رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

687

سعدية مفرح

القلق.. مرآة لأنانيتنا

17 فبراير 2025 , 02:00ص

تستلقي على فراشك منهكًا، لكن النوم يعاندك. تتقلب بين أفكارك، تبحث عن مخرج من تلك الدوامة التي صنعها عقلك. تفاصيل صغيرة تتحول فجأة إلى وحوش تضخمها المخاوف، مشكلة بسيطة في العمل، خلاف عابر مع صديق، أو حتى كلمة لم تقلها بالطريقة التي أردتها.

هذه الأمور التي تبدو عادية في النهار تأخذ في الليل حجمًا يفوقها، ويزداد انزعاجك وتشتد قسوة القلق عليك، فتشعر أن هذه المشكلات الصغيرة أكبر مما تحتمل.

لكن مع أول خيوط الفجر، حين تبدأ الحياة في التحرك من حولك، تمسك هاتفك أو تستمع إلى نشرة الأخبار. تسمع عن عائلة فُقدت بأكملها تحت أنقاض منزلها في زلزال، أو ترى صورًا لأمهات يحملن أطفالهن وسط الحطام، يبحثن عن شربة ماء أو لقمة تسد رمق الجوع. ربما يصل إلى مسامعك خبر وفاة شاب كان بالأمس يتحدث عن أحلامه، أو تقرأ عن قرية اجتاحتها السيول فحولت بيوتها إلى أطلال. حينها، تشعر أن كل ما كان يشغل بالك ليلة الأمس لم يكن سوى رفاهية، وأن انزعاجك من مشكلة صغيرة يبدو ترفًا لا يملك مثله هؤلاء الذين يعيشون يومهم بين الحياة والموت.

هذه اللحظة، التي يتضاءل فيها قلقك أمام مآسي الآخرين، هي لحظة صادمة لكنها كاشفة. إنها توقظك من شرنقة الانغماس في ذاتك، وتجعلك تدرك حجم النعم التي تحيط بك دون أن تشعر بها. المشكلة التي بدت لك بالأمس وكأنها نهاية العالم تتحول الآن إلى تفصيل هامشي، بينما تجد نفسك أمام مآسٍ حقيقية يعاني منها آخرون بصمت وكرامة.

والمفارقة هنا أن القلق ليس شعورًا سيئًا بحد ذاته. إنه طبيعي، جزء من طبيعتنا كبشر. لكنه يصبح أحيانًا مرآة لأنانيتنا. حين نركز على أنفسنا فقط، على تفاصيلنا الصغيرة، نغفل عن الصورة الأكبر، عن تلك المعاناة التي تتجاوز حدود خيالنا. نحن نعيش في عالم يعج بالمآسي، لكننا نغلق أعيننا عنها أحيانًا، ربما لأننا نخشى أن تثقل أرواحنا، أو لأننا ببساطة نفضل الانشغال بهمومنا الخاصة.

ليس المطلوب أن نشعر بالذنب لأننا أقل معاناة من غيرنا. لكن إدراك هذه الحقيقة يجعلنا أكثر وعيًا بقيمة ما نملك. يجعلنا أكثر شكرًا على النعم التي قد نعتبرها أمرًا مسلمًا به: سقف يحمينا، طعام نأكله، أمان ننام في كنفه. حين ندرك ذلك، يصبح القلق فرصة لإعادة ترتيب أولوياتنا، وفرصة لنشر التعاطف في قلوبنا.

كم مرة قرأنا عن أطفال يعيشون في المخيمات، بلا تعليم، بلا دفء، بلا أمل في مستقبل واضح؟ كم مرة شاهدنا صور العائلات في الحروب وهي تحمل القليل مما تملكه وتبحث عن مكان آمن؟ تلك الصور، التي قد تبدو لنا مجرد أخبار عابرة، هي واقع يومي لأناس مثلنا، كانوا يومًا يعيشون حياة مليئة بالخطط والأحلام، حتى باغتتهم الكوارث.

هذه القصص ليست بعيدة عنا، فهي تذكرنا بأن العالم مليء بالألم، لكنها في الوقت نفسه تفتح أعيننا على النور الذي نملكه. نحن نملك خيارًا، إما أن نغرق في تفاصيلنا الصغيرة ونسمح لها بأن تقيدنا، أو أن ننظر إلى الصورة الأكبر، فنرى كيف يمكننا أن نصبح جزءًا من الحل.

أن تشعر بالقلق ليس عيبًا، لكنه يصبح عيبًا إذا تركته يعميك عن رؤية الآخرين. ربما الحل يكمن في أن نمنح لحظات القلق فرصة لتعليمنا شيئًا جديدًا. أن ندرك أن هناك فرقًا بين الانزعاج الحقيقي وبين القلق المترف. أن نتعلم من أخبار العالم حولنا أن ننظر إلى مشكلاتنا من زاوية مختلفة. فكل يوم يبدأ بجديد، وكل شروق شمس يحمل فرصة لأن نكون أكثر إنسانية، أكثر امتنانًا، وأكثر وعيًا بحقيقة ما نملكه وما يمكننا تقديمه.

اقرأ المزيد

alsharq ماذا لو صمتت الشبكة؟

في أحد المشاهد المفصليّة المبكّرة من فيلم Leave the World Behind، لا ينفجر شيء، ولا تُعلن حرب، ولا... اقرأ المزيد

42

| 10 مارس 2026

alsharq سينتهي كل شيء يا ناصر

اعذروني ولكني لم أجد شخصا يتتبع كل صوت ينطلق جراء اعتراض صاروخي أو سقوط شظايا أو انطلاق أجهزة... اقرأ المزيد

66

| 10 مارس 2026

alsharq الخليج بين نارين

لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان به. ولا شك أيضا أن الكيان الصهيوني بكل أذرعه الإرهابية... اقرأ المزيد

66

| 10 مارس 2026

مساحة إعلانية