رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خلال لقائه مع الإعلاميين وصف الرئيس المصري نفسه بأنه في حالة حرب داخليا وخارجيا، ودعا المصريين إلى التكاتف من أجل تحقيق النصر في هذه الحرب. صحيح أنه لم يحدد بالضبط هذه الحرب ضد من، ولكنه خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها، اتخذ مجموعة من القرارات التي تصور أنها تحقق له النصر في هذه الحرب. غير أن القرارات التي يراهن عليها النظام الجديد لا تبدو قادرة على أن تحقق استقرارا سياسيا أو اقتصاديا. ويبدو أن هذا أحد تداعيات عدم وجود برنامج واضح منذ البداية، فاللجوء إلى الحلول المستهلكة يوحي بغياب البدائل، واستبعاد الحوار المجتمعي حولها يوحي بأن أساليب النظام القديم قد عادت إلى صدارة المشهد من جديد.
من هذه القرارات اللجوء لرفع الدعم عن الطاقة مع عدم توفير غطاء يحمي الفقراء من الانكشاف الاقتصادي، هذا الرهان يحمل في طياته بذور ثورة جياع محتملة، خاصة أن النظام لم يجتهد في البحث عن حلول موازية، تضمن للفقراء نوعا من التمييز الإيجابي، أو تظهر لهم نيته عدم تحميلهم الجانب الأكبر من فاتورة الإصلاح الاقتصادي. والأسوأ أنه يوحي أن أجندة العدالة الاجتماعية ليست ضمن أولوياته، فمازال الاستقطاب الاقتصادي هو سيد الموقف، حيث الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً.
التعويل على المؤسسة العسكرية لدعم الاقتصاد المصري يبدو هو الآخر رهانا قاصرا، فالأساليب الاقتصادية للمؤسسة العسكرية لا يمكن استنساخها في أوجه الاقتصاد الأخرى، فالمؤسسة العسكرية تدير اقتصادا فوقيا، محميا من المنافسة، ومن ثم فإن الخبرة التي يمكن أن تقدمها للقطاعات الاقتصادية السوقية محدودة أو منعدمة. ومن ناحية ثانية فإن الرهان على استمرار هذه المؤسسة في أداء دور المنقذ الاقتصادي يحمل مخاطر كبيرة، فليس من المنطقي أن تتفرغ المصانع الحربية لإنتاج السلع الاستهلاكية لتوزيعها على محدودي الدخل، فهذه في النهاية ليست وظيفتها الطبيعية، وإذا كان من المتصور أن تقوم القوات المسلحة بهذا الدور في أوقات الطوارئ فمن غير المقبول أن يستمر هذا كدور أصيل لها في الأوضاع العادية.
أما رهان النظام على أسلوب القبضة الأمنية لتحقيق الاستقرار الداخلي، فلا يتوقع أن يؤتي ثماره، فثمة جيل من الشباب لا يبدو راغبا في مبادلة الخنوع بالأمن كما كان الحال طوال فترة مبارك، والمشكلة الأكبر أن هذا الجيل لا يبدو أن لديه ما يخسره، ففي ظل تضاؤل طموحه الاقتصادي، وانكماش الحريات السياسية التي كان يتطلع إليها، يبدو الاستمرار في الحراك الرافض للقمع بديلا مفضلاً لديه. كما أن لجوء النظام إلى التنكيل بالمعارضين يشكل عودة لأساليب عفى عليها الزمن لتأكيد قوة الدولة، ليس عن طريق منافسة خصومها والتغلب عليهم، ولكن عن طريق التخلص منهم وإزاحتهم من المشهد السياسي بالتغييب في السجون والمعتقلات أو دفعهم للهجرة خارج البلاد، وبالمناسبة فإن هذا الأسلوب لم ينجح في الحالات التي طبق فيها، سواء عبر التاريخ (التجربة الناصرية)، أو عبر الجغرافيا (التجربة الجزائرية).
