رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القرائن التي لاحت في الأفق السياسي خلال الأيام الأخيرة تستدعي السؤال التالي: هل مصر بصدد العودة إلى دورها في معسكر الاعتدال العربي؟
(1)
لعلي لست بحاجة لأن أنوه إلى أن المعسكر المذكور ليس حسن السمعة السياسية، لأنه ببساطة يضم الدول الموالية أو الداخلة في الفلك الأمريكي والإسرائيلي. وتلك المعادية للمقاومة الفلسطينية والمتساهلة في مسألة الاستقلال الوطني والمخاصمة لإيران والمستهجنة لفكرة وحدة الأمة العربية.
وأرجو أن تكون قد لاحظت أنني أتساءل ولا أقرر، حيث لا أريد أن أقول إن عودة الدور المصري في إطار ذلك المحور حاصلة حتما، وإنما فقط أطرحها باعتبارها احتمالا بات واردا. كما أنني لا أريد أن يفهم أن مصر في عهد الدكتور محمد مرسي خرجت من المعسكر المذكور، لأنني أزعم أنها ظلت في إطاره ولم تغادره.
ولعل البعض يذكر أنني كتبت أثناء حكم الدكتور محمد مرسي منوها إلى أن السياسة الخارجية لمصر لا يزال يديرها الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث لم يتغير فيها شيء جوهري، على الأقل فيما خص التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إذ إن الأداء في مواجهة هذين البلدين ظل كما كان عليه قبل الثورة، حتى الموقف إزاء قطاع غزة ظل في جوهره كما هو، وإن طرأت عليه تحسينات بسيطة أدت إلى كسر الحصار السياسي إلى حد ما. إلا أن معبر رفح لا يزال عنصر ضغط على الفلسطينيين. كما أن الأنفاق التي تعد شريان الحياة الاقتصادية للقطاع ظلت تدمر أولا بأول. وفي الوقت ذاته فإن الاتصالات الأمنية بين الطرفين المصري والإسرائيلي ظلت على حالها.
صحيح أن الدكتور مرسي حاول تغيير الصورة التقليدية والموروثة للسياسة الخارجية من خلال الاهتمام بإفريقيا وزيارة الصين وروسيا والبرازيل والهند، كما فتح خطا للتواصل مع إيران، إلا أن تلك المحاولات لم تحدث تغييرا ملموسا في سياسة مصر الخارجية. وإنما كان فيها من توجيه الإشارات والتعبير عن النوايا أكثر مما فيها من التعبير عن استلهام روح الثورة المصرية ومقاصدها.
بوسع أي أحد أن يقول إن الدكتور مرسي أمضى سنة واحدة في منصبه، وهي فترة قصيرة ومحدودة نسبيا، وأنه كان يركز على إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الداخل الأمر الذي لم يعطه فرصة كافية للاهتمام بالخارج. وقد يبرر آخرون موقفه بأنه كان مكبلا بارتباطات وتعهدات نظامي مبارك والسادات التي قدمها للأمريكيين والإسرائيليين، الأمر الذي قيده وأضعف حركته. ولا أستبعد أن يضيف البعض إلى ما سبق أن حسابات الدكتور مرسي كانت خاطئة، كل ذلك وارد، ولكنه يوصلنا إلى ذات النتيجة التي ذكرتها، وهي أن مصر في عهده لم تغادر مربع الاعتدال. وكل ما فعله أنه جمَّد ذلك الدور ولم يقم بتنشيطه. يؤيد ذلك أن إسرائيل التي لم تكن سعيدة به بسبب موقفه من حماس وقطاع غزة وبعض تحركاته الأخرى. لكنها لم تكن منزعجة أيضا. حتى إن صحيفة هاآرتس نشرت في اليوم التالي لعزله (يوم 4/7) تحليلا ذكر أن إسرائيل ستذكر له أربع إيجابيات هي: التزامه بمعاهدة كامب ديفيد ـ إسهامه في التوصل إلى اتفاق لتجنيب إسرائيل صواريخ حماس ـ هدم الأنفاق ـ انخراطه في الاصطفاف إلى جانب السنة في مواجهة الشيعة.
(2)
يوم السبت الماضي 13/7 نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية تقريرا كان عنوانه: «الدولة العميقة تعود إلى مصر مرة أخرى». تضمن التقرير الذي لم يكذبه أحد تفاصيل كثيرة حول اجتماعات عقدها ممثلون عن جبهة الإنقاذ وشخصيات أخرى معارضة مع بعض العسكريين، وحول دور رجال النظام السابق في دعم حركة «تمرد» ومساندة الدعوة إلى الخروج إلى الشوارع في مظاهرة 30 يونيو. وأعطى التقرير انطباعا مفاده أن حملة عزل الرئيس مرسي جمعت بين رموز المعارضة وبعض الجنرالات وممثلين عن حركة تمرد إضافة إلى عناصر مثلت الحزب الوطني.
