رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تغيير رئيسي خطير في المسجد الأقصى، مجزرة صهيونية إجرامية واسعة على غرار حرق عائلة دوابشة، عملية استشهادية توقع عدداً كبيراً من القتلى، وفاة أو استقالة عباس دون خليفة، مشاركة واسعة لقوى الأمن الفلسطينية في انتفاضة مسلحة، قمعٌ متزايد لأجهزة السلطة للانتفاضة الشعبية، وقف كلي لتمويل السلطة.
سيناريوهات يتزايد فرص تحقق أحدها أو جلها ستؤدي في النهاية إلى انهيار السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، واليوم تدعو ليفني إلى اجتماع عاجل للجنتي الخارجية والأمن لبحث "انهيار السلطة"، وعلى طاولة الكابنيت الإسرائيلي لثلاث مرات وبشكل مستفيض نقاش محتدم وآراء متزايدة وأصوات ترتفع حول "انهيار السلطة" الوشيك وغياب عباس عن المشهد والذي جاء بكيري لوقف سيناريو "انهيار السلطة" وكذا "وقف انتفاضة القدس" بعد تصريحه الشهير "إذا استمر الوضع الحالي ليس من الواضح متى يمكن للسلطة الفلسطينية البقاء على قيد الحياة".
درج رئيس السلطة على التهديد بحل السلطة وتسليم مفاتيحها حتى كان خطابه الأخير الذي ذهب فيه السيد عباس بعيداً في التشبث بالسلطة باعتبارها "إنجازا" لتتحول سلطة حكم ذاتي محدود إلى غاية ولا يقابلها سوى توفير أمن الاحتلال بعد أن كانت السلطة "وسيلة" وخطوة لإزالة الاحتلال وبناء الدولة، وربما التقريع المستمر دولياً وعربياً وفتحاوياً للرئيس عباس دفعه لهذا التراجع البيّن، ليتعاطى مع السلطة أنها "غاية المنى" بدلاً من الدعوة لعقد المجلس الوطني الفلسطيني وإعادة بناء منظمة التحرير كمرجعية وطنية صلبة تضم الشتات الفلسطيني مع قرار عاجل بوقف التنسيق الأمني.
منذ أحكمت جنازير دبابات شارون على المقاطعة في 2002م غدت السلطة بلا سلطة، فالاحتلال يرتع معتقلاً وقاتلاً وهادماً للمنازل، وناصباً للحواجز ومغلقاً للمؤسسات والإذاعات في المناطق التي تقع ضمن تصنيف (أ)، علاوة على الإدارة المدنية للاحتلال التي استرجعت كثيراً من صلاحياتها عهد الاحتلال، ونشأ واقع استيطاني توسعي على الأرض يطرح نفسه خياراً وحيداً ممكناً نافياً وشاطباً مشروع "حل الدولتين" (الذي ترفضه إسرائيل عملياً)، والذي يعتبر المدخل الطبيعي لبقاء السلطة التي نشأت وفق فرضية تحولها إلى دولة وفق جدول زمني لم يصل منتهاه، الاحتلال بذلك يلغي مبرر بقاء السلطة.
ما بين التنبؤ بسقوطها، والتحول إلى دولة، واعتبارها "دولة تحت الاحتلال"، والبعض يراها مشروعاً إسرائيلياً دولياً لتمرير صفقة، كان مشروع السلطة يتهاوى ويفقد الرهان عليه فلسطينياً، و(إسرائيل) تريدها محطة نهائية لسلطة وظيفية.
كل ذلك يشير بأن السلوك المؤدي إلى "انهيار السلطة" سلوك احتلالي بامتياز، مع رغبة "إسرائيلية" لا تخطئها العين بعدم رغبتها في تحمل مسؤولية احتلالها بشكل مباشر، مما يدفعها إلى عدم الوصول إلى "حافة الهاوية" مبقية "سلطة ضعيفة عاجزة" بديلاً عن انهيارها، لذلك تسارع إلى منحها وأمريكا قبلة الحياة عبر أنبوب المال الأكسوجيني وسلسلة تسهيلات حياتية محدودة، أو عبر وعود سرابية جديدة بإحياء العملية السياسية.
ويعضد هذا السلوك الإسرائيلي تقديرات أمنية يرتفع صوتها عبر "تقدير موقف" الذي قدمته الأجهزة الأمنية مطالبةً الحكومة الإسرائيلية باتخاذ تدابير ومبادرات لمساعدة السلطة خشية "الانهيار" الذي له تداعيات خطرة على (إسرائيل) سواءً أمنياً أو مدنياً، وفق هذا التقرير المعزز بإشارات هامة باستمرار التنسيق الأمني رغم "انتفاضة القدس" والذي أسهم وفق الرواية الإسرائيلية بمنع أجهزة السلطة (100) عملية منذ مطلع أكتوبر 2104م (تاريخ بدء الانتفاضة) بينما يزيد ماجد فرج أنها أكثر من (200)، وتزعم الأجهزة الأمنية الفلسطينية أنها منعت ما يصل إلى (300) عملية، محذرين من أن تطلق السلطة يد المنتفضين، فضلاً عن الخيار الأسوأ أن تضع السلطة ثقلها خلف الانتفاضة بالسماح لأفرادها بالمشاركة كما كان في "انتفاضة الأقصى 2000" والذي قد يؤدي إلى انتفاضة شاملة غير مسبوقة، أو وفق أضعف الإيمان الالتزام بقرار المجلس المركزي بوقف التنسيق الأمني، وقد يمثل هذا الخيار إعلاناً رسمياً من السلطة عن انهيارها.
