رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يمثل القطاع المصرفي أهم القطاعات المالية والاقتصادية محليا وعالميا حيث يمثل شريان الحياة الاقتصادية لكل دولة ويقوم هذا القطاع الإسلامي بدور الوساطة المالية بين المدخرين والمستثمرين كما يقوم بتقديم العديد من الخدمات المالية والمصرفية الأخرى بمختلف أنواعها وأشكالها الحديثة فالصناعات الخدمية ومن بينها صناعة الخدمات المالية تلعب دورا مهما ومتميزا في اقتصاديات وأسواق المال المحلية والعالمية ولذلك يشكل قياس جودة الخدمة المصرفية المقدمة إحدى المشكلات الأكثر أهمية والتي تواجه الإدارة التنفيذية للمصرف في الوقت الحاضر الذي يتطلب إيجاد مقياس يمكن من خلاله جعل جودة الخدمات المصرفية قابلة للفهم خصوصا واتجاه الأسواق المالية والاقتصادية للعولمة بكافة أشكالها لاسيما المالية منها بحيث تصبح المصارف قادرة على تقديم أعلى مستوى من خدماتها المصرفية للعملاء في الأسواق العالمية إضافة إلى ذلك أجبرت المنافسة القوية في قطاع الخدمات المصرفية ( إسلامية - تجارية ) الكثير من المصارف في البدء ببرامج ومستويات جودة الخدمات المصرفية من أجل دراسة توقعات وإدراك العملاء لهذه الجودة حيث أجريت عدد من الدراسات والبحوث لإثبات صحة ذلك ومن أهمها ما أطلق عليه نموذج الفجوة في قياس جودة الخدمة وتطبيق واختبارات النتائج في الأعمال المصرفية مثل بطاقات الائتمان وخدمات التجزئة ومازال هناك كثير من التطوير في ظل المتغيرات الدولية للأسواق المالية والمصرفية ولذلك تبحث محاور التقرير جودة الخدمات المصرفية الإسلامية :-
أولا: مفهوم الخدمة المصرفية
الخدمة بشكل عام تمثل نشاطا أو عملا يحصل عليه المستفيد أو العميل ( فرد - مؤسسة - دولة ) من خلال الأفراد أو الآلات التي تقوم من خلالها أما مفهوم الخدمة المصرفية فهو أوسع وأشمل.
ثانيا : التحديات التي تواجه إدارة جودة الخدمات المصرفية
جودة الخدمات المصرفية صعبة القياس بسبب طبيعتها الذاتية حيث أقرت الكثير من الدراسات أن العملاء ذوي توقعات هامة يجب مقارنتها مع إدراك الأداء للحصول على القياس الكلي لجودة الخدمات المصرفية وهذا المقياس يتأثر بشكل كبير بوسائل المصادقات الخدمية لاسيما العالمية منها حيث يتطلب ذلك مسئولية مشتركة بين إدارات المصارف وأقسامه والمشاركة من قبل العملاء بهدف ضبط هذه المصادقات لالتقاء كل من ( الاحتياجات - التوقعات - الطموحات ) المرغوبة من قبل العملاء في كافة الأنحاء وعلى الرغم من كثرة الدراسات التي أجريت على جودة الخدمات ومقاييسها كنموذج الفجوة مثلا فقد تناولته بالتطوير والتحديث الا أنها انتقدته من حيث الاختلاف والتباين بين اتجاه المصارف للتحرر بتجارة الخدمات المالية والاندماج والعولمة والشمولية وترجع ذلك لمجموعة من الأسباب:-
1- جودة الخدمات المصرفية صعبة التقييم من قبل العملاء عكس الخدمات الأخرى خصوصا في البيئة المصرفية التي تشمل كثيرا من التحديات والمشكلات المتشابكة.
2- تعرف جودة الخدمات المصرفية على أنها مقارنة بين توقعات وإدراك الأداء الفعلي المقدم للعملاء وهذا يتطلب وجود ثقافة للخدمات التي يقدمها المصرف عن ما الذي يجب أن يقدمه بهدف توافر عنصر الموثوقية والسمعة والأمان.
3- عملية تقييم جودة الخدمات المصرفية تتطلب مجموعة من الأبعاد من أهمها التسهيلات والتقنيات التي يستخدمها المصرف والموارد البشرية بالإضافة للطريقة والأسلوب لتحديد الاتجاهات المصرفية والوسائل المستخدمة لخدمة العملاء وهيكل المصرف والعلاقات المحلية والعالمية وكل طرق تؤدي لكسب وتحقيق رضا العملاء.
ثالثا : أسباب إنشاء إدارة جودة الخدمات المصرفية
الاهتمام بتصميم إدارة لجودة الخدمات المصرفية في المؤسسات المالية أصبحت ضرورية للغاية فلم تبق المصارف الإسلامية بعيدة عن التطورات التي عرفها العالم في مجال جودة الاتصال والمعلومات بل حاولت التأقلم مع المستجدات خاصة وأن العملاء أصبحوا يبحثون عن استجابة دقيقة وشخصية لمتطلباتهم من منتجات وخدمات مصرفية متنوعة ومفضلة حسب أي مكان وبأي طريقة وفي أي وقت وفي مقابل هذه التحولات وجب على إدارة جودة الخدمات المصرفية أن ترتقي لتصبح أكثر إبداعا وتفاعلا ذات ردة فعل سريعة للتقرب للعملاء بجميع الوسائل التكنولوجية المتطورة لتحقيق المواءمة بين أهداف المصرف الإسلامي من جهة والاستجابة لطلبات العملاء بصورة دائمة وفعالة ضمن الإستراتيجية الشاملة للمصرف وفق مجموعة من الأسباب منها :-
تطور الصناعة المالية العالمية والإسلامية وتحديد أهداف واضحة التحقيق للخدمات محليا وعالميا وزيادة الوعي والثقافة المصرفية لدى عملاء المصارف سواء الإسلامية أو التجارية وتنظيم هيكل المستويات الإدارية وتحديد المسئوليات والأدوار لخدمة العملاء بكل وضوح والانفتاح وتحرير الأسواق المصرفية والمالية المحلية والعالمية وتحسين بحوث جودة التسويق المصرفي والانتقال من مفهوم الخدمات لمفهوم المنتجات المصرفية والمنافسة المحلية والعالمية بين المؤسسات المالية الإسلامية والتقليدية وتطور أنظمة العمل المصرفي في شبكات الاتصال وأساليب التكنولوجيا وإدارة المعلومات (IT -IM) والاتجاه العالمي لوضع معايير موحدة لكل الخدمات المقدمة ( مودع - مستثمر - مساهم – مالك - مؤسسة - دولة ) مع التحديث لإدارات الجودة والحكومة والمخاطروالتسويق والرقابة المالية والشرعية.
رابعا : مستويات أداء جودة الخدمات المصرفية الإسلامية
لقد تغيرت النظرة إلى جودة الخدمات المصرفية الإسلامية من مجرد القيام بالإعلان والتسويق النظري عن اسم المصرف وكون معاملاته إسلامية وخدماته المقدمة شرعية إلى ضرورة دراسة الأسواق التي تخدمها المصارف سواء أفرادا أو مؤسسات أو هيئات رسمية والاهتمام بمستويات رغبات العملاء عند تخطيط هيكل الأسواق المستهدفة ومستويات الجودة الخدمات المقدمة حيث يمكن النظر إلى العوامل التي ساهمت في زيادة الاهتمام بمستويات جودة الخدمات المصرفية الإسلامية وقسمتها إلى خمسة مستويات يمكن تحديدها :-
الجودة المتوقعة : تمثل مستوى الجودة التي يتوقع العميل الحصول عليها من المصرف المتعامل معه.
الجودة المدركة : ما تدركه إدارة المصرف لنوعية الخدمة المقدمة لإشباع رغبات العميل بمستوى عال.
