رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين يرحل العظماء، لا تُطوى صفحاتهم بغياب الأجساد، وإنما تبدأ مرحلة أخرى من الحضور؛ حضور يسكن ذاكرة الشعوب، وتخلّده الأعمال، وترويه الأجيال جيلاً بعد جيل. وهكذا تلقّت الأمة العربية والإسلامية، ومعها دولة قطر الشقيقة، نبأ رحيل سمو الأمير الوالد بقلوب مؤمنة يعتصرها الأسى، لما مثّله من رمزٍ للحكمة، ورجل دولةٍ استثنائي، وقائدٍ ارتبط اسمه ببناء نهضة وطن، وصناعة تجربة تنموية وإنسانية تجاوز إشعاعها حدود الجغرافيا.
وبهذا المصاب الجلل، نتقدم، باسم أبناء جزر القمر، وباسم الأسرة الثقافية والفكرية، بأصدق مشاعر التعزية والمواساة إلى مقام حضرة صاحب السمو أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني-حفظه الله ورعاه-وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وإلى الحكومة والشعب القطري الشقيق، سائلين الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجزيه عن وطنه وأمته قاطبة خير الجزاء، وأن يحفظ قطر، قيادةً وشعبًا، ويديم عليها نعمة الأمن والعزة والازدهار.
لقد كان الأمير الوالد قائدًا آمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن الاستثمار في العلم هو الاستثمار الأبقى. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تمتد جسور قطر نحو جزر القمر منذ وقت مبكر، حين فتحت أبواب المعهد الديني في الدوحة في بداية سبعينيات القرن الماضي لاستقبال نخبة من أبناء جزر القمر، فكانت تلك المنح الدراسية المباركة أول خيط في نسيج علاقة أخوية ستزداد متانةً ورسوخًا مع مرور الأعوام.
ثم بزغ فجر مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية مع تولي الأمير الوالد مقاليد الحكم عام 1995، إذ اكتسبت العلاقات القطرية القمرية بعدًا سياسيًا وتنمويًا أكثر اتساعًا. وكانت الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس جمهورية جزر القمر الراحل محمد تقي عبد الكريم إلى دولة قطر عام 1996 محطةً تاريخية فارقة، حيث حظي باستقبال كريم من سمو الأمير الوالد، وعُقدت مباحثات عكست الإرادة الصادقة في بناء شراكة أخوية بين البلدين.
وقد أثمرت تلك الزيارة التوقيع على اتفاقية للتعاون المشترك، فتحت آفاقًا جديدة للعلاقات الثنائية، وكان من أبرز نتائجها تخصيص خمسين منحة دراسية لأبناء جزر القمر، وافتتاح مقر دار الضيافة لطلاب جزر القمر، إلى جانب تنشيط الزيارات الرسمية وتوسيع مجالات التعاون في التعليم والتنمية وبناء القدرات، لتتحول العلاقة من روابط أخوية إلى شراكة مؤسسية واعدة.
وفي سياق هذا التطور، دخلت العلاقات مرحلة التمثيل الدبلوماسي، فتبادل البلدان السفراء غير المقيمين؛ فكنت أنا كاتب هذه السطور أول سفير قمري معتمد لدى دولة قطر، مقيمًا في الرياض(1998-2006)، بينما كان سعادة السفير علي بن عبد الله المحمود، في 24أبريل2000، أول سفير قطري معتمد لدى جمهورية جزر القمر، مقيمًا كذلك في الرياض. وقد أسهم هذا التمثيل الدبلوماسي في ترسيخ الحوار السياسي، وتعزيز جسور الثقة والتعاون بين البلدين.
ولم تلبث هذه العلاقات أن شهدت تطورًا متسارعًا خلال السنوات اللاحقة، حيث اتسعت مجالات التعاون لتشمل المشاريع الإنسانية والخيرية، والدعم التنموي، والمساندة المالية التي قدمتها دولة قطر للحكومات القمرية المتعاقبة في عهود الرئيس عثمان غزالي، والرئيس أحمد عبد الله سامبي، والرئيس إكليل ظنين، في صورة تعكس التزامًا ثابتًا بمساندة جزر القمر في مسيرتها التنموية، انطلاقًا من رؤية إنسانية أصيلة تبناها الأمير الوالد.
ولعل من أنصع الصفحات في سجل العلاقات القطرية القمرية ما برز إبان الأزمة الانفصالية التي عصفت بجزيرة أنجوان سنة 1997، وهي الأزمة التي هددت وحدة جمهورية جزر القمر وألقت بظلالها على أمنها واستقرارها. ففي تلك المرحلة العصيبة، لم تقف دولة قطر موقف المتفرج، بل كانت من أوائل الدول العربية التي مدت يد العون للحكومة القمرية، إدراكًا منها أن وحدة جزر القمر ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل ركيزة من ركائز الاستقرار في المنطقة، وقيمة عربية وإسلامية تستحق كل سند ومؤازرة.
وحين بدأت ملامح المصالحة الوطنية تتشكل عام 2001، بادرت دولة قطر إلى تقديم الدعم المالي اللازم لإنجاح مساعي الوفاق، إيمانًا منها بأن السلام لا يُصان بالشعارات، وإنما يُبنى بالإرادة الصادقة، ويترسخ بالتضامن العملي بين الأشقاء.
