الجنسين، لما تتطلّبه من مخزون ثقافي ومعرفي واعتزاز بالهوية. وقد أثبت الشباب القطري كفاءته في شتى المجالات، وهو الأقدر على تقديم تجربة سياحية أصيلة تعكس القيم والتاريخ بصورة مشرّفة. إن اختيار الدوحة عاصمةً للسياحة الخليجية لعام 2026 هو إنجازٌ يفخر به الجميع، لكنه في الوقت ذاته يضع الجميع أمام مسؤوليةٍ مضاعفة لترجمة هذا اللقب إلى واقعٍ ملموس، يتجلّى في جودة التنظيم، وسلامة المرافق، ورُقيّ مستوى الخدمة. خلاصة القول.. تظلّ التجربة السياحية ناقصة ما لم يُرافقها محتوى إنساني وثقافي مؤهَّل يعكس روح المكان. إن الاستثمار في تنظيم وضبط معايير الخدمات الميدانية هو استثمارٌ في سمعة القطاع السياحي واستدامته؛ إذ لا يدوم التميّز إلا حين يلمسه الزائر والسائح واقعًا في كل تفاصيلها.
708
| 04 يناير 2026