رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. صلاح أحمد الحبو

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

222

د. صلاح أحمد الحبو

العائد الاقتصادي للصحة

17 سبتمبر 2026 , 12:15ص

ماذا لو لم يكن المستشفى مجرد مكان لعلاج المرض، بل منشأة اقتصادية تحافظ على أهم أصول الاقتصاد: الإنسان؟ وماذا لو أصبح معيار نجاح الاستثمار الصحي ليس حجم ما أنفقناه، وإنما مقدار الصحة والإنتاجية والقيمة التي ولدها هذا الإنفاق؟

هذه ليست إعادة صياغة لمفهوم الرعاية الصحية، بل انتقال من النظر إلى الصحة باعتبارها بندًا من بنود الإنفاق العام إلى التعامل معها باعتبارها استثمارًا في رأس المال البشري. فالاقتصاد الحديث لا ينظر إلى صحة الإنسان باعتبارها منفعة اجتماعية فقط، بل باعتبارها عاملًا يؤثر في القدرة على العمل والإنتاج، وفي تكاليف المرض، وفي جودة رأس المال البشري، وفي استدامة النمو.

في قطر، تبدو هذه المقاربة ذات أهمية خاصة. فقد بلغ عدد السكان الموجودين داخل الدولة 3,370,611 نسمة في مارس 2026، بعد أن بلغ 3,406,760 نسمة في فبراير، وفق بيانات المجلس الوطني للتخطيط. وهذا المؤشر يقيس السكان الموجودين داخل الدولة في نهاية الشهر، وهو ما يجعله مقياسًا مهمًا لفهم حجم الطلب الفعلي على الخدمات والبنية الأساسية، ومنها الرعاية الصحية.

لكن حجم السكان لا يمثل وحده حجم الاقتصاد الصحي. فالسؤال الأهم هو: ما مقدار القيمة التي ينتجها النظام الصحي مقابل الموارد التي يستخدمها؟

هنا ينتقل التفكير الاقتصادي من قياس حجم النشاط إلى قياس قيمة النتيجة. فزيادة عدد الزيارات الطبية أو الفحوصات لا تعني بالضرورة تحسن الكفاءة؛ فقد تكون الزيادة نتيجة ارتفاع الطلب، أو ارتفاع انتشار الأمراض، أو ضعف الوقاية، أو عدم كفاءة مسارات الرعاية. أما المؤشر الأكثر أهمية فهو: هل تحسن التشخيص؟ هل انخفض زمن الانتظار؟ هل تراجعت المضاعفات؟ هل عاد المريض إلى حياته وعمله بصورة أسرع؟ وهل تحقق ذلك باستخدام الموارد بأعلى كفاءة ممكنة؟

وهنا تكمن العلاقة المباشرة بين الصحة والاقتصاد. فالمريض ليس مجرد مستهلك للخدمة الصحية؛ إنه عامل ووالد وطالب وصاحب مهارة. وعندما يمرض، لا تقتصر تكلفة المرض على فاتورة العلاج، بل تمتد إلى أيام العمل المفقودة، وانخفاض الإنتاجية، والتكاليف التي تتحملها الأسرة والمؤسسة، واحتمال ارتفاع تكلفة العلاج إذا تأخر التشخيص. والعكس صحيح؛ فالوقاية والتشخيص المبكر والعلاج الفعال يمكن أن يحافظوا على جزء كبير من هذه القيمة.

ولهذا ينبغي أن تتحول المعادلة الاقتصادية من الإنفاق الصحي إلى الخدمة، إلى سلسلة أكثر عمقًا: الإنفاق → جودة الخدمة → النتيجة الصحية → الإنتاجية → القيمة الاقتصادية.

وهذا الاتجاه أصبح حاضرًا بقوة في الاقتصاد الصحي الدولي. فقد بلغ متوسط الإنفاق على الصحة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 9.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مقابل نحو 8.8% قبل جائحة كوفيد-19. لكن OECD تؤكد في تقريرها الأحدث أن ارتفاع الإنفاق لا يضمن تلقائيًا نتائج صحية أفضل، وأن تحسين «القيمة مقابل المال» أصبح ضرورة لاستدامة النظم الصحية.

وتشير المنظمة كذلك إلى أن الرعاية الأولية مثلت في المتوسط 14% من إجمالي الإنفاق الصحي في دول OECD عام 2023، بينما بلغ الإنفاق على الوقاية نحو 3% من إجمالي الإنفاق الصحي. والمغزى الاقتصادي هنا ليس أن قطر ينبغي أن تطابق هذه النسب، وإنما أن الاقتصاد الصحي الحديث يعيد توجيه الاهتمام نحو الوقاية والرعاية الأولية والكفاءة، باعتبارها أدوات يمكن أن تمنع تكاليف أكبر في مراحل لاحقة.

وفي قطر، تتسق هذه الرؤية مع الاتجاه الاستراتيجي الرسمي. فالاستراتيجية الوطنية للصحة 2024–2030 تتضمن صراحةً نماذج الدفع القائمة على القيمة، والتحسين المالي، والموازنة القائمة على البرامج، والرقمنة، والإنتاجية الرقمية، وجودة البيانات، والذكاء الصحي التطبيقي، إلى جانب تعزيز الوقاية والرعاية الأولية ومراكز التميز والابتكار والتكنولوجيا الحيوية.

وهذا يعني أن السؤال الاقتصادي لم يعد غريبًا عن السياسة الصحية القطرية؛ بل إن البنية الاستراتيجية نفسها تفتح الباب أمام الانتقال من تمويل النشاط إلى قياس القيمة والنتائج.