ولم يكتف سمو الأمير الوالد بذلك، بل حمل قضية جزر القمر إلى المحافل العربية والدولية، فجعلها قضية تضامن عربي مشترك. ففي القمة العربية التي انعقدت في المملكة الأردنية الهاشمية في مارس 2001، طرح سموه مبادرةً رائدةً على قادة العرب، لإنشاء صندوق عربي لدعم جمهورية جزر القمر وتعزيز المصالحة الوطنية فيها والتي تمخضت عن اتفاقية "فومبوني" تحت مظلة جامعة الدول العربية، وأعلن، في موقف يجسد صدق الالتزام ونبل الموقف، تبرع دولة قطر بمبلغ مليوني دولار أمريكي ليكون اللبنة الأولى في هذا الصندوق، داعيًا الدول العربية إلى الإسهام في دعم استقرار جزر القمر وترسيخ وحدتها الوطنية.
لم تكن تلك المبادرة مجرد مساهمة مالية، وإنما كانت رسالة سياسية وإنسانية عميقة، تؤكد أن قطر، بقيادة الأمير الوالد، كانت ترى في استقرار جزر القمر جزءًا من مسؤوليتها العربية والإسلامية، وأن الأخوة الصادقة تُقاس بالمواقف في ساعات الشدة قبل أن تُقاس بالمجاملات في أوقات الرخاء.
وبرئاسة سموه للقمة العربية (21) صدر أول قرار عربي لمجلس جامعة الدول العربية، بعد انضمام جزر القمر إليها، لتأكيد السيادة القمرية على مايوت ودعوة فرنسا لإنهاء احتلالها لهذه الجزيرة العربية المسلمة.
وهكذا، ظل الأمير الوالد حاضرًا في الذاكرة القمرية بوصفه نصيرًا لوحدة البلاد، وداعمًا لمسيرة المصالحة، وشريكًا في بناء الدولة، حتى غدت مواقفه صفحات مضيئة في تاريخ العلاقات القطرية القمرية، تُروى بكل اعتزاز، وتُحفظ بكل وفاء، وستبقى شاهدًا على أن الرجال العظام يرحلون عن الدنيا، ولكن آثارهم الكريمة تبقى حيّة في ضمير الشعوب، لا تمحوها السنون ولا يطويها النسيان.
وكان من ثمار هذا المسار المبارك، المؤتمر العربي للاستثمار والتنمية في جزر القمر الذي استضافته الدوحة عام 2010، وزيارة سمو الأمير الوالد إلى الجزر، في مارس عام 2010، وافتتاح السفارتين في موروني والدوحة، لتدخل العلاقات القطرية القمرية مرحلة جديدة من النضج السياسي والدبلوماسي، تقوم على التواصل المباشر، والتنسيق المستمر، وتعدد مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين.
لقد آمن الأمير الوالد بأن السياسة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن قيمة الدولة تُقاس بما تقدمه للإنسان أينما كان، ولذلك امتدت أيادي قطر البيضاء إلى أنحاء كثيرة من العالم، وكان لجزر القمر نصيبٌ كريم من هذا العطاء؛ في التعليم، والصحة، والإغاثة، والتنمية، ودعم المؤسسات، حتى غدت آثار ذلك الدعم شواهد ناطقة على عمق الأخوة وصدق المواقف.
واليوم، ونحن نودع هذه القامة التاريخية المرموقة، فإننا لا نرثي رجلًا فحسب، بل نستذكر مرحلة كاملة من العمل والبناء والعطاء، ونستحضر قائدًا آمن بأن العلاقات بين الدول لا تُبنى على المصالح العابرة وحدها، بل على الوفاء، والاحترام المتبادل، والاستثمار في الإنسان.
رحم الله سمو الأمير الوالد، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم دولة قطر قيادةً وشعبًا جميل الصبر والسلوان، وأدام على العلاقات القطرية القمرية ما امتازت به من أخوة صادقة وتعاون مثمر، وفاءً لإرثٍ أسسه رجالٌ كبار، وستظل الأجيال تذكره بكل اعتزاز.
وفي الختام، هذه ليست كلمات رثاء تُقال في وداع قائدٍ كبير، بقدر ما هي شهادة وفاء يسجلها التاريخ لرجلٍ آمن بأن السياسة رسالة، وأن القيادة مسؤولية، وأن العلاقات بين الدول تُبنى على الصدق والاحترام والتضامن.
ومن موقع المسؤولية الدبلوماسية التي تشرفت بحملها، وما أتيح لي من متابعةٍ لمسيرة العلاقات القطرية القمرية في مراحلها الأولى، أستطيع أن أقول بثقة: إن الأمير الوالد لم يكن بالنسبة لجزر القمر قائدًا لدولة شقيقة فحسب، بل كان أخًا صادقًا في المواقف، حاضرًا في ساعات الشدة كما في أوقات الرخاء، مؤمنًا بأن نهضة الدول الصغيرة واستقرارها جزء من نهضة الأمة كلها.
قد يرحل الرجال، ولكن المبادئ التي غرسوها، والمؤسسات التي أسسوها، والعلاقات التي شيدوها على الثقة والوفاء، تبقى شاهدة على عظمة أصحابها. وستظل جزر القمر تذكر للأمير الوالد مواقفه النبيلة، ودعمه الصادق، وإسهامه في توطيد أواصر الأخوة بين الشعبين الشقيقين.
رحم الله فقيدنا الغالي، حبيب الإنسانية، رحمةً واسعة، وجزاه عن قطر، وعن أمته العربية والإسلامية، وعن جزر القمر خير الجزاء، وأدام على دولة قطر أمنها ووحدتها وازدهارها، وجعل إرثه الكريم منارةً تهتدي بها الأجيال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8400
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4869
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1059
| 09 أغسطس 2026