رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تزال تونس تعيش في ظل الجدل القائم حول الشخصية ذات الكفاءة التي يتعين على رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السيبسي اختيارها لتولي رئاسة حكومة الوحدة الوطنية، ورفض معظم الفعاليات السياسية تصريحات حركة النهضة في الأيام الأخيرة ضرورة تمثيل الحركة بالنصيب الأكبر من الوزراء في حكومة الوحدة الوطنية ،وأحقيتها باقتراح رئيسها المقبل ، ما أثار جدلاً واسعًا في الأوساط السياسية سواء داخل الائتلاف أو أحزاب المعارضة، لجهة رفض رغبة النهضة في «التغول» من جديد بعيدا عن القطع مع سياسة المحاصصات التي كانت سبب الأزمة الخانقة التي تتخبط فيها البلاد ،في وقت يقتضي طي صفحة اقتسام «الغنائم» والانتهازية وتغليب المصالح الحزبية على المصلحة الوطنية. علماً أن مبادرة رئيس الجمهورية تستهدف توسيع قاعدة الحُكْمِ الحزبية وإشراك المنظمات الوطنية الكبرى ،غير أن كلّ المؤشّرات تؤكّد على أنّ النتيجة ستكون بعَكْسِ النوايا المعلنة ،وقد تؤول «حكومة الوحدة الوطنية» إلى تحالفٍ يقتصر على «نهضة» قوية بكتلة برلمانية متناسقة ومتماسكة ،و«نداء تونس» مفكّك الأوصال بـ «جُزُرٍ» برلمانية لا رابط تنظيميا أو سياسيا بينها سوى ذلك السّعي المحموم إلى احتلال مواقع المسؤولية.
وكان قصر قرطاج شهد مؤخراًاجتماعاً جمع منظمات وطنية وأحزابا سياسية ،وخُصص للمشاورات حول حكومة الوحدة الوطنية،وحسب المداولات المتسربة من القصر الجمهوري، فإن الاتجاه العام يسير نحو تغيير رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد بشخصية أخرى، كما تم الإتفاق حول بقاء 4 وزراء من الحكومة الحالية حيث لن يشملهم التغيير، وهم وزير العدل عمر منصور، ووزير التربية ناجي جلول ،ووزير الخارجية خميس الجهيناوي ،ووزير الشؤون المحليّة يوسف الشاهد.وقال رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، عقب الانتهاء من الاجتماع، إنه تمّ قطع خطوة لا بأس بها في مشاورات تكوين الحكومة المذكورة، وأن هناك خارطة طريق ممكنة في هذا الشأن موضحاً أن المشاورات الجارية مع مختلف الأطراف تهدف إلى ضبط الأولويات وبلورة الإطار الحقيقي الذي يمكن أن تلتقي فيه مختلف الجهات.
في نظر العارفين بالشأن السياسي التونسي ،كانت كلّ الدلائل تُشيرُ إلى أنّ «مبادرة حكومة الوحدة الوطنية» تَحْمِلُ شروط إجهاضها ، لأنها مبادرة من دون محتوى سياسي وبرامجي جديد وواضح المعالم، إذ اكتفت في هذا الخصوص بتعداد أهداف يتّفق من حيث المبدإ جميع الطّيْف السياسي على أهمّيتها ولكنٌهم يختلفون راديكاليا في بعض الأحيان حول سُبُلِ تحقيقها .
تونس بحاجة ماسة إلى حكومة وحدة وطنية، تتبنى استراتجية وطنية واضحة لمكافحة الفساد، إذ يحتل الفساد ومكافحته، موقعاً مهماً في تحقيق الإصلاح الديمقراطي الذي ينتظره الشعب التونسي ، ذلك أن الفساد يعتبر من المعوقات الأساسية التي تقف في وجه معالجة الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد، منذ سقوط رأس النظام الديكتاتوري السابق، إضافة أنه تحول إلى الحليف الاستراتيجي للإرهاب.
ونظرا لأن السلطة الحاكمة في تونس تمثل مصالح الطبقة السياسية والاقتصادية الرأسمالية الطفيلية الفاسدة،حيث توجد علاقة بين السلطة و الثروة يشكل الفساد قاسمهما المشترك، فإن هؤلاء جميعاً يشكلون في الوقت الحاضر سدّاً منيعاً في وجه تحقيق الأهداف الاستراتيجية للثورة الديمقراطية التونسية .و بما أن الفساد أصبح مستوطنا في كل مفاصل الدولة،فقد أصبح المعرقل الرئيس للاستثمار، و المعوق للتنمية، و المقوض للشرعية السياسية.