ولكن يناقض أصحاب أجهزة الأمن الإسرائيلية بعض الأصوات داخل المنظومة الإسرائيلية بأن الانتفاضة اندلعت رغماً عن السلطة وأنها (السلطة) لا مبرر لوجودها طالما فقدت القدرة على القيام بدورها الوظيفي بتوفير الأمن للاحتلال عبر منع الانتفاضة، خصوصاً بعد أن أصبحت سلطتين، وتآكل نفوذها وهيبتها واختزالها في سلطة تنفيذية يجسدها شخص واحد، ومن ذلك لا يمكن الثقة (وفق رأيهم) بسلطة لا تمتلك مقومات البقاء الذاتي لأسباب أمنية واقتصادية وإدارية وسياسية، وأنها بحاجة إلى (حاضنة) بكل الأحوال ولا ضمان لاستمرار السلطة وقد تنهار لاحقاً وتؤول مقدراتها خاصة السلاح والمؤسسات إلى أطراف معادية أو إلى الفوضى والفلتان.
والقراءة الإسرائيلية لانهيار السلطة الوشيك قد ينجم عن تصعيد الانتفاضة لدرجة لا تحتملها (إسرائيل)، أو لرحيل محتمل جداً للرئيس عباس ينجم عنه صراع داخل فتح، أو لتصاعد نفوذ حماس، أو لتراجع حاد في تمويل السلطة، وفي ظل الحاجة الإسرائيلية لبقاء سلطة وفق المقاس الصهيوني تواصل التعاون الأمني يهدد يعلون بتوفر البديل الفلسطيني بقوله "إن إلقاء مفاتيح السلطة سيجعل أيدي فلسطينية كُثر من فتح وغيرها مستعدة لاستلامها"، ولعل الكشف عن جاسوس في مكتب عريقات منذ عشرين عاماً يأتي في إطار صراع الوريث لرأس السلطة، والذي يمثل غيابه أحد إرهاصات انهيار السلطة، ومطلوب أن يكون مفتاحها في يد تحفظ مشروع السلطة الوظيفية التي تحمي الكيان الصهيوني، في ظل مزاد الورثة الذي تضرم ناره (إسرائيل)، وفي ظل الخلافات الداخلية التي تعصف بفتح والتي خرجت إلى العلن عبر الفضائيات ولقاءات البث المباشر، ولقاءات التشريعي التي يغيب عنها (16) برلمانيا من فتح.
في الوعي الفلسطيني فإن السلطة لم تحقق غاية وجودها وفق فلسفة "حل الدولتين" فضلاً عن أنها تكرست "كسلطة عميقة" منبتة عن "منظمة التحرير" التي شكلت الحاضنة للسلطة فضلاً عن حال المنظمة غير الصحي، مما رسخ الشعور المتزايد باليأس والإحباط منها. ومثلت الممارسة الأمنية للسلطة خاصة بعد انتفاضة الأقصى المسمار الأخير في التعاطي الوطني مع السلطة وغدت صورتها مشوهة وخاضعة لرؤية آحاد تعاظم نفوذهم وتضاعف مالهم والتحقت السلطة بمصالحهم الذاتية بعيداً عن المصلحة الوطنية والإرادة الشعبية.
من زاوية أخرى كُبلت السلطة بفاتورة الرواتب لقطاع كبير من الموظفين والخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، والتي ترد عبر الرئة الإسرائيلية (عائدات الضرائب والجمارك) والرئة الاشتراطية الدولية (أموال المانحين)، رغم تراجع الخدمات وعجز الموازنة وتغلغل الفساد وسوء الإدارة، مما يساهم في بقاء السلطة كضرورة، ويعزز الرأي هذا الخشية الخيار البديل سواء الفلتان أو الفوضى وسلطات أمراء الأمن المتصارعة.
من كل ذلك يمكن القول إن الوقائع على الأرض رسخت السلطة خياراً تتشابك فيه مصالح جميع الأطراف وربما حسب رأي البعض المصلحة الفلسطينية في هذه المرحلة قد لا تقتضي انهيار السلطة وانقطاع الخدمات وسيادة الفوضى وإنما إعادة الاعتبار للسلطة ووظيفتها ودورها وشكلها لتكون أداة وطنية بمرجعية واضحة والتي تمثلها منظمة التحرير بعد إعادة بنائها لتضم كافة أطياف وقوى الشعب الفلسطيني، وتمثل مرجعية حال قرر الاحتلال انهيار السلطة، وتتحول بذلك السلطة إلى حالة وطنية تخدم الحق الفلسطيني في التحرر والاستقلال وإقامة الدولة.
أوسمة تيك أوي
من الظواهر اللافتة للنظر التي نراها وهي ليست مخصوصة بأحد بعينه وإنما نتكلم في العموم في دول العالم... اقرأ المزيد
111
| 04 مايو 2026
منصة التخرج.. بوابة قطر إلى الاقتصاد المعرفي
في كل عام، ومع تزامن حفلات التخرّج من جامعة قطر إلى فروع الجامعات العالمية في مؤسسة قطر يتكرّر... اقرأ المزيد
120
| 04 مايو 2026
التماس إعادة النظر في الأحكام الجنائية والمدنية
من المعلوم أنه يحق لكل طرف صدر ضده حكم لم يلق قبولاً لديه أن يطعن فيه وفقاً للطرق... اقرأ المزيد
90
| 04 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3813
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1356
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
996
| 29 أبريل 2026