رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

دلال القحطاني

باحث شؤون إدارية ثالث المجلس الأعلى للقضاء
أخصائي أسري في مكتب التصالح الأسري محكمة الأسرة

مساحة إعلانية

مقالات

186

دلال القحطاني

حين لا يكفي العقل وحده...

16 أكتوبر 2026 , 12:00ص

أيها الإنسان… هل يكفي أن تعرف الحقيقة حتى تقبلها؟ وهل يكفي أن تدرك الصواب حتى تفعله؟ ليست المشكلة دائمًا في غياب المعرفة؛ فكم من حقيقة أدركها العقل، لكن النفس لم تكن مستعدة لقبولها. فالإنسان كيان متكامل: عقل يفهم ويميّز، وقلب يطمئن ويتوجه، ونفس تميل وتقبل أو ترفض. ومن هنا، فإن فهم الإنسان لا يتوقف عند ما يعرفه، بل يمتد إلى ما يشعر به، وما يمنعه من تحويل المعرفة إلى سلوك.

من المعرفة إلى القبول

يؤكد القرآن أن الإنسان قد يوقن بالحقيقة ثم يجحدها، بما يكشف أن المعرفة وحدها لا تكفي لصناعة التغيير. كما تؤكد السنة النبوية مكانة القلب في إصلاح الظاهر: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فالمعرفة تفتح الباب، لكن القبول الداخلي هو ما يدفع الإنسان إلى الدخول؛ ولذلك لا تصنع الأوامر امتثالًا مستدامًا ما لم تصحبها قناعة ووعي.

الأسرة والعمل… حيث يظهر أثر الفهم

في الأسرة، لا يتعامل الزوجان مع خلافٍ يحتاج إلى إنهاء فحسب، بل مع مشاعر واحتياجات ومخاوف وتجارب متراكمة. وكذلك الطفل لا يحتاج إلى تصحيح سلوكه فقط، بل إلى الأمان والقبول والانتماء. فلا يمكن أن نطلب الثقة بينما نربي بالخوف، أو نطلب الحوار في علاقة يسودها التجاهل والقسوة. إن مراعاة الجانب النفسي ليست ترفًا؛ بل وقاية تساعد على تقليل الانفصال النفسي قبل أن يتحول إلى انفصال فعلي. ومن هنا، يصبح الإصلاح الأسري محاولة لفهم الإنسان الذي يقف خلف الخلاف، لا مجرد إنهاء الخلاف نفسه.

وفي بيئة العمل، الموظف ليس رقمًا في نظام، والقيادة ليست سلطة أو توزيعًا للمهام فقط. فالتقدير والاحترام والشعور بقيمة العمل تؤثر في العطاء والانتماء والاستقرار. والمسؤول الناجح لا يسأل فقط: هل أُنجزت المهمة؟ 

بل يسأل أيضًا: هل وفّرت البيئة التي تساعد الإنسان على إنجازها بأفضل صورة؟ ومراعاة النفس لا تعني التخلي عن الانضباط، بل الوصول إليه بالحكمة والفهم، لا بالضغط وحده.

من الإنسان إلى المجتمع

إن مسؤولية من يتولى أمر الناس تقتضي أن يجمع بين الحزم والرفق؛ قال النبي ﷺ: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا». فالرفق ليس ضعفًا، والتيسير ليس فوضى، ومراعاة النفس ليست تنازلًا عن النظام؛ بل قد تكون الطريق الأعمق إلى الاستجابة والعطاء. فالمجتمعات لا تُبنى بالأنظمة والمؤسسات وحدها، وإنما بالإنسان الذي يعمل من خلالها، ويحتاج إلى أن تُصان كرامته، ويُحترم عقله، ويُسمع صوته.

لذلك، ربما نحتاج إلى إعادة تعريف الإصلاح: فليس دائمًا أن نطلب من الإنسان أن يتغير، بل أن نفهم لماذا لم يستطع التغيير. وليس كل خطأ سببه الجهل، ولا كل رفض سببه العناد؛ فقد يقف خلف السلوك خوف أو ألم أو شعور بعدم التقدير. وكلما فهمنا الإنسان من الداخل، أصبحت حلولنا أعمق وأكثر استدامة، وتحولت الأسرة إلى مساحة للبناء، والعمل إلى بيئة لصناعة الطاقات، والمجتمع إلى منظومة تقوم على الاحترام والتعاون والمسؤولية.

في النهاية، لا يكفي أن نسأل: ماذا يعرف الإنسان؟ بل علينا أن نسأل: ماذا يشعر؟ وما الذي يحتاج إليه؟ وما الذي يمنعه من الاستجابة؟ فالعقل لا يناقض القلب، والنفس ليست خصمًا للمعرفة؛ بل الإنسان منظومة متكاملة. وإذا أردنا أن نصلح الأسرة، فلنفهم الإنسان. وإذا أردنا أن نطوّر العمل، فلنفهم الإنسان. وإذا أردنا أن نبني مجتمعًا قويًا، فلنفهم الإنسان؛ فصلاح الخارج يبدأ من الداخل، ومن أحسن فهم الإنسان من داخله، أحسن أثره في كل ما حوله.

 

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية