رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نواف بن مبارك آل ثاني

رئيس مجلس الوساطة الدولية
 

X (Twitter): @NawafAlThani
Instagram: @NawafAlThani

مساحة إعلانية

مقالات

207

نواف بن مبارك آل ثاني

حين يُحمى الخطأ.. الجهل في موقع القرار

16 سبتمبر 2026 , 12:15ص

أراد أصحاب مكاتب البريد في بريطانيا أن يثبتوا أنهم لم يسرقوا، فوجدوا أنفسهم مطالبين بما هو أصعب، أن يقنعوا المؤسسة التي تتهمهم بأنها يمكن أن تكون على خطأ، وكان ذلك، كما تكشف أوراق القضية، عملاً شاقاً امتد سنوات.

والمقصود هنا مؤسسة البريد البريطانية، التي تشرف على شبكة مكاتب البريد، ويُدير كثيراً من فروعها أصحاب أعمال صغيرة بموجب عقود معها، يقدمون للجمهور خدمات البريد وبعض المعاملات المالية، وفي عام 1999 بدأت المؤسسة إدخال برنامج محاسبة اسمه «هورايزن»، لتسجيل الأموال الداخلة والخارجة، ثم ظهرت في حساباته مبالغ ناقصة، كأن مالاً تسلمه أصحاب المكاتب قد اختفى.

طالبت المؤسسة هؤلاء بتسديد النقص، وتمسكت بصحة حسابات البرنامج رغم شكاواهم من وجود خلل فيه، وتوالت الملاحقات القضائية خلال السنوات التالية، فأُدين مئات الأشخاص ظلماً، وحُمّل آلاف آخرون خسائر وهمية، وفي عام 2019، أيدت أحكام قضائية اعتراضات أصحاب المكاتب على موثوقية النظام، بعد معركة طويلة خاضوها لإثبات ما كانوا يقولونه.

ولقد استوقفني في المجلد الأول من تقرير التحقيق الرسمي في القضية، الصادر في يوليو 2025، أن عدداً من موظفي البريد كانوا يعلمون، أو كان ينبغي أن يعلموا، أن النظام يستطيع إنتاج بيانات خاطئة، ومعنى ذلك أن أسباب الشك كانت متاحة داخل المؤسسة نفسها، وأن استمرارها في إنكار الخلل يحتاج إلى تفسير يتجاوز أعطال الكمبيوتر.

وفي تقديري أن التفسير يبدأ من الموضع الذي اختلطت فيه هيبة المؤسسة بصحة روايتها، فالتسليم باحتمال الخطأ كان يفتح باباً على اتهامات سابقة، وعلى مسؤولية من وجهوها، وكلما اتسعت القضية، ازدادت تبعات المراجعة، وأصبح الدفاع عن الموقف القديم يحمل معه دفاعاً عن مواقع ومصالح.

والموظفون يفهمون ما يُطلب منهم، ولو لم يصدر به تعميم، فهم يتذكرون ما جرى لاعتراض سابق، وكيف عومل صاحبه، ويعرفون من هذه التجربة مقدار ما يستطيعون قوله، وقد ينتهي الأمر إلى أن يستشهد المدير بإجماع صنعته رغبة الجميع في تجنب خلاف معه، وعندئذ تغدو ثقته في تقديره نتيجة طبيعية لما سمح له بأن يصل إليه.

هذا، فيما أظن، هو الجهل الذي ينبغي أن نخشى اقترانه بالثقة العمياء، جهل يستطيع صاحبه أن يتعلم، وتتوفر أمامه وسائل المعرفة، ثم يكتفي بما يطمئنه إلى صواب موقفه، وقد يكون ذا اختصاص وخبرة، وتكون له سابقة نجاح أغرته بأن يقيس عليها كل ما يأتي بعدها، فإذا حمل هذا الاطمئنان إلى موقع القرار، اتسعت دائرة من يتحملون تبعاته، وربما كانوا أقل الناس قدرة على الاعتراض عليه.

وأمامنا الآن أرقام تكشف بعض هذه التبعات، فقد أعلنت الحكومة البريطانية في الحادي عشر من سبتمبر 2026 أن المدفوعات للمتضررين قاربت ملياراً وسبعمائة مليون جنيه إسترليني حتى الثامن والعشرين من أغسطس، ووصلت إلى أكثر من ثلاثة عشر ألفاً وخمسمائة مطالب بالتعويض، وهذه حصيلة مالية يمكن مراجعتها، أما الأعوام التي قضاها الأبرياء يدافعون عن أمانتهم، فلا سبيل إلى ردها إليهم.

الرأي الأخير

ولعل هذا ما ينبغي أن يبقى حاضراً ونحن نوسع اعتماد مؤسساتنا على الأنظمة الرقمية، فالقرار يصل إلى صاحب الشأن حاملاً سلطة الجهة التي أصدرته، ويحتاج الاعتراض عليه إلى من يملك فحص أساسه وتغييره، وتلك مسؤولية تزداد حين تضطر الإدارة إلى الحسم بمعلومات ناقصة، إذ يصبح الاستعداد للمراجعة جزءاً من أداء الواجب، ويكون الاعتراف بالخطأ في حينه أهون على المؤسسة من أن تضطر إلى الإقرار به بعد سنوات.

”من آفات زماننا أن يقترن الجهل المطلق بالثقة العمياء“

إلى اللقاء في رأي آخر،،،

 

مساحة إعلانية