وبنفس المنطق فإن الرهان على سياسة الإقصاء، وفقا لثنائية الشعبين، وعبر وصف قطاعات واسعة من المعارضين للنظام الحالي بأنهم جماعات مؤيدة للإرهاب، داعمة للعنف، تحمل مخططات ضد الدولة المصرية، يرسخ حالة الفرز الاجتماعي، ويدفع المخالفين إلى الاستمرار في التمرد والاحتجاج، والذي حتى لو لم يأخذ الشكل العنيف فإنه كفيل بتأبيد الوضع غير المستقر، خاصة أنه من المرشح أن ينضاف إلى القطاعات المستبعدة فصائل أخرى عمالية وطلابية من ذوي التطلعات السياسية والاقتصادية المجهضة.
أما على المستوى الخارجي فإن رهان النظام على الدعم الخليجي لا يمثل هو الآخر رهانا معقولا، فهذه الأنظمة لن تستمر في دعم هذا النظام ما لم تتأكد أنها قادرة على أن تسترد منه بشكل أو بآخر مقابل ما تدفعه له. كما أن لهذه الأنظمة مشروطيتها السياسية الفجة، فمقابل قروضها الضخمة فإنها تريد استمرار سياسات الإقصاء، وعليه فإن أي محاولة للحوار سوف تعترض عليها هذه الأنظمة، ما يعني أنها ستصبح شريكا في صناعة القرار المصري الداخلي. من ناحية أخرى فإن هذه الأنظمة يناسبها أكثر استمرار أسلوب الاقتصاد الدولتي، القائم على إرساء المشروعات بالأمر المباشر، وهو ما يعطي لشركاتها الأفضلية في تنفيذ المشاريع الضخمة، ومن ثم فإن استمرار مساعداتها مرتبط بغياب المنافسة الاقتصادية كما هو مرتبط باستمرار الإقصاء السياسي.
الرهان على الدعم الدولي يبدو هو الآخر غير مضمون، فالأمريكان يدركون خطورة الاستمرار في دعم نظام لا يحظى بالتأييد الشعبي الكافي، كما أنهم لا يريدون تكرار غلطتهم مع مبارك، من خلال منح دعم غير مشروط لنظام كل فضيلته أنه يفرض الاستقرار بالقوة. فهذه الصيغة لم تنجح وقت مبارك، وكادت المصالح الأمريكية أن تصبح في مهب الريح، لولا أن من تولى الحكم في أعقاب ثورة يناير جماعة إصلاحية حافظت على التوجهات التقليدية مع واشنطن. من ناحية أخرى فإن الرهان على استمرار المعونة العسكرية الأمريكية يمكن أن يشهد مفاجآت في المستقبل، فالعلاقات الوطيدة بين النظام الحالي وإسرائيل تجعل المساعدات العسكرية غير ذات معنى، وقد لاحظ أحد الباحثين من مركز كارنيجي أن التعاون الأمني بين مصر وإسرائيل قد ازداد بصورة كبيرة منذ تعليق المساعدات العسكرية الأمريكية بصورة جزئية في صيف العام 2013، وهو ما قد يقنع الأمريكيين أن المصالح الأمنية للنظام الحالي هي التي تقف وراء تعاونه مع إسرائيل وليس الحصول على المساعدة الأمريكية، ولهذا ربما يطالب الكونجرس في المستقبل القريب جدا إما بتخفيض المساعدات أو توجيهها إلى مناحٍ أخرى.
وفي ظل هذا الرهانات القاصرة يظل النظام بعيدا عن حلم تحقيق الاستقرار اللازم لجذب الاستثمارات الأجنبية وتنشيط السياحة، وهما المصدران اللذان كان من الوارد التعويل عليهما بشكل أكبر قبل 3 يوليو، الأمر الذي يفرض عليه الانغماس أكثر في سيناريو قمع المعارضة (الإسلامية والعلمانية على حد سواء)، أملا في القضاء عليها، ومن ثم إقناع الخارج باستتباب الأوضاع داخلياً. هذه هي طبيعة الحرب التي تحدث عنها النظام، وهذه أسباب عدم إمكانية تحقيقه النصر فيها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4362
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3192
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1230
| 28 سبتمبر 2026