رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يرى البعض أن قضية العولمة والفضاء المفتوح، لا خيار لنا فيها ولا نستطيع الرفض، ولا يمكن إلا بالاندماج والتفاعل مع عوالمها المتعددة، لأنها تمثل في أحشائها جوانب ضرورية وأبعادا تكنولوجية وعلمية لا غنى لنا عنها لعصرنا المتغير، مع الاعتراف أن الكثير من الشروط في بعدها الاقتصادي مجحف للكثير من الدول الآخذة في النمو، والدول ذات المصاعب الاقتصادية لأسباب اجتماعية وسياسية وجغرافية. لكن جدل الهوية والانفتاح الثقافي، قضية مختلفة تماماً ولا تندرج في اعتقادنا في مسائل الاقتصاد والسياسة الخاضعين، لمتغيرات وتفاعلات غير ثابتة ضمن تطور الأمم وتجدد احتياجاتها، وتشابك قضاياها المعاصرة، لكن الخطر المتوقع المقبل، أن العولمة وبإمكانياتها الضخمة من تكنولوجيا متقدمة وسائط معلوماتية هائلة تستطيع اختراق الحدود والسدود، وبلا قدرة على المقاومة أو حتى الرفض ضمن شروط العولمة في جانبها الاقتصادي البحت !
ويتحدث الغرب الآن وبتعال أن الحديث عن الهويات الثقافية والخصوصيات الذاتية أصبح كلاماً بالياً عفا عليه الزمن، ولا يمكن الالتفات إليه كطرح يعتد به وأخذه في الحسبان، وعندهم ـ كما يقول د. إبراهيم الحيدري ـ إن من يرفض "قيم" العولمة وعاداتها الاستهلاكية إنما يريد رفض بضائع المدنية الحديثة ووسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات التي دخلت البيوت، ومجالات العمل والثقافة والحياة الاجتماعية، ومن مظاهرها تداخل عناصرها وتياراتها وتفاعلها مع بعضها الآخر، بحيث لم تعد التجارة والتكنولوجيا حرة وعالمية فحسب، بل والإنتاج والاستهلاك، وأصبح الحديث عن "الثقافة المصنعة" هدف من أهدافها الجديدة. ولا شك أن العصر الراهن هو عصر الهيمنة والقوة الاقتصادية بلا منازع بما تمثله من انفتاح في التجارة والنشاطات الأخرى الهامة وغيرها من الجوانب، أنه مجتمع المعلومات العولمي المتشابك، وهذا بدوره سوف يجر إلى تغير اجتماعي ونفسي يسير بمعطيات مختلفة عما ألفناها من قبل المتمثلة في زيادة القدرات الوظيفية للأنساق الثقافية العالمية من خلال تطور تقنيات الاتصال الجديدة، كالإنترنت والكمبيوتر والجوال وغيرها من الوسائل المعلوماتية الحديثة، وهذه الوسائل سيكون لها الأثر في تشكيل الوعي لدى المتلقين وخاصة النشء الذين يتلقون هذه الوسائل بدون أن يدركوا أبعادها الفكرية وأثرها الاختراقي على العقل والوجدان العربي.
وهذه التقنية أيضاً سوف تدخل كمتغير فاعل ومؤثر في عملية التنشئة الاجتماعية، فمن خلالها لم يعد النشء يستبطن الثقافة المحلية ـ كما يقول الباحث عبد القادر عرابي ـ بل ستدخل في تشكيل ثقافات أخرى، فللثقافة الوطنية، ثقافة الدولة والمجتمع، ستواجه الثقافة العالمية بحيث إننا نجد أنفسنا أمام ثقافتين وعالمين مختلفين أو عوالم ثقافية مختلفة، لا تتفاعل مع بعضها البعض بل يسود بعضها البعض، وسوف تتدخل المؤسسات الأجنبية ـ من خلال شروطها ـ في عالم حياتنـا، وتحاول السيطرة عليه واستعماره أو على الأقل تشكيله، وسيقود هذا التدخل إلى مشكلات وتحديات تربوية ونفسية تهدد عمليات التفاعل المفترضة بين الثقافات.
وإذا كانت الدولة الوطنية قد احتفظت بخصوصيتها الثقافية إلى حد ما، فإن مجتمع المعلومات قد ضيق هذه الخصوصية والهوية الذاتية، إذا لم يكن ينذر بالقضاء عليها، فالدولة لم تعد في المستقبل هي المصدر الوحيد للمعلومات، كما أنه من المتعذر عليها السيطرة على تدفق المعلومات الهائل وضبطها.
