رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن الوضع العربي "أبأس" مما هو عليه الآن، ذلك أننا سنشهد في المرحلة القريبة القادمة، سايكس بيكو جديدة، بلباس عصري تسعى إلى تفكيك الدولة القطرية العربية. لقد سعت إسرائيل منذ قيامها ولا تزال وأعوانها وحلفاؤها إلى تفتيت وحدة النسيج الاجتماعي في كل دولة عربية. وللأسف لم تنتبه الدول العربية منذ البدايات إلى المؤامرات التي تستهدف وحدتها، لتعمل على حل كافة الإشكاليات المعنية، سواء كانت عرقية أم طائفية أو مذهبية. بالطبع يقول كثيرون: ما أسهل إلقاء المسائل على نظرية المؤامرة، وهم في جانب من قولهم محقون، فلولا العوامل الذاتية لكل دولة عربية والتي سمحت بطريقة أو بأخرى بشكل مباشر أو غير مباشر، لنمو مثل هذه التيارات الانقسامية، لما كان التهديد بالانقسام سهلاً.
الحلول في المراحل الأولى لم تكن صعبة. وتتمثل في جملة من الممارسات: الاعتراف بالأقليات القومية الموجودة في داخل الدولة، إعطاء هذه الأقليات حقوقها في صون خصوصياتها الثقافية، ولغاتها (إن كان ثمة لغة لكل منها). احترام عاداتها الاجتماعية ورموزها الوطنية، العمل على تعميق الوحدة الوطنية في النسيج الاجتماعي داخل الدولة، الحرص على تسييد الديمقراطية في التعامل داخل الدولة. وبين فئات المجتمع بمختلف مكوناته العرقية والدينية والطائفية والمذهبية.
نعم، لقد لعبت هذه الأقليات والجماعات مختلفة الانتماء دوراً مهماً في معركة استقلال الدولة العربية الحديثة، وفي بناء وحدتها وتأسيسها.
مناسبة القول: خطاب رئيس إقليم كردستان زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني في المؤتمر الثالث عشر للحزب، والذي حضر حفل افتتاحه كل الزعماء العراقيين (أو معظمهم). ومطالبته بحق تقرير المصير للأكراد. في اليوم التالي للخطاب، انضم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي جلال طالباني، إلى دعوة البرزاني من خلال تصريح برهم صالح رئيس حكومة إقليم كردستان والذي طالب فيه (بحق الأكراد في تقرير مصيرهم).
الدعوة الكردية، هي مقدمة للمطالبة بالانفصال اللاحق، فلطالما حلُم الأكراد بدولتهم المستقلة ذات السيادة مثل باقي الدول، ما طالب به البرزاني أيضاً هو: ضم مدينة كركوك إلى إقليم كردستان وهو مطلب كردي عام.
الدعوة الكردية تعززت بالاحتلال الأمريكي- الغربي للعراق، فمنذ الأيام الأولى للعدوان، حرص الأكراد على ما يشبه الاستقلال بإقليمهم (الذي تم فرض الحظر الجوي عليه منذ العام1991 من قبل مجلس الأمن الدولي) وحرصوا فيما بعد على تضمين الدستور العراقي نصاً بإنشاء العراق الفيدرالي (بالطبع هذه كانت رغبة أمريكية)، ونصاً آخر على ضرورة إجراء استفتاء شعبي في مدينة كركوك لتقرير مصيرها.
المطلب الكردي لم يكن بعيداً عن الرغبة الأمريكية التي استهدفت من وراء عدوانها على العراق، تفتيته إلى دويلات اثنية وطائفية، دولة للأكراد في الشمال، ودولة للشيعة في الجنوب، وثالثة للسنة في الوسط، وذلك من أجل تقسيم العراق كدولة عمق إستراتيجي للدول العربية المجاورة، وكدولة تلعب دوراً كبيراً في الصراع العربي الصهيوني، ولذلك حرصت الولايات المتحدة على إنشاء قنصلية لها في أربيل، وكُتبت تحقيقات كثيرة عن الدور الإسرائيلي المتصاعد فيها في المجالات المختلفة، بما فيها: الجوانب الأمنية.