من المعلومات التي أوردها التقرير أن اجتماعات رموز المعارضة مع الجنرالات ظلت منتظمة قبل عدة أشهر، وكانت تتم في نادي ضباط البحرية بالقاهرة.. وأن الجنرالات أبلغوهم بأن المعارضة إذا استطاعت تأمين عدد كاف من المتظاهرين في الشوارع فإن الجيش سيتدخل لعزل الدكتور مرسي بشكل قسري.
من تلك المعلومات أيضا أن أحد محامي أحمد عز رجل جمال مبارك السابق والقيادي في الحزب الوطني حضر بعض تلك الاجتماعات. منها كذلك أن نائبا سابقا عن الحزب الوطني في محافظة الشرقية هو الذي كان أهم الداعمين لحملة تمرد في مدينة الزقازيق.
أحذر من استسهال التعميم، لأن في مقدمة الذين خرجوا معارضين للدكتور مرسي يوم 30 يونيو أناس وطنيون كانوا خائفين على الثورة أو خائفين من الإخوان، لكن الذي لا شك فيه أيضا أن المشهد كله لم يكن بريئا لأن الأطراف التي تحدثت عنها الصحيفة الأمريكية، خصوصا أركان النظام القديم وأعوانه وجدتها فرصة لتصفية حسابها مع الثورة ومع الإخوان.
بموازاة ذلك يثير انتباهنا أن الدول الخليجية المنخرطة في معسكر الاعتدال، والتي كانت حليفة لمبارك ونظامه، سارعت إلى مد جسورها من النظام الجديد. بعد ساعات قليلة من إعلان عزل الدكتور محمد مرسي. في حين أن تلك الدول عمدت إلى مقاطعة القاهرة بعد ثورة 25 يناير وتحولت تلك المقاطعة إلى موقف معلن بعد انتخاب الدكتور مرسي. وأذكر أن أحد حكام تلك الدول بعث برسالة إليه بعد انتخابه طالبه فيها بوضع حد للمليونيات التي تكرر احتشادها آنذاك في ميدان التحرير، وقال إنها تشجع الناس في بلاده على الخروج بدورهم إلى الشوارع ورفع أصوات الاحتجاج والغضب ضد نظامه.
لقد تقاطرت تلك الوفود على القاهرة بعد عزل الدكتور مرسي، معبرة عن تأييد النظام الجديد ودعمه. وخلال أيام قليلة قدمت إلى مصر نحو 12 مليار دولار، على الأقل في التصريحات التي صدرت.
تحضرني في هذا السياق قصة سمعتها قبل ثلاثة أشهر من أحد المسؤولين في رئاسة الجمهورية، خلاصتها أن السيدة آن باترسون السفيرة الأمريكية نقلت ذات مرة إلى الرئيس المصري رسالة تضمنت طلبات معينة موجهة من واشنطن، وهي تنقلها ذكرت أن من شأن الاستجابة لتلك الطلبات أن تشجع الدول الخليجية على توجيه بعض استثماراتها إلى مصر لحل أزمتها الاقتصادية، وكانت العبارة التي قيلت في هذا الصدد إن «مفاتيح خزائن الدول الخليجية بيد واشنطن».
(3)
كل ما سبق في كفة والحفاوة والتهليل لما جرى في مصر عبرت عنه إسرائيل في كفة أخرى. ذلك أنني حين تتبعت أصداء الحدث هناك وقعت على ما يلي:
< في يوم 6/7 ذكرت الإذاعة العبرية أن رئيس الوزراء نتنياهو اقترح على الأمريكيين تنفيذ خطة «مارشال» اقتصادية جديدة لدعم العسكر في مصر، ولمنع تحقيق أية سياقات يمكن أن تعيد الإسلاميين إلى الحكم.
< في 9/7 ذكرت صحيفة هاآرتس على موقعها الإلكتروني نقلا عن موظف كبير في الإدارة الأمريكية أن الحكومة الإسرائيلية توجهت من خلال عدة قنوات لمسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية طالبة عدم المساس بالمعونات الأمريكية للجيش المصري التي تقدر بـ1.3 مليار دولار، لما قد يحله ذلك من تداعيات على أمن إسرائيل. أضافت الصحيفة أن محادثات ماراثونية إسرائيلية أمريكية، جرت نهاية الأسبوع السابق وتناولت ما حدث في مصر حيث كان هذا الموضوع مدار بحث في محادثة بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جون كيري وفي محادثة أخرى بين وزير الأمن موشيه يعالون مع وزير الدفاع الأمريكية تشاك هاغل، ومحادثة ثالثة بين مستشار الأمن القومي يعقوب عميدرور ونظيرته الأمريكية سوزان رايس.