و أصبح من نافلة القول أن المستثمر التونسي، أو العربي، أو الأجنبي (النظيف)، يتهيب من الاستثمار في تونس، بسبب انتشار الفساد أولا، وتخلف قوانين البيروقراطية التونسية ثانيا، والتقارير السلبية الصادرة عن منظمات الشفافية الدولية ذات المصداقية، التي أصبحت تصنف تونس رابعا في قائمة البلدان الأكثر فساداً على صعيد عالمي .إضافة إلى ذلك،تكمن خطورة الفساد السياسية و الاقتصادية، ليس إلى إضعاف الحكومة تجاه الداخل فقط، و إنما إلى إضعافها تجاه الخارج ، وتحديدا تجاه المؤسسات الدولية المانحة ، وشركاء تونس الاقتصاديين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
انتظارات الشعب التونسي ، كانت ولاتزال ، تكمن في تحقيق العدالة الاجتماعية ،أي عدالة توزيع الدخل و الثروة،بوصف العدالة في تجلياتها الفلسفية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، تعتبر حجر الزاوية في بلورة أي منوال تنمية جديد سياسي ـ اقتصادي ـ اجتماعي، يرتبط بواقع ومستقبل العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع، وبينه وبين المجتمعات الأخرى.
فإذا استمرت حكومة الوحدة الوطنية في انتهاج نفس الخيارات الاقتصادية و الاجتماعية، أي تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي الهيكلي الموصى بها من جانب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ،بموجب (تسوية واشنطن) وجوهرها الإندماج في العولمة الليبرالية الاقتصادية الجديدة، التي فشلت أيضاً في تحقيق الإصلاح الاقتصادي المنشود في العديد من بلدان العالم ، فإن تونس لم تحصد من الليبرالية الجديدة المعولمة سوى البطالة والفقر والفساد مما هدّد، ويهدّد، السلم الاجتماعي الذي كان البؤرة (إلى جانب عوامل أخرى) التي ولدّت حركات الاحتجاج التي اجتاحت البلاد في نهاية 2010 وتوجت بثورة 14 يناير 2011،منذ أكثر من خمس سنوات، ولاتزال الاحتجاجات مستمرة .
إن حكومة الوحدة الوطنية القادرة على إنقاذ تونس من الكارثة و الإفلاس المالي، هي تلك الحكومة التي تتبنى خيارًا اقتصاديًا جديدًا مناسباً، لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، وهو الذي يعيد الاعتبار للدولة التنموية، ويجمع بين آليات السوق وتدخل الدولة في تكامل وتناسق يؤمنه نظام سياسي ديمقراطي يقوم على الحرية واحترام حقوق الإنسان، ويضمن تحقيق العدالة الاجتماعية ،والنمو الاقتصادي ،وتحسين مستوى المعيشة للسكان، ويدعم الإنتاج الصناعي والزراعي ،ويشجع التصدير، ويهتم بالتعليم والبحث العلمي ونقل التكنولوجيا وتوطينها ،وبناء اقتصاد قوي وتنافسي وبناء علاقات تعاون وتعامل مع الخارج، انطلاقاً من مراعاة المصالح الوطنية، لا من خلال التفريط في السيادة الوطنية كماهو سائد الآن في تونس.
الاستيطان نقيضٌ لحل الدولتين
أكد التصويت الأمريكي على قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي يدين الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة، تماهي مواقف... اقرأ المزيد
925
| 30 ديسمبر 2016
الاختراق الصهيوني الكبير لتونس
شكلت جريمة اغتيال الشهيد محمد الزواري الذي كان ينتمي إلى حركة النهضة الإسلامية ،وأصبح ينشط لاحقًا مع حركة... اقرأ المزيد
1861
| 23 ديسمبر 2016
هل يكرّس قانون المالية مبدأ العدالة الجبائية؟
لاحديث هذه الأيام في تونس سوى عن قانون المالية لسنة 2017،الذي أثار جدلاً في الشارع التونسي،وانتقل إلى سجال... اقرأ المزيد
1092
| 16 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3417
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3129
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026