رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يلعب التأمين (إسلاميا - تجاريا) دورا مهما في الدعم على الصعيدين الوطني والدولي وخاصة في التنمية الاقتصادية الدولية والنمو لجميع قطاعات الأنشطة التجارية والوساطة المالية وتسهيل الإجراءات والمعاملات المصرفية وبالرغم من أن التأمين يشكل أحد أهم وسائل إدارة المخاطر في المجتمع إلا أن صناعته تحتوي على الكثير من المخاطر التي تحول دون أن يكون له دور فعال في تطوير وحماية الصناعة المالية الإسلامية برمتها لأنه يقدم شبكة الحماية والتغطية التأمينية (الفرد - المؤسسة - الحكومة) من عديد الأخطار التي تصيب الأفراد والممتلكات على حد سواء ومع تزايد هذه المخاطر بتزايد التطور التكنولوجي المتسارع عالميا لكل أنشطة الحياة اليومية لذا وجد التأمين كوسيلة لإيجاد نوع من التكافل والتعاون في مواجهة المخاطر التي يتعرض لها المجتمع مع إدارتها واستثمار الفوائض الناتجة عنها من خلال نظام ممنهج يقوم بتفتيت المخاطر على أكبر عدد من المشاركين وتوزيعها على أكبر مساحة جغرافية ممكنة وفق مبادئ الشريعة الإسلامية وبالطبع فإن هذا النظام يشمل خمسة محاور تعريفية:-
المحور الأول: التأمين التكافلي الإسلامي
اتفاق بين شركة التأمين الإسلامية (شركة مساهمة غالبا) باعتبارها ممثلة لصندوق التأمين (هيئة المشتركين) من الراغبين في التأمين(شخص طبيعي أو قانوني) على قبوله عضوا في هيئة المشتركين (تأمينا تعاونيا هدفه مساعدة المشتركين) والتزامه بدفع مبلغ معلوم يسمى القسط على سبيل التبرع به وعوائده لصالح صندوق التأمين (الربح ليس المقصود) وعلى أن يدفع له عند وقوع الخطر طبقا لوثيقة التأمين والأسس الفنية والنظام الأساسي للشركة .
المحور الثاني: شركة التأمين الإسلامية
عبارة عن قيام مجموعة من المساهمين بتشكيل شركة (عامة - مقفلة) وظيفتها إدارة أموال صندوق التأمين المتجمع لديها وليس ضمان التعويض كما بالتأمين التجاري بالإضافة إلى إنشاء وتصميم المحافظ التأمينية وإدارتها واستثمارها لصالح أصحابها ويتم تصفية هذه المحافظ سنويا وإصدار حسابات ختامية لها وتكون علاقة الشركة وصندوق التأمين على أساس إحدى الصيغتين:
صيغة الوكالة مقابل أجر مقطوع حسب الاتفاق والربح والخسارة لصندوق التأمين وهذه الصيغة الأكثر تطبيقا في الدول العربية والإسلامية .
صيغة المضاربة في إدارة أموال المحافظ التأمينية واستثمار موجودات الصندوق مقابل جزء من الأرباح في حال تحققها وهي الأكثر تطبيقا في دول شرق آسيا وماليزيا.
المحورالثالث: صناعة التأمين التكافلي المعاصرة
لقد أصبحت صناعة التأمين التكافلي المعاصرة الركيزة الثالثة من ركائز الاقتصاديات الحديثة التي تقدم دعما استراتيجيا لكفاءة منظومة الاقتصاد الإسلامي بعد قطاعي الصيرفة، والاستثمار فشركات التأمين الإسلامية هي بالأصل مؤسسات مالية إسلامية ضمنية تقوم بدور ادخاري واستثماري مزدوج غاية في الأهمية الاقتصادية والمتمثل في تعبئة المدخرات المالية والتأمينية بتجميع مبالغ الأقساط للمستأمنين في وعاء مالي منافس لودائع المصارف والبنوك وتقوم أيضا بدور توظيفي تشاركي لهذه المدخرات والودائع من إعادة توظيف وتنمية الفوائض المالية في أوعية ادخارية تنموية (اقتصادية - اجتماعية -صناعية - زراعية) التي من شأنها منافسة الحقل الاستثماري التقليدي في صناعة التأمين وانخفاض محافظه الاستثماية والتأمينية بل فقده لنصيبه من الأقساط والفوائض والتدفق النقدي والعوائد (انخفاض المدخلات) .