< في اليوم ذاته (9/7) نشرت صحيفة إسرائيل اليوم مقالة للمفكر البارز بوعاز بسموت قال فيها: إن إسقاط الدكتور مرسي يمثل نهاية للربيع العربي، وذلك يمثل تحولا إستراتيجيا يفوق في أهميته هزيمة مصر ونكستها في عام 1967.
< في 7/4 نشر مركز بيجين ـ السادات للدراسات الاستراتيجية ورقة بحثية على موقعه الإلكتروني للبروفيسور هليل فريتش توصل فيها إلى خلاصة صاغها على النحو التالي: ما شهدته مصر بمثابة زلزال كبير. فقد عادت أرض النيل لديكتاتورية عسكرية على غرار ديكتاتورية مبارك، وانتهى الفصل الأخير من الثورة المصرية.
< في 11/7 نشرت صحيفة هاآرتس مقالة للمفكر الإسرائيلي آرييه شافيت قال فيها إن الأمر محسوم في إسرائيل فـ«كلنا مع السيسي، كلنا مع الانقلاب العسكري، كلنا مع الجنرالات حليقي اللحى، الذين تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة، ونحن نؤيد حقهم في إنهاء حكم زعيم منتخب وملتح».
(4)
إضافة إلى ما سبق فإن كبار خبراء مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي قدموا مجموعة من التوصيات إلى حكومتهم بشأن ما يجب أن تفعله لدعم الانقلاب. وقد ذكروا في تقديم تلك التوصيات أن هدف إسرائيل الرئيسي ليس فقط الحفاظ على علاقات سلام مع مصر في المرحلة المقبلة، بل تعميق تلك العلاقات، لأن المصلحة الإسرائيلية تتطلب تشكيل نظام علماني ليبرالي ذي فاعلية في مصر، لا تمنعه قيود أيديولوجية من مواجهة العناصر المتطرفة.
توصيات أولئك الخبراء (معظمهم من الجنرالات المتقاعدين) أوردها المركز المذكور على موقعه في 11/7، ومن أهمها ما يلي:
1 ـ تعزيز التعاون مع الجيش المصري ومواصلة السماح له بدفع المزيد من القوات في سيناء، وذلك لكي يتمكن من العمل ضد البؤر الجهادية ولكي يتصدى لعمليات تهريب السلاح إلى قطاع غزة.
2 ـ يجب على إسرائيل أن تواصل تعزيز علاقتها وتنسيقها من قيادة الجيش المصري، وفي الوقت ذاته تحرص على بناء مركبات قوتها العسكرية بحيث لا تكون عرضة لمفاجآت في المستقبل.
3 ـ إسرائيل مطالبة ببذل جهود كبيرة من أجل ضمان تواصل الدعم الدولي لقادة العسكر في مصر، وعليها تشجيع المستثمرين الأجانب على تدشين مشاريع البنى التحتية في مصر من أجل توفير فرص العمل على اعتبار أن تدهور الأوضاع الاقتصادية يمكن أن يهدد حكمهم.
4 ـ يجب تشجيع القوى العربية الإقليمية في الخليج والأردن التي عارضت حكم الإخوان على مواصلة تقديم المساعدات لمصر لضمان نجاح الحكم الجديد. وعلى إسرائيل عدم استبعاد إمكانية التنسيق مع تلك الدول والتشاور معها حول كيفية مساعدة حكم العسكر، علاوة على أن هذا التنسيق يمكن أن يتطور بشكل يسمح بإيجاد قاعدة للتعاون ضد إيران والمحور الذي تقوده.
5ـ على إسرائيل البحث عن قنوات اتصال مع الجهات المسؤولة عن الثورة المصرية في الوقت الراهن علها تجد في إسرائيل الطرف الذي بإمكانه أن يوظف إمكاناته وعلاقاته في خدمة الأهداف التي تتوخاها.
لا أريد أن نتعجل في الحكم على الوضع المستجد، لكن الخلفيات التي مررنا بها تسوغ لنا أن نقلق على المستقبل، وأن نتساءل بصوت عالٍ: إلى أين نحن ذاهبون بثورة 25 يناير؟
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4302
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2568
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1170
| 28 سبتمبر 2026