رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اليمن يذوب وينفرط ويتجه إلى تكرار نموذج الصومال، والعالم العربي يقف متفرجا وذاهلا، أمس الأول استولى الحوثيون على الحديِّدة المطلة على البحر الأحمر، بعدما تمكنوا من صنعاء وقبلها أحكموا سيطرتهم على صعدة بالكامل واستولوا على محافظة عمران، وذهبت طلائعهم إلى تعز. وفي الوقت الذي يستكملون فيه الاستيلاء على المحافظات الشمالية، فإن عناصر الحراك تمسكت بالدعوة لانفصال الجنوب، وذكرت الأنباء أنهم أمهلوا الشماليين شهرا ونصف الشهر لمغادرة «أراضيهم»، في تمهيد لإزالة آثار عشرين عاما من الوحدة بين صنعاء وعدن.
إلى جانب تمدد الحوثيين فإنهم شرعوا في الاستيلاء على مخازن أسلحة الجيش ونقلها إلى معقلهم في صعدة، ونشروا رجالهم للتحكم في مختلف المواقع الأساسية والمرافق بالعاصمة. ومن ثم لم يلتزموا باتفاق السلم والمصالحة الذي دعا إلى انسحابهم من صنعاء بعد الاتفاق على تسمية رئيس الحكومة. ومن الناحية العملية، فإن ممثلهم في المجلس الاستشاري الذي تشكل إلى جانب رئيس الجمهورية أصبح «المندوب السامي» الذي يملك حق «الفيتو» على قرارات الرئيس ومستشاريه والحكومة، باعتبار أنه يمثل مركز القوة الأكبر في الساحة اليمنية، في الوقت الراهن على الأقل، وفي هذا السياق فإن زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي أصدر قرارا بتعيين محافظ جديد للحديدة بعد استسلامها.
الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، إذ في حين يتمدد الحوثيون ويبسطون سلطانهم على اليمن مؤيدين في ذلك من الرئيس السابق علي عبد الله صالح وأعوانه، فإن بوادر مقاومة ذلك التمدد لاحت على الجانب الآخر.
فمن ناحية، أصدرت أحزاب «اللقاء المشترك» بيانا طالبت فيه الحوثيين برفع المظاهر المسلحة وإشاعة أجواء الطمأنينة في أوساط المواطنين ووقف الانتهاكات المختلفة للمنازل والمؤسسات العامة، ومعروف أن أحزاب «اللقاء» تضم التجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني إلى جانب 4 أحزاب أخرى، ومن ناحية أخرى، خرجت المظاهرات في شوارع صنعاء مطالبة بإخراج الحوثيين من العاصمة. وتحدثت بعض التقارير الصحفية عن زحف بعض قبائل «مذحج» باتجاه مأرب والجوف وذمار، وعن اجتماعات عقدها شيوخ وأعيان تلك القبائل للتصدي لتقدم الحوثيين. وعلى صعيد آخر تناقلت وكالات الأنباء بيانات أصدرها تنظيم القاعدة المتمركز في مناطق الجنوب توعد فيها الحوثيين بمزيد من العمليات الانتحارية، بعدما أدت أحداثها إلى وقوع تفجير كبير في صنعاء راح ضحيته نحو 30 شخصا من رجالهم.
بشكل موازٍ فإن ارتفاع صوت دعاة الانفصال عاليا أيقظ النوازع الجهوية والقبلية الكامنة والراسخة في المجتمع اليمنى، وللقبائل حضورها القوي في الشمال. كما لم يندثر بعد بقايا السلطنات والمشيخات القديمة، التي كانت قائمة في الجنوب حتى ستينيات القرن الماضي. وبسبب من ذلك فإن توزيع الحصص في التشكيلة الحكومية الجديدة صار أحد التحديات التي لن يتم تجاوزها بسهولة.
