رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا صح أن الفريق السيسي طلب وقف الحملة الداعية إلى ترشيحه رئيسا لمصر فهو مما يحمد له خصوصا إذا ثبت أن اعتراضه على المبدأ وليس على التوقيت، إلا أن ذلك لا يمنعنا من البحث عن تفسير لمسارعة البعض إلى إطلاق تلك الحملة في الأجواء الراهنة.
(1)
أتحدث عن الفكرة وليس الشخص الذي له حقه في الاحترام والكرامة، ذلك أنه يبدو غريبا في بلد كبير وعريق مثل مصر. ثار شعبه لإقامة نظام ديمقراطي ظلت أجياله تحلم به طوال أكثر من ستين عاما، أن يصبح الجنرال الصاعد خياره المرشح لحكم البلد. وتمتزج الغرابة بالدهشة إذا لاحظنا أن ترشيح الفريق السيسي بخلفيته العسكرية يلقى ترحيبا من جانب شرائح واسعة من النخب المدنية، الليبرالية واليسارية، إضافة إلى الحفاوة المشهودة التي عبرت عنها المنابر الإعلامية التي تنافست في تسويق الحملة. الأمر الذي وسع من دائرة التأييد الجماهيري لها. وهو ما لم يخطر على بال الذين قاموا بالثورة في مستهل عام 2011.
ثمة غموض يحيط بملابسات إطلاق الحملة التي رفعت أخيرا شعار «كمِّل جميلك». إذ في أجواء شح المعلومات المخيمة، فنحن لا نعرف الكثير عن خلفيات ما يجري. وخبراتنا لا تطمئننا إلى أن الذين يتحدثون باسم الحملة في وسائل الإعلام هم أصحاب الفكرة والمحركون الحقيقيون لها، لأننا تعلمنا أن أصابع الأجهزة الأمنية عادة ما لا تكون بعيدة عن أمور بتلك الأهمية. وما يدفعني إلى التساؤل عن هذه النقطة أنني أعرف منذ عدة أشهر أن موضوع الرئاسة القادمة كان مطروحا للمناقشة في أوساط الأجهزة السيادية ودوائر الدولة العميقة. وأنه كان هناك اتفاق على ضرورة ترشيح شخصية عسكرية لذلك المنصب. وجرى تداول اسمين محددين، لم يكن الفريق السيسي أحدهما. إلا أن الموقف تغير في أعقاب التطورات التي حدثت منذ 30 يونيو، ثم الإعلان عن عزل الرئيس محمد مرسي وتنصيب رئيس المحكمة الدستورية مكانه، وهي التطورات التي دفعت باسم الفريق السيسي إلى الواجهة. ومما عزز موقفه أنه يشكل رمزا التقى عليه التحالف المناوئ للإخوان والتيار الإسلامي، الذي ضم الليبراليين واليساريين والعسكر، مع الدولة العميقة وفلول النظام السابق.
(2)
أنكون بصدد استعادة سيناريو التجربة الكمالية في تركيا؟ هذا السؤال من وحي المعلومات التي تسربت عن دور الأجهزة السيادية في ترشيح رئيس للجمهورية من ذوي الخلفية العسكرية، كما أنه يتكئ على شكوك وقرائن تتعلق بما نشهده من تنامي مؤشرات انخراط الجيش في الشأن السياسي، إلى جانب دلالة التعديل الدستوري الذي أدخلته لجنة العشرة التي تشكلت بعد تنصيب الرئيس الجديد، حين نص على اشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على من يعين وزيرا للدفاع. وذلك استثناء غير مسبوق أعطى انطباعا بأن المجلس المذكور يتجه لأن يصبح سلطة موازية للدولة وليس جزءا منها.
