رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في أواخر القرن الثامن عشر، وبينما كان وباء الجدري يحصد أرواح الملايين حول العالم، لم يلجأ الطبيب الإنجليزي "إدوارد جينر" إلى عزل مرضاه في حصون مغلقة لحمايتهم، بل ذهب إلى خطوة بدت مجنونة حينها؛ إذ حَقن طفلاً سليماً بجرعة مخففة من الفيروس. لم يكن "جينر" - حينها - يهاجم المرض من الخارج، بل كان يعمد إلى استثارة الجهاز المناعي للطفل ليبني حائط صدٍّ داخلي قادر على التعرف على الخطر وتدميره؛ وهكذا وُلد مفهوم "المناعة" الذي غيّر تاريخ الطب وأنقذ البشرية.
اليوم، ونحن نغرق في طوفان من المحتوى الرقمي والبيانات الموجهة، نجد أنفسنا أمام التحدي ذاته، ولكن في ساحة معركة مختلفة؛ ففي صمت مطبق وفي زاوية كل منزل تقريباً، يجلس طفل مسمّراً عينيه على شاشته الصغيرة، يمرر إصبعه إلى الأعلى بلا توقف، وهو بالنسبة للوالدين، يقضي مجرد "وقت ترفيهي".
لكن ما يحدث خلف تلك الزجاجة اللامعة هو أعقد عملية "هندسة نفسية" لتشكيل الوعي في التاريخ البشري؛ ففي تلك اللحظة، تعمل آلاف الخوارزميات المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتُجري ملايين العمليات الحسابية في الثانية الواحدة لتحقيق شيء واحد فقط: وهو اختراق جهازه العصبي، ضخ الدوبامين، وتشكيل وعيه بصمت ليكون مستهلكاً مثالياً، مدمناً، ومستلباً بلا إرادة.
ثم في صباح اليوم التالي، نُرسل هذا الطفل الذي تعرضّ لأشرس غسيل دماغ رقمي إلى المدرسة، معتقدين أننا نحصّنه بالتعليم!؛ لكن هذه المنظومة التعليمية التي يُفترض بها أن تكون الحصن الأخير المتبقي لتشكيل وعي أبنائنا، وبناء هويتهم، والمسؤولة المباشرة عن صياغة إدراكهم للواقع، تُخترق اليوم بصمت، ولعل أكثر من يسهّل هذا الاختراق هو نحن، حين نعتقد أن تزويدهم بأحدث الأجهزة اللوحية الذكية هو غاية "التحول الرقمي".
وهنا يكمن الخلل المنطقي المرعب؛ أي في طريقة استجابتنا كمنظومة مجتمعية وتربوية لهذا الخطر. ولنتحدث بلغة الأرقام؛ إذ تشير إحصاءات عالمية حديثة إلى أن المراهق يقضي في المتوسط نحو 7 ساعات يومياً ملتصقاً بالشاشات لأغراض ترفيهية بحتة. بينما أظهرت دراسة شهيرة لجامعة "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)"، أن الأخبار الكاذبة والمحتوى المضلل ينتشران أسرع بـ 6 مرات من الحقيقة عبر المنصات الرقمية. وبهذا إذن نكون أمام طوفان من التضليل الممنهج.
وحينما قررت المؤسسات التربوية عالمياً وعربياً مواجهة هذا المد، اندفعت بحماس نحو ما يسمى بـ "التحول الرقمي"؛ فاستبدلت السبورة الخشبية بالشاشة الذكية، ومنحت الطفل / الطالب جهازاً لوحياً ليحل الواجبات، وهذا إنجاز عظيم يُحسب لمدارسنا. إلا أن هذا التحول التكنولوجي، وعلى بالغ أهميته وحتميته، لا يكفي وحده ليكون الحل. بل وعلى عكس ما يبدو؛ فإن تعريض الطالب لهذا الانفتاح التقني الشامل دون تزويده بأدوات وقائية فعّالة، قد يفاقم المشكلة بدلاً من حلها، لأنه يضعه في عين العاصفة الرقمية مجرداً من أي سلاح فكريّ للتعامل معها.
لذلك، بدا أن هذا الاندفاع نحو الرقمنة – للأسف – يميل بكليّته إلى الجانب "التقني الاستهلاكي"؛ أي تعليم الطالب كيف يستخدم الأداة تقنياً، بينما يغيب السؤال الأكثر أهمية وخطورة: كيف يقيّم الطالب مخرجات هذه الأداة عقلياً وأخلاقياً؟. نحن في مدارسنا نبذل جهداً رائعاً في تعليم طلابنا مهارات التصفح، واستخدام التطبيقات الحديثة، والبرمجة أحياناً، لكننا نغفل عن تعليمهم مهارات تحليل ما يقرأون ويشاهدون. فلا أحد يخبرهم كيف يكتشفون المحتوى المضلل الذي بات يزيف الواقع باحترافية مرعبة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل التزييف العميق (Deepfake). باختصار؛ نحن نبني "مستخدمين" بارعين للتكنولوجيا، لكننا لا نبني "نقاداً" قادرين على فلترة هذا المحتوى اللانهائي الذي يتسرب إلى عقولهم.
