رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سيدي الرئيس أنت تدرك أنك اليوم المؤهل لإنقاذ تونس لأنها انتخبتك بعد ستين سنة عشناها بين عهد بناء الزعيم بورقيبة لدولة حديثة ثم انحرافها في عهد شيخوخته وأمراضه وبين عهد تحول نفس الدولة تدريجيا إلى منظومة ظلم وتشريد واستئصال لم ينقذها الوعي المتأخر جدا من الانهيار.
ولعلي أنا وأنت وعديد الوطنيين الدستوريين المعتدلين الرافضين للاستبداد حاولنا كل من موقعه أن ننصح وأن نحاول تغيير المنكر ولم نفلح لأننا لم نكن راديكاليين ولا متطرفين بل خريجي مدرسة العقلانية والمحاسبة بالنتائج. وأنت تعلم أنني كنت مهندس أول لقاء لك مع الشيخ راشد حين توليت رئاسة الحكومة وطلب مني رئيس النهضة أن أكون وسيط خير بينه وبينك ووفقني الله وقبلت أنت بلا تردد وبدأتما مسار الوفاق الذي توج بلقاء باريس الذي نظمه سليم الرياحي وكانت نتائجه نزع فتيل التصادم والاتجاه معا إلى الحوار الوطني وقد كان. اليوم أنت على رأس السلطة والحلان الوحيدان أمامك حسب رأيي المتواضع هما تنفيذ الإصلاحات الكبرى وتأمين هوية البلاد من الانحرافات.
الحل الأول، هو الإقدام بجرأة أعلم أنها لا تنقصك على تنفيذ الإصلاحات الكبرى التي تحتمها الأزمات الكبرى بعد أن تحنطت القوانين القديمة وأصبحت قطاعات هامة توفر مجالات الفساد والتحايل وأهم هذه القطاعات الجباية والديوانة لإعادة النظر جذريا في نظم العدالة الجبائية وتغيير إجراءات سيارات العاملين بالخارج (أف سي أر) بصورة تغير العبث الراهن وتغذي خزينة الدولة وتنقذ أرواح المواطنين الذين يموتون في الطرقات بسبب سيارات عمرها نصف قرن (186 ضحية لشهر مارس الماضي). وكذلك مجال الأراضي الاشتراكية وأملاك الدولة التي تحولت إلى عائق يعطل التنمية والتشغيل وأنفع للبلاد أن يتحول وزير أملاك الدولة إلى وزير توزيع أملاك الدولة يعتق الدولة من هذا العبء الذي كبلها عقودا فالدولة ليست إقطاعية ولا مستعبدة للناس.
وقس على ذلك ملف المناطق الحدودية التي تعيش على التجارة البينية مع الشقيقتين الجزائر وليبيا منذ قرون واليوم نكتشف أن القوانين لم تعد تستجيب لحاجيات عصرنا فلتكن بيننا وبين الشقيقتين مناطق للتجارة الحرة المضبوطة بقوانين جديدة تراعي الواقع وتصالح الناس مع القانون. وفي سجل مختلف اعملوا سيدي الرئيس بحزم على إجراء تعديلات على القوانين المنظمة للأسرة ببعث هيئة مستقلة من علماء الاجتماع والقانون والقضاة والمحامين والمجتمع المدني حتى تنقذوا المجتمع من ظاهرة استحالة البت في ملفات الطلاق والحضانة وحتى تنقذوا الأسرة من تحطيم تونس لأرقام قياسية في نسب الطلاق والعنوسة وتناول المخدرات والأمراض النفسية والأمهات العازبات وتفاقم الإجهاض والإنجاب خارج مؤسسة الزواج وتصدير شبابنا إلى الحركات المتطرفة.
هذه الأرقام أمامكم وهي نتيجة مباشرة لتفكك الروابط الأسرية وفقدان سلطة الأب وانتشار التحايل على تلك القوانين البالية ومنتهية الصلاحية. وأذكركم بأن الرئيس الفرنسي الذي صفق لكم حين استعرضتم أمامه مكاسب المرأة التونسية هو نفسه متزوج ثلاث مرات على العرف الجاري، ويدرك بأن قوانين بلاده لا تبيح حشر الدولة في الحياة الشخصية لمواطنيه ويعرف أن 54% من المواليد الفرنسيين ولدوا خارج مؤسسة الزواج التقليدية.