إن شئت فقل إن ذلك هو السيناريو الأسوأ، لكن شواهد الحال التي نراها في الأجواء الراهنة لا تدل على أنه غائب تماما عن البال. ومن ثم فإن تلك الشواهد تقرب إلى أذهاننا التجربة التركية. ذلك أن مصطفى كمال أتاتورك قاد مع زملائه المقاومة الوطنية بين عامي 1920 و1922. ضد جيوش الاحتلال التي توجت بتحرير الأناضول واسطنبول من أيدي المحتلين، وقام بإلغاء الخلافة ثم نصب الجيش حارسا للنظام السياسي. خلال سنوات حكمه التي استمرت من عام 1923 إلى 1938. بالمقابل فإن الفريق السيسي أنهى حكم الإخوان وأسقط دولتهم وجعل من قيادة القوات المسلحة راصدا ورقيبا على السياسات الإستراتيجية الداخلية والخارجية. صحيح أن أتاتورك حقق إنجازا كبيرا في التاريخ التركي، وكان له مشروعه التحديثي لبلاده، وأن إنجاز الفريق السيسي محدود الأثر فضلا عن أن مشروعه لم تتبلور معالمه، إلا أن الرجلين يشتركان أيضا في خمسة أمور، الأول أن كلاهما أحدث تحولا له أهميته النوعية في المسار السياسي لبلاده. الثاني أنهما جمعا بين السلطتين السياسية والعسكرية. الثالث والأهم أنهما جعلا الجيش طرفا في السياسة الداخلية للبلاد. الرابع أن الرجلين عمدا، إلى قمع معارضيهما، كل على طريقته. الخامس أنهما جعلا من المؤسسة العسكرية كيانا مستقلا عن مجلس الوزراء. وهو ما يمثل في استقلال الميزانية وتشكيل المجلس الأعلى للدفاع، وهذه مجرد عناوين لإبراز الفكرة، ولمن يريد أن يستفيض في المقارنة أن يرجع إلى كتاب «العسكر والدستور في تركيا»، للدكتور طارق عبدالجليل الأستاذ بآداب عين شمس الذي أعد رسالته للدكتوراه حول الموضوع. وقد أصدرته دار نهضة مصر في العام الماضي.
قلت إن ذلك هو السيناريو الأسوأ لأن تركيا عانت كثيرا من هيمنة الجيش على السياسة طوال سبعين سنة تقريبا، ولم تطو تلك الصفحة إلا في العام الحالي حين صدر تشريع عن البرلمان يمنع القوات المسلحة من القيام بذلك الدور. بالتالي فنحن نتحدث عن واقع تحقق، أما حين نستدعي النموذج بمناسبة الدعوة إلى ترشح الفريق السيسي للرئاسة فنحن نتحدث عن ظنون ومخاوف، قد تصيب وقد تخيب.
(3)
هناك عدة تفسيرات أخرى للهرولة الراهنة نحو ترشيح الفريق السيسي للرئاسة في مقدمتها ما يلي:
< القلق من الفراغ المخيم على الساحة السياسية. ذلك أن سنوات الجدب السياسي التي عاشتها مصر خلال العقود السابقة أصابت الجماعات السياسية بالعجز والعقم، إذ باستثناء التيار الإسلامي بجذوره الضاربة في الأعماق الإيمانية المصرية، فإن بقية الجماعات السياسية لم يتح لها أن تثبت أقدامها أو تفرز قياداتها. وفي ظل غياب المؤسسات الديمقراطية التي تشكل مختبرات إنتاج الزعامات، فإننا صرنا نفتقد إلى القامات السياسية المعتبرة، التي تحظى بدرجات متفاوتة من الإجماع الشعبي. صحيح أننا رأينا أسماء لأشخاص ــ بعضهم لهم احترامه ــ ظهروا على شاشات التلفزيون وفي صدارة المؤتمرات الشعبية، إلا أن الفترة المحدودة التي ظهروا خلالها بعد الثورة لم تتح لأي منهم أن يتحول من اسم وعنوان إلى قامة تلفت الأنظار وتحظى بالإجماع. وحين ظهر الفريق السيسي على المسرح في تلك الأجواء، وقام بما قام به في تحدي حكم الإخوان وعزل رئيس الجمهورية، فإن الأعين تعلقت به وتصور كثيرون أن الرجل يمكن أن يملأ الفراغ ويمثل الرمز المطلوب لرئاسة الدولة.
< نزوع بعض المجتمعات إلى الاعتقاد في فكره المخلِّص الفرد الذي على يديه يتحقق الخلاص ويسود العدل، وتتجسد عند الشيعة الاثنى عشرية في نموذج المهدي المنتظر. وهي فكرة رومانسية تشيع في أوساط المجتمعات القدرية، التي لا تثق في قدرتها الذاتية على التصدي للتحديات التي تواجهها. فتعلق الأمل على المنقذ الغائب الذي سيحقق لها بقدراته الخارقة والفذة ما عجزت هي عن تحقيقه بإمكاناتها الذاتية.