المحورالرابع: مؤشرات الاستثمار في سوق التأمين التكافلي والتجاري
أكدت دراسة أعدتها مؤسسة ستاندرداند بورز (Standard&Poor's) للتصنيف الائتماني والاستشارات أن عملية التصنيف والتقييم لشركات التكافل الإسلامية مبني على عنصري الملائمة والأمن المالي وقدرة الشركات على سداد الالتزامات لحملة الوثائق ولايتم النظر مطلقا للآليات المستخدمة بتقديم حلول تأمين إسلامية أو أعمال وخدمات التأمين التكافلية فهو قرار إداري فقط بعيدا عن المفهوم الديني في التأمين وأن صناعة التأمين التعاوني وإعادة التأمين سيشهدان نموا وتركيزا كبيرا خلال السنوات القادمة.
كما كشفت نتائج دراسة هيئة قطر للمال (Qatar Financial Centre Authority) بالمؤتمر السنوي الثامن لملتقى قطر للتأمين وإعادة التأمين وإدارة المخاطر في الدوحة أن أقساط التأمين بالمنطقة تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي وأن أقساط التأمين وصلت لما قيمته (44) مليار دولار ووفقا لأحد فعاليات المؤتمر فإن قائمة تقسيم أقساط التأمين للعام 2012 م حجزت بها دول مجلس التعاون الخليجي مركزا متقدما يقدر بثلاثة أرباع إجمالي أقساط التأمين تقريبا ودول الشرق الأوسط متمثلة في (الإمارات 16% - السعودية 12%- قطر 2%) (تركيا 25% - إيران 19% - المغرب 6% - مصر 4% - لبنان 3%- الجزائر 3%- أخرى 10%) .
-بالإضافة لإصدار مؤسسة إرنست وينغ(Ernst&Young) تقريرها عن نمو سوق التأمين التكافلي العالمي مع توجه دول العالم نحو آليات الاقتصاد والتمويل الإسلامي وتسابقهم لحجز مراكز متقدمة له في بلادهم فإن نسبة النمو تتراوح مابين (30% - 40%) سنويا خلال الثلاث سنوات القادمة وفي الوقت نفسه يقدر حجم قطاع سوق التكافل الإسلامي بنسبة تصل إلى (20%) من إجمالي حجم سوق التأمين العالمية وأن قيمته سترتفع لتصل إلى ماقيمته (11) مليار دولار عام 2015 م والمملكة العربية السعودية وماليزيا أكثر الأسواق نشاطا في سوق التأمين التكافلي.
المحور الخامس: تقويم برامج الاستثمار في صناعة التأمين التكافلي
إن الهدف الأساسي لتقويم برامج الاستثمار في صناعة التأمين الإسلامي هو تعزيز مسيرة المؤسسات المالية الإسلامية بشكل عام ومؤسسات التأمين الإسلامية بشكل خاص فالاتجاه السليم لمنح الفرصة لإثراء ودعم التطبيقات المعاصرة لصناعة التأمين التكافلي المتمثلة في الموازنة بين التحديات التالية (الشرعية - الربحية - الجودة - الانتشار- التغطية) وتركيز التنويع في برامج الاستثمار ومنها: -
•وفقا لأحد نتائج المؤتمر السنوي الثامن لملتقي قطر للتأمين وإعادة التأمين وإدارة المخاطر فإن تجميع وتنظيم القدرات لتوفير البيانات التي تعمل على تطوير المنتجات التأمينية من حيث(الخدمة-السعر-التكلفة-الكفاءة) خصوصا بالوقت الراهن، حيث يمر الاقتصاد العالمي بانتعاش ونمو قوي جدا (نسبة النمو تقدربـ 3% لعام 2014م) وإلا سيؤدي ذلك لدخول جهات غربية على قطاع التأمين التكافلي والاستفادة منه بدلا منا.
•صياغة التأمين الإسلامي القائمة على إدارة أموال صندوق التأمين وموجوداته لاتمثل صيغة جذابة للاستثمار من الناحية الربحية وإنما يتحقق الربح من إدارة العملية التأمينية وهو يفسر سبب التأخير في تحويل المؤسسات من النظام التقليدي للإسلامي أو فتح نوافذ تأمين إسلامية لتقديم خدمات التأمين التكافلية بالأسواق الغربية.
•تطوير أدوات وصيغ المصرفية الإسلامية المعاصرة لبرامج الاستثمار والتمويل ومايتبعه ذلك من تطوير صيغ الحماية والاحتياط للتأمين التكافلي أيضا وعدم تجميدها على قوالب شركات التأمين التجارية الغربية المنشأ.
•بالمثل فإن صناعة إعادة التأمين القائمة على الضرورة حتى الآن لا تمثل هيكلا مؤهلا ذا ربحية جاذبة ورأسمال قوي لشركات إعادة التأمين الإسلامية القائمة على صيغ التبرع والإدارة وهما الصيغتان الوحيدتان للتأمين الإسلامي التعاوني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
4872
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2337
| 01 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
1728
| 05 أغسطس 2026