وإذا كانت التنشئة الاجتماعية عبرت في الغالب عن علاقة مباشرة بين شخصين أو أكثر، فإن التنشئة اللاشخصية ـ كما يقول عرابي ـ تزداد من خلال تطور تقنيات الاتصال الجماهيري، وتعتبر وسائل الاتصال العالمية وسيلة من وسائل التنشئة الاجتماعية الجديدة التي صارت تنافس الوسائل الأخرى كالأسرة وأولياء الأمور والمدرسة والبيت، وغيرهم من وكلاء التنشئة الاجتماعية، وقد تكون أحياناً أكثر أثراً منهم على الطفل، إذا ما ازداد تعرض الطفل لها، ومع أن الدراسات حول هذه الظاهرة ما تزال قليلة جداً في مجتمعنا العربي، إلا أن أثرها واضح في بناء الشخصية وعالم الطفل ومفرداته اللغوية، وتحصيله الدراسي وفعله الاتصالي وسلوكه الاجتماعي، وآرائه وقناعاته ومواقفه وسلوكه الاستهلاكي، فالساعات الطويلة التي يقيها الطفل في مشاهدة تقنيات الاتصال العالمية تجعل منها مصدراً هاماً لإمداده بالمعلومات ولتكوين اتجاهاته ومعتقداته، وقد تحوله إلى مجرد مستهلك سلبي، الشيء الذي يقف حائلاً دون تطوير قدراته وطاقاته الإبداعية.
لقد كانت الدولة في الماضي ـ إلى حد ما ـ هي المصدر الوحيد للمعلومات، أما الآن فإن تطور تقنيات الاتصال ستجعل الثقافة العالمية تنساب عبر الحدود، الأمر الذي يجعل من المتعذر السيطرة على تدفق المعلومات الهائل ومراقبتها. أما التحديات التي تترتب على العولمة الثقافية بالنسبة للمجتمع فخطيرة جداً، ذلك أن المجتمع يعرف نفسه من خلال الثقافة والتاريخ، وتكوين مرجعية ثقافية، تشكل أساساً لشعور الجماعة والنسق القيمي.
وهذا سيشكل تحدياً كبيراً من خلال الاختراق الثقافي وتعدد العوالم الثقافية، وانسياب المعلومات في اتجاه واحد هي التي تضع الرأي العام وتؤثر في تشكل وعيه، لكن البعض يقلل من خطر العولمة ويعتبر هذا التدفق المعلوماتي ظاهرة إيجابية في معظم أنساقها الثقافية، ويمثل جانباً هاماً من انفتاح الثقافات العالمية على بعضها البعض.
إن هذه المقولات التي تسوّق لثقافة العولمة، وتبشر بمزاياها والتقليل مــن مخاطرهــا، ليس مقنعاً في أغلب جوانبه بالنظر إلى الكثير من الآراء والأفكار التي يطرحها سماسرة العولمة نفسها. وللتدليل على ما نراه مخالفاً حول ما قيل آنفاً إن هناك أصواتاً في الغرب قوية ومؤثرة تتحدث عن مخاطر العولمة في جانبها الثقافي أيضاً.. ناهيك عن البعد الاقتصادي ومشاكله في أوروبا نفسها، وما حدث في سياتل وفي غيرها من المدن الأوروبية منذ سنوات أكبر مثال على مدى الرفض والقلق من مخاطرها الكثيرة.
وأصدق مثال على ذلك أن فرنسا لا تزال إلى الآن تنتقد العولمة الثقافية والتي تسميها "الإمبريالية الثقافية الأمريكية" وتبذل جهوداً كبيرة للمحافظة على "الفرانكفونية" في فرنسا، وفي بعض الدول الإفريقية، ومما قاله وزير ثقافتها في أحد المؤتمرات الدولية مهاجماً الولايات المتحدة: إن تلك الدول علمتنا قدراً كبيراً من الحرية، ودعت الشعوب إلى الثورة على الطغيان، أصبحت لا تملك اليوم منهجاً أخلاقياً سوى الربح، وتحاول أن تفرض ثقافة شاملة على العالم أجمع، ومضى يقول: إن هذا هو شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية، لا يحتل الأراضي، بل يصادر الضمائر ومناهج التفكير وطرق العيش.
ومن أجل ذلك رفضت فرنسا ـ وهي إحدى الدول الكبرى الصناعية في العالم كما معروف ـ أن توقع على الجزء الخاص بالسلع والمواد الثقافية في اتفاقية الجات، وهي تشمل: السينما والتلفاز والفيديو وما يشابهها، وقد نجحت فرنسا في الحصول على تأييد 46 دولة فرانكفونية في محاولاتها الحصول على "استثناء ثقافي" يشمل تلك السلع والمواد، وقد أدرج في الاتفاقيات الدولية الخاصة بحرية التجارة (الجات).
