رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يحسب للمركز الثقافي للطفولة في دولة قطر إطلاق برنامج " الشاعر الواعد" الذي اختتم قبل أيام قليلة فعاليات نسخته الأولى، بالإعلان عن أسماء الفائزين بالمراكز الثلاثة الأولى لهذا اللقب وتكريمهم، من بين اثني عشر ناشئاً تأهلوا إلى المرحلة النهائية لتصفيات المنافسات الخاصة بهذا البرنامج.
ويحتل هذه البرنامج أهمية خاصة لعدة اعتبارات أهمها :
ـ الريادة في مجاله على مستوى دولة قطر، وربما هو كذلك على مستوى الخليج والدول العربية.
ـ الاهتمام بمسألة تنمية مواهب وملكات الأطفال، التي لا تحظى باهتمام كبيرٍ وكافٍ في عالمنا العربي، على مستوى الأسر أو المحاضن التربوية أو على مستوى الدول والحكومات، وكثير من هذه المواهب قد تُوأَد في مهدها، لأنها لا تجد من يأخذ بيدها ويقوم برعايتها وصقل إمكاناتها. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالإبداع في المجالات الأدبية، شعرا وقصة ومسرحاً، لأكثر من سبب، من بينها غربة أجيالنا عن لغتهم العربية، لأنّ كل الأجواء المحيطة بها تهوّن من شأنها، أو تدفعهم دفعا للهيام بغيرها، وتُعلي في المقابل من شأن اللغات الأجنبية وبخاصة الإنجليزية على حسابها، أو بسبب ازدواجية اللغة التي نعيشها بين البيت والمدرسة ( العامية الدارجة والفصحى)، أو نتيجة لاستخدامهم "العربيزية" المنطوقة (خلطة غريبة تجمع بين العربية والإنجليزية بآن معا) في حديثهم أو عند إصغائهم لها في بعض وسائل الإعلام، أو" العربيزية" المكتوبة التي يعتمدونها في التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي والمحادثات " الشات"، وهي باختصار هي كتابة الكلمات العربية باستخدام الأرقام والحروف الإنجليزية، حيث تستخدم الأرقام من 1-9 للتعبير عن بعض الأحرف العربية التي لا وجود لها في الإنجليزية، كـحرف الخاء الذي يستخدم عوضا عنه الرقم 5، ورقم 6 للتعبير عن حرف الطاء، و7 عن الحاء وهكذا، نظراً لارتباط ذلك في أذهانهم بالعصرنة والمباهاة والتعالي عمّن حولهم، زعما منهم بأن اللغة الأجنبية هي لغة الحداثة والرقي والعلم. ثم لأن التركيز في مجالات تنمية المهارات ينصب في الغالب الأعمّ على المواهب العلمية كالتقنيات أو الفنية كالرسم والموسيقى وما شابهها.
وحتى لو وجدنا من يتحدث عن الشعر ويرغب بنظمه في أوساط الناشئة والشباب، فإن ذلك ينصرف إلى الشعر الشعبي أو النبطي، وليس للفصيح، والعمودي منه أو شعر التفعيلة، حتى كادت علوم وفنون ترتبط به كالعروض والبلاغة والإلقاء تندثر إلا قليلا.
ـ تصميم البرنامج الذي تمّ بعناية بدءا من اختيار أصحاب المواهب الحقيقيين، ومروراً بتلقيهم للتدريب على يد أكاديميين مختصين، وشعراء مبدعين، وانتهاء بتكريم المتميزين، بما يليق بهم، وتوفير مناخات مناسبة لهم لمواصلة ممارسة هوايتهم وتعزيزها لديهم، بعد انتهاء دورة البرنامج السنوية.
وقد سبق للمركز أن صمم عدداً من البرامج الأخرى في مجالات تنمية المواهب لدى الأطفال والناشئة التي قلّما نشط فيها غيره، سواء الإعلامية كبرنامج " إعلامي المستقبل" أو الخطابة كـ " الخطيب الواعد"، وثمة برامج أخرى يستعد لإطلاقها، ضمن هذه السلسلة، كـ " الباحث الواعد" و" الفصيح والواعد"، وهو ما يجعله متخصصاً في هذه الجوانب التي مازال الفراغ فيها كبيرا.