لقد أثبتت التجارب أن سياسة "المنع والمصادرة" وسحب الهواتف من أيدي الأبناء معركة خاسرة سلفاً، تماماً كما كان العزل التام فاشلاً في مواجهة الأوبئة القديمة. وفي دولة مثل قطر، والتي تقدم اليوم نموذجاً متقدماً في جودة التعليم والبنية التحتية الرقمية، وتتبوأ مراكز ريادية في مؤشرات التنافسية؛ يتضاعف حجم هذا التحدي؛ فكلما زاد الانفتاح التقني، زادت الحاجة الماسة لحماية الهوية. وبينما تسير الدولة بخطى واثقة نحو تحقيق أهداف "رؤية 2030" التي تضع بناء الإنسان الواعي والمتمسك بقيمه على رأس أولوياتها، نجد أنفسنا أمام تساؤل إستراتيجي: كيف نحافظ على هذه الهوية الأصيلة حين يقضي الطالب ربع يومه أمام خوارزميات تغذيه بقيم معولمة وموجهة؟.
للإجابة عن هذا التساؤل المعقد، يجب أن ندرك أولاً أن الحل لن يكون بالهروب إلى الخلف أو شيطنة التقنية، ولا بالاكتفاء بتلقين الطلاب مهارات الحاسوب التقليدية، فالحل الحقيقي يكمن في تبني مفهوم إستراتيجي شامل نطلق عليه اسم "المناعة الرقمية المعرفية". هذه المناعة لا تعني مجرد الحجب والحماية السطحية، بل تعني "هندسة عقل الطالب" ليكوّن هو جهاز الفلترة الخاص به؛ إنها تزوده بالقدرة النقدية التي تفكك المحتوى وتحلله قبل أن تستهلكه.
وهنا، لنا في النماذج العالمية المتقدمة أسوة حسنة؛ فدولة مثل فنلندا - مثلاً- تصدّرت دول أوروبا في "مؤشر محو الأمية الإعلامية" لسنوات متتالية، ذلك أنها أدركت ومبكراً أن ساحة المعركة الحقيقية هي "الوعي"؛ فقامت بإدراج مهارات "التربية الإعلامية واكتشاف الأخبار الكاذبة" ضمن بنيتها التعليمية ابتداءً من المرحلة الابتدائية، محولةً بذلك التهديد الرقمي إلى ميزة تنافسية لأجيالها.
صحيح أن إدراج مادة دراسية مستقلة للتربية الإعلامية قد يكون حلاً منطقياً وضرورياً في كثير من الأحيان، إلا أننا لا نتحدث هنا عن مجرد منهج إضافي قد يثقل كاهل المنظومة، بل نتحدث بالأساس عن "أسلوب حياة" وممارسة يومية داخل الغرفة الصفية. نريد أن يكون الطالب قادراً بالفطرة على التوقف للحظة أمام صورة مبهرة صنعها الذكاء الاصطناعي ليسأل: من صنعها؟ ولماذا؟ وما الرسالة المبطنة فيها؟ أو أن يمتلك الوعي الكافي لتحليل إعلان تجاري أو سياسي قفز فجأة أمامه أثناء مشاهدته لمقطع تعليمي أو ترفيهي على (يوتيوب)؛ إعلان لم يختره، بل فرضته عليه الخوارزميات بدقة للتلاعب في رغباته.
نعم، نحن نتحدث هنا عن خط الدفاع الأول والأهم، وهو بطبيعة الحال ليس "المنهج الدراسي" كما يظن الكثيرون، بل "المعلم"؛ فتمكين الكوادر التعليمية، والأخصائيين الاجتماعيين، من أدوات "التربية الإعلامية الرقمية"، وتدريبهم على تصميم أنشطة صفية دقيقة (Micro-activities) لتفكيك المحتوى الرقمي أمام الطلاب، هو الاستثمار الحقيقي في الحقيقة، لا في الضجيج، وهو الذي سيوصل أجيالنا إلى المستوى المنشود من الوعي النقدي.
إذاً لماذا كل ذلك؟ هذا لأن المنظومة التعليمية، وهي المهنة التي يقع على عاتقها صناعة الأجيال، تستحق أن تُدعم للعبور من مرحلة الاستخدام التقني إلى مرحلة السيادة الرقمية، فقد حان الوقت لتسليح معلمينا بأدوات "المناعة المعرفية"، لنخرج جيلاً يقود الآلة، بدلاً من أن تقوده وتُهندس عقله في غفلة منا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
5172
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1566
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1041
| 29 يوليو 2026