فإذا كان موقف فرنسا بلد الحرية والنور والإشعاع الثقافي في الغرب ، ترفض ثقافة الولايات المتحدة وتعتبرها إمبريالية ثقافية. فماذا يجب أن يكون موقفنا نحن من هذا الاكتساح الثقافي والاقتصادي ، وغيرها من الأبعاد الأخرى في هذا الإطار؟
وإذا كانت العولمة الثقافية تعني هيمنة ثقافية واحدة بأفكارها وقيمها وسلوكياتها، وإزاحة الثقافات والهويات الأخرى الذاتية، فما جدوى الحديث عن تعددية الأفكار والثقافات الإنسانية؟ وماذا بقي من شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان وهما من أسس الحرية الثقافية والفكرية في ظل هذا التحول المعادي للتعددية الثقافية ؟ وإذا كان البعض يردد مقولات تقلل من محاذير ومخاطر العولمة الثقافية، والحديث عن التبادل والتفاعل الثقافي بين الثقافات، من خلال تقنيات الاتصال وغيرها من الوسائل الحديثة، فإننا نعتقد أن هذه الآراء تفقد مصداقيتها كما قلنا بالتدريج، ذلك أن التبادل الثقافي بين ثقافات غير المتكافئة محسومة سلفاً، وعدم التكافؤ يلغي عملية التفاعل والتبادل المفترض بين ثقافات الشعوب، وأن عدم الاعتراف بالتعددية الثقافية في إطار العولمة ربما يمهد الطريق إلى حضارات وثقافات مغلقة، والانغلاق ربما يجر إلى انقسام الحضارات، وهذا الانقسام سيعزز للأسف نظرية هنتنغتون في "صدام الحضارات" التي تدعي أن فكرة التصادم والانقسام في المستقبل لن يكون أساسه الأيديولوجيا، بل الثقافات والهويات عند خطوط التماس هذه الحضارات!! لكننا نعتقد أن هذا ليس صحيحا، لأنه ضد واقع التعايش والتفاهم والتواصل، الذي هو أصل الحضارات الإنسانية، منذ ظهورها بداية التاريخ .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12075
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
6678
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب اللاعبين، طويلاً، لكن ذلك سيظل في إطار التمـنيات وافتراض ما سيكون، أي أننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نخرج منها. ولذلك ينبغي الحديث بوضوحٍ عن دورٍ فاعلٍ للإعلام الرياضي. وهنا، لا نتحدث عن النقل الخبري وإنما عن ممارسة التأثير السليم من خلال النقد والتحليل وإلقاء الضوء على سوء اختيار اللاعبين الـمحترفين الأجانب، وجوانب القصور في أداء وسلوك لاعبينا الـمحترفين الـمواطنين، وتوضيح الأسباب وطـرح الحلول الـممكنة. أما أنْ نظل جالسين في أبراجنا العاجيـة نراعي علاقتنا بالوكيل الفلاني والإدارة الفلانية واللاعب الفلاني، فهذا لا يجوز ويجعل من ممارستـنا لدورنا عاملاً من عوامل استفحال تراجع الـمستوى وزيادة التناقص في الرصيد الجماهيري لكرة القدم. وكلاء جلـب اللاعبين ليسوا كأصحاب مكاتب جلب الخدم والعـمالـة غير الـمحترفة، ولكن بعضهم يصر على أنْ يكون كذلك. لأنهم فيما يقـدمونـه للأندية من لاعبين محترفين، لا يضعون أنفسهم في صفها ولا يبالون بإسداء النصيحة الصادقة لها. وأيضاً، نجد في إدارات بعض الأندية نوعاً من اللامبالاة في تقييم ما يقـدم إليهم، وكأن الأمر لا يعدو كونه شراء سلعةٍ، فلا نلاحظ دوراً للاعبين القدامى في الأندية، على الأقل، في عملية اختيار الـمحترفين الأجانب، ولا نلمح أثراً لتقييم مدى إمكانية اللاعب الأجنبي الذي احترف في أنديةٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ جنوبيةٍ على العطاء والاندماج في البيئة الكروية الـمحلية. وتكون النتيجة خسارةً للمستوى الفني للأندية والدوري والكرة القطرية، واستنزافاً للموازنات الـمخصصة للأندية. نحن بحاجةٍ لتجديد الأفكار السائدة حول العلاقة بين الصالح العام من جهةٍ، وتقديراتنا الشخصية لـما يصلح لنا ذاتياً من جهةٍ ثانيةٍ، فازدهار الكرة القطرية وارتفاع مستواها الفني يصبان في بوتقـة الـمصالح الوطنية العليا، ولسنا بغافلين عن كون الكرة أحد الوجوه الـمشرقة التي تطـل بلادنا بها على العالـم، ناقلةً إلى الآخرين صورةً حضاريةً رائعةً عنا. - كلمة أخيرة: الاحتراف مفهومٌ واسعٌ لا يتعلق بالاستعداد البدني للاعبين فحسب، وإنما يمتد ليشمل الأسس والبنى الفكرية والنفسية التي يقوم عليها الـمجتمع، والدور الذي تلعبـه الصحافة ووسائل الإعلام.
2835
| 22 أكتوبر 2026