رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سقط مبارك وسقط نظامه بعد سقوط بن علي وسقوط نظامه.. وهما مثال لكل نظام يعتمد على قوة البطش والتزوير وشراء الذمم والإكراه على مستوى تسكيت المعارضة، كما يعتمد الخضوع والخنوع والانخراط في المشروع الصهيوني على مستوى العلاقات الخارجية واكتساب الشرعية.. ولذلك بلا شك أثره على كل الساحات والمعادلات السياسية في المنطقة وبالأخص منها تلك التي تنحو هذا النحو في ممارسة السلطة واكتساب الشرعية..
سلطة منظمة فتح وبما لها من ارتباط خاص بنظام حسني مبارك وبالكيان الصهيوني وبانتمائها لنفس الأيديولوجية ولنفس المعسكر يجعلها الأكثر تعرضا وتأثرا برياح التغيير أو برجع صدى هذه الثورة المجيدة.. (ربما تسبق شعوب أخرى وربما يتأخر الشعب الفلسطيني لخصوصية معادلات هذه القضية ولكن الخطأ القاتل هو الاعتقاد أنه يتأخر خوفا أو انصرافا أو غفلة) فإذا تحدثنا عن أثر سقوط نظام حسني على السلطة فإننا نتحدث عن أثرين اثنين؛ الأول: أثر مباشر؛ والثاني: أثر غير مباشر ؛ أما المباشر فحيث فقدت السلطة ساحة مهمة للتحرك ونصيرا إستراتيجيا في كل المواقف والسياسات والممارسات وفي مواجهة قوى المقاومة وفي كسب الشرعية بعد انتهاء شرعية السلطة وانتهاء شرعية الرئيس وانتهاء شرعية مؤسسات المنظمة.. أما الأثر غير المباشر فحيث إنه سيترتب على سقوط هذا النظام تغير إستراتيجي في معادلات السياسة العربية لصالح محور المقاومة وبالأخص إذا قام في مصر نظام يفتح آفاقا لدعمها وما سيؤدي إليه ذلك من حشر وحصر لمشروع التسوية، وكشف الغطاء عن السلطة.
أن يسقط نظام حسني مبارك بالنسبة لمنظمة فتح وسلطتها وتوليفتها فتلك مصيبة، ولكن أن يأتي ذلك في الوقت التي يلوك الإعلام سمعتهم وتتكشف مستورات خيانتهم وفي حين يفتقدون البوصلة الوطنية وحيث تتوقف عملية التسوية وإذ يتصاعد إحساسهم بالتلاشي.. فذلك يجعل المصيبة عليهم أعظم وأكثر وأكبر وأخطر ويجعل وجودهم في حد ذاته فضلا عن أي شيء سواه يجعله في نظر الرأي العام الفلسطيني والعربي مثار استقذار واستفزاز.. فكيف إذا جاء كل ذلك في مرحلة تبشر باستعادة الشعوب لحقها في التظاهر والاعتراض والمراقبة والمحاسبة والانتفاض؟ وفي وقت صارت نظم وهي أكثر تجذرا وهيمنة على شعوبها تداهن الرأي العام لديها وتتوسل إليه بالتبرؤ من خطايا هي عشر معشار ما يتودك به سلاطين سلطة فتح ومستثمروها.
أزمة هؤلاء اليوم متعددة الأوجه، وهم في حال أكثر بؤسا من أي بؤس كانوا يتوقعونه، وأكبر من أي بؤس تكرس على رؤوس بقية حلفائهم، وإذا كان الماضي لم يسلم لهم عندما كانوا في الصدارة وعندما كانوا في إقبال على المجد وكان لهم لسان مقبول وقول معقول ؛ فهل سيقبلهم الناس اليوم وهم في إدبار وسوقهم في انفضاض؟ لكنه اختيارهم على كل حال، وهم الذين ارتضوه لأنفسهم، (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) فهي إذن عاقبة تناسب انحرافهم وتجازي ما اختاروه من السلامة مع الهوان وتفريط بدماء الشهداء وتحالف مع الشيطان.