ورغم ما يحسب لهذا البرنامج من ريادة وتميز ونجاح إلا أنه لا بد من الإشارة إلى بعض الثغرات والهنات التي يمكن معالجتها مستقبلا، أرجو أن يتسع صدر القائمين عليه لها، غِيرةً منّا على هذا البرنامج، ورغبة في أن يتبوأ المكانة التي يستحقها، ولعل أهمها :
ـ الديوان الشعري الأول، الذي وزع في الحفل الختامي، وتضمن نصوص قصائد الطلبة الذين تأهلوا للتصفيات النهائية، إذ كان مليئاً بالأخطاء الإملائية والطباعية، وهو لا يتناسب مع برنامج يهتم بالإبداع الشعري، فضلا عن أن الأخطاء تشوّه القصائد، وتؤدي إلى الإخلال بأوزانها العروضية.
وإذا كانت الأخطاء النحوية والإملائية والطباعية مزعجة في كتب ومطبوعات الكبار، فإنها أكثر إزعاجا في الكتب والمطبوعات الموجّهة للصغار، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالشعر.
ـ أخذا بعين الاعتبار الشريحة العمرية، وكونها التجربة الأولى للمشاركين؛ فإن المستوى العام للقصائد كان عادياً، وغالبيتها أقرب إلى الأعمال الموزونة المقفاة، باستثناء قصيدتين أو ثلاث. بل إن بعضها تعتريه آفة الخلل العروضي، ولعل مردّ ذلك إلى أنها التجربة الأولى للبرنامج، حيث لم يتم تعميمه على طيف واسع من المدارس، وباعتبار أن البرنامج كان يبحث عن الامتداد الأفقي في نسخته الأولى، حيث يمكن أن يفرز أعمالا إبداعية ذات مستويات أفضل في الأعوام القادمة بإذن الله.
أشيرُ إلى هذا الأمر للتأكيد على معنى لا أظنه يغيب عن ذهن القائمين على البرنامج ألا وهو الحرص على حدود دنيا من الشروط الإبداعية في الأعمال الأدبية، بحيث لا يكون مقبولا التنازل عنها، حتى وإن كان الأمر يتعلق بتنمية المواهب عند الأطفال والناشئة، تماما مثلما يتم أحيانا عند حجب جائزة ما لعدم ارتقاء العمل المقدم لها إلى المستوى المطلوب. ومثل هذا الأمر لا يتعارض مع التشجيع ودعم الأطفال الموهوبين بحال من الأحوال.
ولأن القائمين عن البرنامج تحدثوا في أدبياته عن خطة أعدوها لتبني الشعراء الواعدين إعلامياً وثقافيا بعد انتهاء حفل التكريم، فإنه لا بد من التنويه بفائدتها الكبيرة لأنها تضمن ديمومة تعزيز هذه المواهب وترقيتها، وتوفير الدعم المتواصل لها، والعكس صحيح.
نتمنى للبرنامج مزيدا من التألق، وللقائمين عليه اطراد التقدم والنجاح والسداد، مع النسخ التالية منه.
الشخصيات المُلهِمَة والتجارب الناجحة
في إطار عمل إعلامي توثيقي لتجارب شبابية في العمل التطوعي يجري إعداده حاليا في منطقة الخليج استرعى انتباهي... اقرأ المزيد
2018
| 30 نوفمبر 2016
درس جديد في العربيّة الفصيحة من باكستان
بقدر فرحتي وسعادتي بالجهود الجبارة التي يواصل صديقي الدكتور عارف صديّق من الباكستان بذلها بدأب وإخلاص في خدمة... اقرأ المزيد
1016
| 16 نوفمبر 2016
رسالة على أعتاب منعطف مهم
كتب لابنه في مستهل انخراطه بحياته العمليّة: أي بنيّ.. هاأنت اليوم تستشرف مرحلة جديدة من عمرك ..تدخل فيها... اقرأ المزيد
815
| 02 نوفمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8769
| 27 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
5154
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3831
| 30 أكتوبر 2026