وتبرز أهمية ذلك عندما ننظر إلى حجم الاقتصاد القطري. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي الجاري 215.56 مليار دولار في 2025، وبلغ نصيب الفرد من الناتج 72,524.9 دولارًا، فيما سجل الاقتصاد نموًا حقيقيًا قدره 2.9% وفق أحدث بيانات البنك الدولي.

في اقتصاد بهذا المستوى من الدخل، لا يصبح التحدي الأساسي مجرد توفير الخدمة، وإنما رفع الإنتاجية الحدية لكل ريال مستثمر في الصحة. أي: ماذا يضيف الاستثمار الإضافي إلى سنوات الحياة الصحية؟ وإلى القدرة على العمل؟ وإلى خفض المضاعفات؟ وإلى تقليل الإقامة غير الضرورية في المستشفيات؟ وإلى سرعة عودة العامل إلى نشاطه؟

هنا يظهر *مفهوم العائد على الاستثمار الصحي*. فإذا أدى الاستثمار في الرعاية الأولية إلى اكتشاف مرض مزمن في مرحلة مبكرة، فإن العائد لا يقتصر على تكلفة الزيارة، وإنما يشمل تكاليف مضاعفات تم تجنبها. وإذا أدى التحول الرقمي إلى تقليل زمن الانتظار أو الزيارات غير الضرورية، فإن العائد يشمل وقتًا إنتاجيًا تم استعادته. وإذا نجحت برامج الوقاية في تقليل مخاطر المرض، فإن الاقتصاد يكون قد حافظ على رأس مال بشري كان يمكن أن يتحول إلى تكلفة.

وتزداد أهمية هذه المقاربة لأن القطاع الصحي نفسه يمكن أن يتحول إلى أحد مسارات التنويع الاقتصادي. فالبحث الطبي، والتكنولوجيا الصحية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدوائية، والتعليم الطبي، والتأهيل، والبيانات الصحية، ومراكز التميز، كلها مجالات قادرة على إنتاج وظائف ومعرفة واستثمارات، إلى جانب وظيفتها الأساسية في تحسين صحة السكان.

لكن جوهر المسألة يظل في جودة الخدمة. فالجودة ليست فقط كفاءة الطبيب أو حداثة الجهاز؛ إنها قدرة النظام على إيصال الخدمة المناسبة إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب، وتحقيق النتيجة الصحية المطلوبة بأقل هدر ممكن في الموارد.

ومن هنا فإن الاقتصاد لا يخسر فقط عندما يمرض الإنسان؛ بل يخسر عندما يطول مرضه، ويتأخر علاجه، وتنخفض إنتاجيته، وترتفع تكلفة رعايته. ولذلك يمكن أن يكون تحسين جودة الخدمات الصحية استثمارًا اقتصاديًا حقيقيًا، حتى عندما لا يظهر عائده مباشرة في بند من بنود الموازنة.

والتحدي لأي دولة ليس بالضرورة أن تنفق أكثر على الصحة، وإنما أن تصبح أكثر قدرة على معرفة أين يحقق كل ريال صحي أعلى قيمة ممكنة.

فإذا أمكن ربط البيانات الصحية ببيانات سوق العمل والإنتاجية والتكاليف، يصبح بالإمكان الانتقال من سؤال «كم أنفقنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا أنتج هذا الإنفاق؟».

وعندها يمكن قياس العائد الصحي والاقتصادي للاستثمار في الوقاية، والتشخيص المبكر، والرقمنة، وجودة الرعاية، والتكنولوجيا الطبية، بدل الاكتفاء بقياس عدد المنشآت والأجهزة والزيارات.

الدولة لا تحتاج فقط إلى نظام صحي قادر على علاج المرض؛ بل إلى نظام قادر على حماية القيمة الاقتصادية للإنسان.

وعندما يصبح السؤال من «كم أنفقنا على الصحة؟» إلى «كم قيمة صحية وإنتاجية واقتصادية صنعنا بهذا الإنفاق؟»، نكون قد انتقلنا من اقتصاد تمويل الرعاية إلى اقتصاد الاستثمار في الإنسان.

وهنا تحديدًا لا يعود المستشفى مجرد منشأة صحية، بل يصبح جزءًا من البنية التحتية التي ينتج بها الاقتصاد القطري مستقبله.

اقرأ المزيد

قطر من التحول الرقمي إلى إنتاج القيمة المعرفية قطر من التحول الرقمي إلى إنتاج القيمة المعرفية

لم يعد التحول الرقمي في دولة قطر مجرد تحديث للبنية التحتية أو رقمنة للخدمات؛ بل يتحول تدريجياً إلى... اقرأ المزيد

306

| 13 أغسطس 2026

العلامة التجارية الوطنية.. السمعة رأسمال استثماري العلامة التجارية الوطنية.. السمعة رأسمال استثماري

لم تعد المنافسة في الاقتصاد العالمي تُحسم بوفرة الموارد الطبيعية وحدها، بل بقدرة الدول على بناء رأسمال مؤسسي... اقرأ المزيد

342

| 09 أغسطس 2026

اقتصاد الشركات العائلية.. كيف تصنع العلامة العائلية مستقبل الاقتصاد؟ اقتصاد الشركات العائلية.. كيف تصنع العلامة العائلية مستقبل الاقتصاد؟

يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً عميقاً في مصادر خلق القيمة؛ فلم تعد الثروة تُقاس بحجم الأصول المادية وحدها، بل... اقرأ المزيد

435

| 29 يوليو 2026

مساحة إعلانية