الشاهد أن اليمن يقف الآن على أبواب مرحلة من عدم الاستقرار، التي يخشى أن تدخل البلد في دوامة الصراع المسلح، بحيث تتحول صنعاء إلى بغداد أخرى، وكل اليمن إلى صومال آخر. إذ ليست معلومة الأهداف الحقيقية للحوثيين، خصوصا في ظل تمددهم المستمر ونقلهم أسلحة الجيش إلى معقلهم في الشمال. كما أن احتشاد القبائل الرافضة لهيمنة الحوثيين لا تعرف وجهته. وذلك ينطبق أيضا على موقف أحزاب اللقاء المشترك، ومخططات تنظيم القاعدة وإذا أضفنا إلى ذلك سيناريو انفصال الجنوب فإننا لن نبالغ كثيرا إذا قلنا إن اليمن ذاهب إلى مجهول. وأنه إذا كان قد عانى في السابق من وضع سيئ تمثل في ضعف السلطة وانتشار الفساد، فإنه دخل إلى وضع أسوأ. والأول كان يهدد عافية الجسم اليمني وقدرته على الأداء، فإن الثاني يهدد وجود الجسم ذاته ويكاد أن يدخله في طور التحلل والفوضى.
تقلقنا في المشهد أربعة أمور، الأول أن تستسلم صنعاء أو تسلم بتلك السهولة المذهلة التي حدثت في 21 سبتمبر. الثاني ألا ترى في اليمن قيادة يمكن أن ينعقد الإجماع من حولها لإخراج البلد من أزمته، الأمر الذي أدى لأن أصبح عبد الملك الحوثي ــ زعيم الجماعة ــ هو الشخصية الأقوى في الساحة. الثالث أن يغيب العالم العربي تماما عن المشهد ولا يكاد يرى له أي دور. الرابع يكون مساعد الأمين العام للأمم المتحدة السيد جمال بنعمر هو الشخصية الأبرز التي تقوم بالدور السياسي في العلن، في حين يصبح السفير الأمريكي هو اللاعب السياسي الأهم وراء الكواليس.
ثمة علامات استفهام حول دور السعودية في المشهد، وهي الدولة التي يعتبر ما يحدث في اليمن وثيق الصلة بأمنها القومي. ولم يعرف في أي وقت أن ابتعدت الرياض عن مجريات الأمور في اليمن، سواء من خلال مواقف معلنة أو غير معلنة. صحيح أن الصحافة السعودية اهتمت أخيرا بتحركات شيوخ القبائل اليمنية وأبرزت احتشادهم وتحركهم لصد تغول الحوثيين، إلا أن ذلك يظل مؤشرا على أن المملكة تتحرك من خلال علاقاتها الوثيقة مع القبائل، لكننا لا نزال نفتقد موقفا رسميا معلنا من الرياض. قد يقال في هذا الصدد إن السعودية مطمئنة إلى أن الوضع في اليمن لن يخرج عن سيطرتها في كل الأحوال، ولذلك فإن الرياض تعطي الأولوية في الوقت الراهن لمواجهة تمدد تنظيم «داعش» الذي يقترب من حدودها، لكن ذلك يظل مجرد استنتاج، لا يلغي حقيقة أن العالم العربي كله أدار ظهره للحاصل في اليمن، وصار منشغلا بداعش ومعركتها للسيطرة على كوباني. حتى الجامعة العربية لم ترسل مبعوثا لها لا لإصلاح ذات البين بين الفرقاء ولكن لمجرد فهم الموقف وتقصي حقائقه على الطبيعة. وهي التي سبق لها أن فتحت مكتبين في الصومال وجنوب السودان للغرض ذاته، لكنها ضنَّت بذلك على اليمن.
في غياب القيادة وفي الفراغ المهيمن، فإن العواصف ستظل تهب على اليمن من كل صوب، مستهدفة حلم البلد الذي كان يوصف بالسعيد يوما ما، ثم جار عليه الزمن وانفض من حوله الأشقاء حتى أصبح اليمن «المنسي»، وصار نموذجا لتدهور الوضع العربي وافتقاده للبوصلة والقيادة.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1045
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8712
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2721
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1482
| 25 أكتوبر 2026