الأكراد يحتلون في العراق مواقع مهمة، فمنهم رئيس الجمهورية ووزير الخارجية وإقليم كردستان له دستوره المنفصل ورئيسه وحكومته المستقلان (بالمعنى الفعلي) وله ميلشيته (عملياً جيشه). وهو يعيش حكماً ذاتياً (منذ النظام العراقي السابق). تعزز هذا الحكم بعد الاحتلال الأمريكي- الغربي للعراق. لقد نّص الدستور العراقي أيضاً على حق إقليم كردستان بجزء من الثروات فيه، أي أن الإقليم أصبح شبه دولة، ولكن (اسمياً) في إطار العراق الواحد. الآن يسعى الأكراد لضم كركوك إلى الإقليم وإعلان دولتهم المستقلة كاملة السيادة، وإذا ما بقيت الأمور مثلما عليه الآن، وبخاصة التشظي السياسي العراقي، وعدم سيطرة الدولة على مقاليد الأمور في العراق، وارتفاع منسوب الاثنية والطائفية والمذهبية والدينية فيه، وانعدام الأمن ووجود الفوضى، ونهب ثرواته من المحتل الأمريكي، إضافة إلى انتشار الفساد (الذي تعلنه الحكومة العراقية ولا تخفيه). وتعدد الانتماءات، ووجود الميليشات المذهبية والطائفية، وانتشار عصابات الإجرام والسلب والنهب والاختطاف (وهذه كلها بركات التدخل الأمريكي!). كل هذه العوامل تسببت في هجرة ما يزيد على الخمسة ملايين من العراقيين خارج وطنهم، إذا ما بقي كل ذلك قائماً، فلن يمنع الأكراد شيء من الاستقلال بدولتهم، والعقبة الوحيدة أمام الإعلان: هي دول الجوار الإقليمي وتحديداً إيران وتركيا وسوريا، وكلها لا تؤيد إقامة مثل هذه الدولة نظراً لوجود أقليات كردية فيها خوفاً من امتدادات الدولة الكردية العتيدة إلى هذه البلدان، ومطالبة الأكراد فيها بالانفصال عن البلدان الأم والانضمام إلى الدولة الجديدة.
نقول عن مرحلة تفتيت الدولة القطرية العربية، ذلك أننا على أبواب انفصال الجنوب السوداني عن الوطن الأم، ففي التاسع من يناير القادم سيتم تنظيم استفتاء دولي للتصويت لصالح الانفصال أو البقاء مع السودان. الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان لا تخفي دعوتها لحث الجنوبيين على الانفصال. لذلك فإن الولايات المتحدة افتتحت مسبقاً سفارة لها في جوبا. إضافة إلى وجود فنصلية إسرائيلية. ووجود مخططات جاهزة للدولتين للتعاون مع الدولة الحديثة، والحركة الشعبية لم تنكر هذا الأمر، وأعلنت في وسائل الإعلام كافة استعداداتها الكبيرة للتعاون مع كل من أمريكا وإسرائيل.
في لبنان أيضاً توجد دعوات من فئات مختلفة لإنشاء كونفيدرالية لبنانية تعتمد التقسيم الديني والطائفي والمذهبي فيه، وإذا ما جاء قرار المحكمة الدولية المكلفة بإصدار الاتهام في حادثة اغتيال رفيق الحريري مسيساً، وهو على الأغلب سيكون كذلك فلربما سيؤدي هذا القرار إلى تفجير الوضع اللبناني، وعودة شبح الحرب الأهلية اللبنانية (لا سمح الله) مرة أخرى. في هذه الحالة ستتعزز الدعوات لإنشاء الكونفيدرالية اللبنانية، والتي يقُصد منها أولاً وأخيراً تفتيت لبنان، بإنشاء دويلات صغيرة على أرضه.
في اليمن، ليس الوضع بأفضل، فوجود قضية الحوثيين والحراك الجنوبي (الذي يعتبر الجنوب محتلاً من قبل الشمال) عاملان مهددان للوحدة اليمنية.
كثيرون ينادون بإنشاء دولة للأقباط في مصر، ودولة للأمازيغ في المغرب العربي، حتى أن أعمدة صحفية كثيرة وكتابات أمريكية (بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001) نادت بتفكيك المملكة العربية السعودية إلى دويلات. كما أن قضية الصحراء الغربية مع المغرب مهددة لوحدة الدولة العربية القطرية، والحبل على الجرار.
من الواضح أنه وإذا تم التصويت لصالح انفصال الجنوب عن السودان (وهو غالباً كذلك) وإذا ما تم انفصال الأكراد، فستعتبر الخطوتان سابقتين يمكن الاقتداء بهما! فهل تحس الدولة القطرية العربية بالخطر الذي يتهدد وحدتها؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12039
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
5331
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب اللاعبين، طويلاً، لكن ذلك سيظل في إطار التمـنيات وافتراض ما سيكون، أي أننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نخرج منها. ولذلك ينبغي الحديث بوضوحٍ عن دورٍ فاعلٍ للإعلام الرياضي. وهنا، لا نتحدث عن النقل الخبري وإنما عن ممارسة التأثير السليم من خلال النقد والتحليل وإلقاء الضوء على سوء اختيار اللاعبين الـمحترفين الأجانب، وجوانب القصور في أداء وسلوك لاعبينا الـمحترفين الـمواطنين، وتوضيح الأسباب وطـرح الحلول الـممكنة. أما أنْ نظل جالسين في أبراجنا العاجيـة نراعي علاقتنا بالوكيل الفلاني والإدارة الفلانية واللاعب الفلاني، فهذا لا يجوز ويجعل من ممارستـنا لدورنا عاملاً من عوامل استفحال تراجع الـمستوى وزيادة التناقص في الرصيد الجماهيري لكرة القدم. وكلاء جلـب اللاعبين ليسوا كأصحاب مكاتب جلب الخدم والعـمالـة غير الـمحترفة، ولكن بعضهم يصر على أنْ يكون كذلك. لأنهم فيما يقـدمونـه للأندية من لاعبين محترفين، لا يضعون أنفسهم في صفها ولا يبالون بإسداء النصيحة الصادقة لها. وأيضاً، نجد في إدارات بعض الأندية نوعاً من اللامبالاة في تقييم ما يقـدم إليهم، وكأن الأمر لا يعدو كونه شراء سلعةٍ، فلا نلاحظ دوراً للاعبين القدامى في الأندية، على الأقل، في عملية اختيار الـمحترفين الأجانب، ولا نلمح أثراً لتقييم مدى إمكانية اللاعب الأجنبي الذي احترف في أنديةٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ جنوبيةٍ على العطاء والاندماج في البيئة الكروية الـمحلية. وتكون النتيجة خسارةً للمستوى الفني للأندية والدوري والكرة القطرية، واستنزافاً للموازنات الـمخصصة للأندية. نحن بحاجةٍ لتجديد الأفكار السائدة حول العلاقة بين الصالح العام من جهةٍ، وتقديراتنا الشخصية لـما يصلح لنا ذاتياً من جهةٍ ثانيةٍ، فازدهار الكرة القطرية وارتفاع مستواها الفني يصبان في بوتقـة الـمصالح الوطنية العليا، ولسنا بغافلين عن كون الكرة أحد الوجوه الـمشرقة التي تطـل بلادنا بها على العالـم، ناقلةً إلى الآخرين صورةً حضاريةً رائعةً عنا. - كلمة أخيرة: الاحتراف مفهومٌ واسعٌ لا يتعلق بالاستعداد البدني للاعبين فحسب، وإنما يمتد ليشمل الأسس والبنى الفكرية والنفسية التي يقوم عليها الـمجتمع، والدور الذي تلعبـه الصحافة ووسائل الإعلام.
2823
| 22 أكتوبر 2026