رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد نشر مقالنا السابق عن أهمية الترجمة في تشكيل الوجدان الثقافي للأمم وأثرها الملموس كوسيلة لتقدم الأمم وكذا المشاكل التي تواجه الترجمة والمترجمين في عصرنا الحديث وصلتني عبر بريدي الاليكتروني عدة رسائل حول نفس الموضوع اختار بعضها للإجابة عليها في هذا المقال.
السؤال الأول من القارئة خوله القطان من الكويت تقول أنه لا يختلف اثنان حول أهمية الترجمة من أي لغة إلى العربية حيث أنها تضيف إلى معرفة وثقافة الإنسان العربي ولكنها تتساءل عن أهمية الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى بالنسبة لنا.. ولهذه القارئة أقول أن العرب في العصر العباسي أدركوا أهمية الترجمة من اللغة العربية للغات الأجنبية والتي بدأت على يد المستشرقين.. ولنا في ذلك فوائد جمة لعل من أبسطها تعريف الشعوب الناطقة بغير العربية بنتاج العقول العربية وهو ما يمثل لنا قيمة أدبية في حد ذاته ناهيك عن المكاسب المادية التي قد تعود علينا جراء الأخذ بنتاج عقولنا من مخترعات أو أبحاث وخلافه.
وأود أن أشير هنا إلى ما ذكره الألماني غوته 1749- 1832 عن الدور الكبير والعظيم الذي لعبه العرب في الحضارة الأوروبية في العصور الوسطى.. وأنا شخصيا أرى– ولعل الكثير من القراء الأعزاء يشاركونني الرأي – أن هذا مصدر فخر لنا جميعا .
سؤال آخر وصلني – عبر محادثة هاتفية – من القارئ الصديق أحمد على فايد يسأل عن الوقت الذي بدأت فيه عملية الترجمة في العالم العربي.. وأجيبه بأن الترجمة بدأت منذ عرف الإنسان الحضارة وإن كان ذلك غير موثق.. ولكن بالنسبة للعرب كانوا يرتحلون للتجارة صيفا وشتاءا ( رحلتي الشتاء والصيف ) وكان الفرس هم الأقرب والأكثر احتكاكا بالعرب فكان ولابد أن تنتقل بعض الكلمات والمصطلحات فيما بين اللغتين العربية والفارسية وظهر ذلك جليا فى قصائد كبار الشعراء العرب ومنهم الأعشى..
ولم يتوقف الأمر عند حد الاحتكاك بالفرس شرقا بل أمتد الأمر ليشمل الروم في الشمال والأحباش في الجنوب.. وبرغم التأثر اللغوي الذي ذكرناه فلابد أن ننوه إلى أن عمليات الترجمة ذاتها كانت بدائية برغم التأثر القوى المتبادل في اللغات .
وفى رسالة من أحد الأبناء الأعزاء وهو في نفس الوقت صديق على الفيسبوك واسمه هيثم على الحسيني يقول فيها أنه من غير المتصور بعد كل هذا التقدم الذي شهد البشرية في القرن الحادي والعشرين وتوفر أجهزة الحاسب الآلي بأشكال وأنواع وأحجام مختلفة تعجز عقول البعض عن استيعابها أو ملاحقة التطورات التي تطرأ على هذه المخترعات كل يوم وليس كل شهر أو سنة.. هكذا يقول الصديق الصغير هذا أنه لا يتصور أن يجلس شخص مع أوراقه وأقلامه ليترجم أحد الكتب مستعينا في ذلك بالقواميس والمعاجم في الوقت الذي يستطيع فيه بكتابة عنوان الكتاب على الكمبيوتر ويعطى الأمر بالترجمة ( وفق برامج ترجمة متوفرة مجانا ) ليحصل على ترجمة لما يريد في دقائق معدودة وأنني شخصيا قد كتبت عن ذلك في إحدى مقالاتي.. ولهذا الابن العزيز أقول أن الحق معه ولكن ليس بشكل مطلق حيث أن جهاز الكمبيوتر ما هو إلا آلة لا يستطيع التفكير.. يعنى هو يجيب على أسئلتنا بما خزنه البشر في ذاكرته دون تفكير.. بمعنى أنه – أي الحاسب الآلي – لن يكون لديه الحس الأدبي الموجود لدى الإنسان على سبيل المثال في ترجمة نص أدبي.. وهكذا في النواحي العلمية وغيرها من نواحي المعرفة المتعددة والتي لا يمكن للعقل البشرى استيعابها مهما كانت قدراته.. ولأننا لا يمكننا تجاهل المخترعات الحديثة ونؤمن تماما بأهميتها فإنني أجزم أن الكمبيوتر يمكن استخدامه فقط كوسيلة مساعدة في ترجمة بعض الكلمات أو الجمل والمصطلحات ولكن لا يمكننا الاعتماد عليه في ترجمة موضوع بأكمله أو حتى صفحة منه خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن التشكيل في اللغة العربية يؤدى إلى تباين كبير في المعنى المراد ترجمته.