في الحالة المصرية فإن السيسي ربما مثل في مخيلة الذين دعوا إلى ترشيحه للرئاسة ليس فقط منقذا لمصر من أزمتها السياسية، ولكنه أيضا يبدو وكأنه منقذ البلد من حكم الإخوان. يؤيد هذا الظن التحليل الذي كتبه القيادي اليساري البارز الأستاذ عبدالغفار شكر تحت عنوان «أهمية بناء أحزاب جماهيرية». وقال فيه بوضوح إنه إزاء ضعف الأحزاب السياسية المصرية الليبرالية والاشتراكية والقومية، وعجزها عن بناء نفسها كقوى جماهيرية قادرة على منافسة الإخوان المسلمين، فإن ذلك يؤدي عاجلا أم آجلا إلى استمرار تدخل القوات المسلحة في العملية السياسية (الأهرام ــ 13/7/2013).
< النموذج البونابرتي، نسبة إلى نابليون بونابرت. ويقصد به عند دارسي العلوم السياسية الالتفاف حول شخصية كارزمية تقيم دولة قوية لها مشروعها الخاص، التي تنتشل بمقتضاه الدولة من انهيار حقيقي أو متوهم. هذه الشخصية تتقدم لتنقذ الشعب من ثورته، وتنتقل بعد ذلك من الدولة ــ الأمة إلى الدولة ــ الفرد. وقد جسد بونابرت ذلك النموذج، الذي تنسحب مواصفاته على شخصيات أخرى مثل مصطفى كمال أتاتورك وفرانكو وشارل ديجول وجمال عبدالناصر. وعقلية النموذج البونابرتي لا تعول على مؤسسات الدولة الحديثة المستقرة، ولكنها تراهن على أدوات قوة الدولة، الممثلة في الجيش وأجهزة الأمن والبيروقراطية. وفي محيطنا كثيرون من السياسيين والمثقفين المفتونين بثورة الزعيم والدولة يجذبهم ذلك النموذج، وقد صار هؤلاء في مقدمة الذين اندفعوا لترشيح الفريق السيسي، رغم أن مشروعه لم يتبلور منه شيء حتى الآن سوى ما سمي مؤخرا بالحرب على الإرهاب.
(4)
للدكتور جمال حمدان، عالم الجغرافيا السياسية الأشهر، قراءة أخرى للمشهد الذي نحن بصدده يربط فيها بين البيئة النهرية المتمثلة في مصر، وبين نظام إدارة البلد. إذ اعتبر أن تعاظم دور الفرعون وقوة البيروقراطية من إفرازات تلك البيئة. التي يتولى فيها الأول توزيع المياه من خلال جهاز الدولة منذ آلاف السينين. وقد بسط رؤيته تلك في أحد فصول الجزء الثاني من مؤلفه الموسوعي «شخصية مصر ــ دراسة في عبقرية المكان».
حسب تعبيره فإنه في ظل المجتمع النهري أصبح الفرعون ضلعا أساسيا في مثلث الإنتاج، إلى جانب الضلعين الطبيعيين المتمثلين في الماء والشمس. إزاء ذلك تحول الحاكم إلى الملك الإله، لأنه ضابط النهر. وضبط النهر صار بداية كل شيء. لذلك كانت حكومة مصر الفرعونية في جوهرها حكومة تكنوقراط، بلغة هذا الزمان. وفي رأيه أن هذه الخلفية أسست في الوجدان المصري منذ آلاف السنين دورا متميزا للفرعون وللجهاز البيروقراطي المتمثل في الحكومة المركزية. وقد اعتبر أن البيروقراطية «هي الأساس الصلب الراسخ للفرعونية والقوة الضاربة الرئيسية لنظامها في الداخل».
تحليل الدكتور جمال حمدان أوصله إلى نتيجة صاغ فيها علاقة السلطة بالمجتمع في مصر على النحو التالي: «كانت مصر في حقيقة الأمر مجتمعا مدنيا يحكمه العسكريون كأمر عادى في الداخل. وبالتالي كانت وظيفة الجيش الحكم أكثر من الحرب. ووظيفة الشعب التبعية أكثر من الحكم. وفي ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب كثيرا ما كان الحكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو بالحل السياسي، وأخطار الحكم الداخلية بالحل العسكري، أي أنه كان يمارس الحل السياسي مع الأعداء والغزاة في الخارج، والحل العسكري مع الشعب في الداخل» ــ (جـ4 ص578). هذا الرأي قابل للنقد والمراجعة بطبيعة الحال، لذلك يستحق أن يضاف إلى ما ينبغي أن نفكر فيه ونحن نتطلع إلى خيارات المستقبل وحظوظنا منها.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2639
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1033
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
678
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
6438
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2598
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2361
| 15 أكتوبر 2026