هم اليوم في " حيص بيص " ويتلمسون المخرج الذي لا يعثرون عليه ؛ لأنهم وللمرة الألف لا يزالون يخطئون نفس الخطأ.. ما يحاولونه لا يخرج عن تجزئات لا تسمن من شبع ولا تغني من جوع، ولا يخرج عن شغل الناس بالملهيات لصرفهم عن همومهم الأساسية، ولا يخرج عن معاداة المقاومة ومحاولة حشرها في الزاوية، ولا يخرج عن سياق التحالف الصهيو أمريكي، ولا يخرج عن تجاهل الرأي العام الفلسطيني والاستخفاف به وتزويره وتزييفه، ولا يخرج عن نظرتهم المريضة لأنفسهم على أنهم مع القضية في حالة حلول واتحاد وأنها هم وأنهم هي قصرا وحصرا لمردوداتها المغنمية دون المغرمية، كما لا يخرج عن تعديهم على القرار الفلسطيني وعلى قرار منظمة التحرير وامتطاء لجنتها التنفيذية ومجلسها المركزي ومجلسها الوطني.. وأخيرا هم لا يخرجون عن مراد الاحتلال وعن الغرق في النكايات الصغيرة..
العجيب الذي يدلل على إفلاسهم وأنهم لا يملكون أمرهم ولا يبصرون حالهم ولا يتوقعون مآلهم أنهم وبعد كل هذا السقوط وكل هذا الإحساس بالتلاشي وبدلا من أن يقوموا بإجراء مراجعة شاملة لخياراتهم وعلاقاتهم وطروحاتهم ولو من قبيل استباق انتفاضة شعبية لا يجوز أن يستبعدوا احتمالاتها.. بدلا من كل ذلك راحوا يسترجعون ورقة المصالحة التي حاول نظام مبارك الخؤون فرضها لصالحهم.. ولا أدري كيف يظنون أن المقاومة ستقبلها اليوم إذا كانت لم تقبلها يوم كان نظام مبارك نظاما في سدة الحكم وبمخالب وأنياب، ويسترجعون مسألة الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي هي استعراض وتدليس يوحي بأنهم يسعون للشرعية والديمقراطية التي يقتلونها ليل نهار.. هذه الانتخابات سبق أن طرحوها وسبق أن تراجعوا عنها واعترفوا بأنها غير ممكنة في ظل الانقسام وأن إجراءها في جزء من الوطن سيؤدي لتجزيء الشرعية الرئاسية والتشريعية.. ولا أدري ما الذي جعلهم يتناسون أثر الانتخابات الجزئية على نقص شرعية نتائجها؟! كما لا أدري لماذا يعتقدون أن أحدا سيصدق أنها لن تزيد الانقسام وتجذره وتوطده إذا كانت الانتخابات السابقة قد أدت - مع فقدان الحد الأدنى من التوافق على برنامج وطني - إلى فتنة الانقسام والقتل على الهوية التنظيمية؟ فهل هذا ما يريدونه؟ وإذا كانوا يريدونه ؛ فهل هذه هي القراءة الصحيحة للعبرة من سقوط مبارك وانتفاض وانقضاض الناس عليه؟ وأقالوا حكومة سلام فياض غير الشرعية أصلا ثم أعادوا تكليفه من جديد.. في ترقيعيات أشبه " باللخبطات والارتباكات " وإذن فهي نفس الطروحات التي سبق أن طرحوها وهي نفس محاولات للف والدوران التي حاولوها ألف مرة ولم تفلح.. الطبيعي هنا أن يسأل المرء عن فهم هؤلاء للسياسة وعن متابعتهم للمتغيرات، وعن فهم واقعهم.. اللهم إلا إن كانوا كحليفهم " الساقط " لا يفهمون إلا متأخرا؟
آخر القول: على سلطة فتح إجراء مراجعة شاملة لكل الحالة الفلسطينية بخياراتها وتشابكاتها وشخوصها وألا يجمدوا أمام قناعات أو أوهام تجاوزها الزمن.. وعليهم أن يتوقفوا فورا عن توهم أن حالهم مختلف، وعليهم أن يتذكروا أن قضية الشعب الفلسطيني لا يرقعها تغيير فياض بفياض، ولا إعادة اجترار الورقة المصرية والانتخابات.. وأن يتذكروا أن الأزمة التي يعيشونها قد بلغت حدا لا يسمح بالكثير من التجريب والخطأ.
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم القيادية، تدور خلف الكواليس العالمية رحى معركة من نوع آخر.... اقرأ المزيد
528
| 12 مايو 2026
ستبقى هي القضية الأولى
بات يقينا لديَّ أنه مهما انشغلنا بقضايانا العربية واستجدت أخرى فإن قضية فلسطين هي القضية الأزلية الثابتة لدينا... اقرأ المزيد
141
| 12 مايو 2026
الاستشارة بين جدران الثقافة.. لماذا نحتاج وسيطاً ذكياً؟
تُنفق الحكومات والمؤسسات الكبرى مبالغ طائلة على الاستشارات الإدارية في الخليج، ثم تجد نفسها أمام تقارير مُحكمة الإخراج،... اقرأ المزيد
204
| 12 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4536
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4143
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1215
| 12 مايو 2026