الجودة الفنية : تمثل الطريقة التي تؤدي بها الخدمة المصرفية من قبل موظفي المصرف والتي تخضع للمواصفات النوعية.
الجودة الفعلية : هي مدى التوافق والقدرة تؤدي بها الخدمة باستخدام أساليب تقديم الخدمة بشكل جيد يرضي العملاء.
الجودة المرجوة : تعبر عن مدى الرضا والقبول التي يحصل عليه المصرف من عملائه عند حصولهم على الخدمات المقدمة.
خامسا : معايير تحديد جودة الخدمات المصرفية
يوجد كثير من الدراسات للتوصل إلى الأبعاد المستخدمة بواسطة العملاء والهامة في نمذجة توقعاتهم وإدراكهم للخدمة المقدمة وخلصت دراساتهم لمجموعة من المحددات لجودة الخدمة المصرفية أهمها :-
(الاعتمادية ) التسليم حسب الوعد وهو الأكثر ثباتا وأهمية في تحدي إدراك جودة الخدمة عند العملاء و(الاستجابة ) بأنها الإرادة لمساعدة العملاء وتزويدهم بالخدمة فورا و(الكفاءة والثقة ) تتمثل في كفاءة وقدرة القائمين على تقديم الخدمة المصرفية و(الخصوصية ) معاملة العميل بشكل فردي وهي أن يعمل المصرف على أن يشعر العميل بنوع من التميز والخصوصية في التعامل مقارنة بالعملاء الآخرين و(الملموسية ) تصوير الخدمة ماديا.
سادسا : العلاقة بين تطبيقات معايير جودة الخدمات المصرفية الإسلامية وإدارة تعـظيم الربحية والقدرة التنافسية.
أحد الأبحاث التي قمت بالإشراف عليها بعنوان ( معايير جودة الخدمات المصرفية الإسلامية ) تناولت دراسة ميدانية وتحليلية مقارنة لعينة من المصارف الإسلامية في دولة قطر عام 2013 م أشارت الدراسة بنتائجها إلى أنه تقريبا يقدر نسبة ( 87% ) من المصارف الإسلامية التي شملتهم الدراسة أكدوا أن تطبيق معايير لمستويات جودة الأداء للخدمات المصرفية الإسلامية له أثر إيجابي على تحسين الخدمات المصرفية للعملاء من خلال اختصار الزمن وتقليل المخاطر والتكاليف وتوفير بيانات دقيقة وسريعة وواضحة لكل العملاء والمستثمرين التي تساعدهم في اتخاذ القرارات الاستثمارية والتمويلية مما يجعل الخدمات المصرفية ترتقي إلى أعلى مستوياتها كما أن الاعتماد على أنظمة ومعايير جودة سواء رقابية دورية وإدارية فعالة وبصفة مستمرة من خلال وضع استراتيجيات لتطوير الخدمة المصرفية الإسلامية ومواجهة التحديات المنافسة من المصارف التجارية والعالمية خاصة في ظل الانضمام المتتالي للعديد من الدول العربية للمنظمة العالمية للتجارة (O.M.C).
حكمة وحنكة القادة.. ونعمة الأمن وسط العواصف
لا شك أن منطقة الخليج تمر بواحدة من أدق وأخطر المراحل في تاريخها الحديث. فالأزمات تتلاحق، والتوترات الإقليمية... اقرأ المزيد
81
| 17 يونيو 2026
تجليات الروح بين الباراسيكولوجي وعمق الإيمان
الوقوف على حدود الوعي البشري وسبر أغواره ليس مجرد ترفٍ فكري، بل هو رحلة استقصائية في جوهر الكينونة... اقرأ المزيد
75
| 17 يونيو 2026
الدبلوماسية القطرية الامتياز الأول
تقوم دولة قطر، بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، بدور محوري... اقرأ المزيد
84
| 17 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
7386
| 14 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
4590
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4389
| 15 يونيو 2026