وتكرر سؤال في أكثر من رسالة عن أهم الترجمات في عصر هارون الرشيد الذي اشتهر بحب الحياة والإقبال عليها.. وهو سؤال جد وجيه لأن هذا الخليفة بالذات كان هو الأكثر اهتماما بالترجمة ومن بعده ابنه المأمون بعد أن أستقر الحكم بعد الفتوحات الكبيرة التي أدت إلى اتساع رقعة الدول العربية نحو الشرق والغرب وحدوث الاتصال المباشر بالضرورة بين كل هذه الشعوب وكانت الفرس واليونان في المقدمة حيث كان الاهتمام منصبا على علوم اليونان والأدب الفارسي ناهيك عن الفلك والرياضيات والطب التي برع فيها الرومان وكذلك الفلسفة والنقد.
ويسعدني في النهاية أن أذكر للقراء الأعزاء مثالا عن أهمية الترجمة في الحفاظ على نتاج العقل البشرى فمن المعروف أن أبن المقفع قد قام بترجمة الكتاب الشهير "كليلة ودمنة" للفيلسوف الهندي بيدبا وأن اسحق بن حنين قد قام بترجمة كتاب "الأخلاق" لأرسطو.. ونكتفي بهاذين المثالين للتدليل على عظمة المواد المنقولة من لغة لأخرى.
وفى النهاية نسوق هذا المثال للتدليل على أهمية الترجمة في الحفاظ على التراث فقد حدث أن ضاع النص الفارسي المترجم لكتاب "كليلة ودمنة" والذي يعتبر من أهم الكتب المترجمة فما كان من المترجمين إلا إعادة ترجمة الكتاب مرة أخرى إلى اللغة الفارسية نقلا عن النص العربي.. وأن الأمر نفسه حدث للعديد من النصوص الإغريقية.
نكتفي بهذا القدر في موضوع الترجمة وأهميتها في تقدم الأمم على أمل اللقاء بكم في موضوعات جديدة ومقالات قادمة بحول الله.
المضادات الحيوية والإستخدام الخاطئ
أنا من أشد المعجبين بالكاتب الصحفى الكبير الأستاذ مكرم محمد أحمد وأقرأ كل ما يكتبه تقريبا .. ليس... اقرأ المزيد
681
| 22 أكتوبر 2016
من أوراقى القديمة .. فضيلة الصمت والإنصات
عندما أخلو إلى نفسى عادة ما أقلب فى أوراقى القديمة .. هى عادة قديمة عندى .. وأعتقد أن... اقرأ المزيد
1751
| 26 سبتمبر 2016
نجيب محفوظ .. بين النص الأدبى والمشهد التمثيلى
كان من عادة الأستاذ نجيب محفوظ طوال حياته أن يقرأ كل الصحف الصباحية .. وكان يحرص على ذلك... اقرأ المزيد
1400
| 30 أغسطس 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026