وفي سجل آخر تقتضي الأزمة الاقتصادية إعادة الاعتبار للقطاع العام الذي وقع تهميشه منذ 1987 تحت ضغط بعض رجال الأعمال المتغولين وتعليمات صندوق النقد الدولي فأصبح لنا تعليم عام هزيل وتعليم خاص رفيع وأصبحت لدينا مستشفيات عامة بائسة ومستوصفات خاصة مجهزة وأصبحت عندنا وسائل نقل عام خردة ووسائل نقل خاصة مكيفة (5 نجوم)، وبالتالي أصبح لدينا تمييز عنصري طبقي بين مواطن عادي له الحق في الخدمات الحكومية العامة المهترئة ومواطن مرفه وغني يتمتع بالخدمات الخاصة إنها كارثة وطنية إذا تحول القطاع الخاص إلى التجارة في كل شيء (التعليم والصحة والنقل وخبزة المواطن)، وتقلص القطاع العام إلى ملجأ للفقير وضعيف الدخل! والمثل الساطع على هذا التدهور هو مثل الديوان القومي للصيد البحري الذي أنشأ بقانون ثم ألغي بأمر فكان الناس يأكلون سمك بحرهم بأسعار معقولة ثم فرطت الدولة في هذا المرفق العام وباعت ممتلكاته من بحيرات ومراكب صيد ومحلات نظيفة للبيع بالتفصيل فارتفعت أسعار السمك إلى عشرة أضعاف في ظرف سنوات قليلة! ثم إن الإصلاح الأهم يتعلق بإنقاذ هوية البلاد من كل التطرفات باسم الدين والشرع أو باسم العلمانية والحداثة، لأن كليهما تطرف مرفوض وذلك بإعادة صياغة التربية وبرامج التعليم بتحديث المناهج وتغيير غاية التعليم من مؤسسة لإنتاج العاطلين إلى مؤسسة لإنشاء المواطنين تحقق مجتمع المعرفة وأغرب المفارقات أن بلادنا صنفت في الستينات من قبل صندوق الأمم المتحدة للتنمية في نفس درجة التطور والقابلية للنمو والمقدرات الطبيعية والكفاءات البشرية مع كوريا الجنوبية! نعم كنا معها في نفس الدرجة واليوم بعد جيل واحد نكتشف أن الميزانية التونسية السنوية كلها تتعادل مع ثلث ميزانية شركة (سامسونج) وحدها كما أن تونس كانت لها في السبعينات نفس مقومات التقدم التي كانت لبلاد مثل فنلندا (من حيث الموارد والمعوقات) واليوم نجد أن ميزانية بلادنا تساوي نصف ميزانية شركة (نوكيا)! الحقيقة التي غفلنا عنها منذ ستين عاما، وما نزال، هي أن التنمية ظاهرة ثقافية وليست ظاهرة اقتصادية بمعنى أن التقدم وكذلك التخلف هما من نتاج الإرادة السياسية وتحرير الإنسان من التبعية والتذيل وإحياء شعوره بالنخوة والمجد وأنه مواطن حر وأمامه سبل الابتكار والمبادرة وأن لديه هوية ولغة وحضارة لا أن تنطلق الحركات الانحرافية باسم العلمانية اليوم مستغلة تفاقم ظاهرة الإرهاب وهو مدان بكل المقاييس لتغير من الهندسة الوراثية للشعب وتشكك حتى في ثوابت الإسلام فرأينا ما لم يكن بورقيبة يرضاه من (كاستنغ) لانتداب ممثلين وممثلات للأفلام الخليعة أي تصدير بناتنا حفيدات السيدة أروى القيروانية زوجة الخليفة أبي جعفر المنصور وفاطمة الفهرية والعزيزة عثمانة للتمثيل في أفلام الدعارة من قبل شركة (هوت شوت بورنو) بدون أي بيان إحتجاج من أية مؤسسة دينية أو مدنية كما تعددت دعوات من بعض النساء لإلغاء تعليم القرآن وتطهير الكتب المدرسية (نعم تطهير!) من تاريخنا الإسلامي ومن طارق بن زياد والفاتحين وامرأة أخرى تنادي بتحرير الزواج المثلي واعتبار حقوق الزوج على زوجته "اغتصابا" وإحدى الجامعيات تقول على صفحتها الإلكترونية: (الشريعة بلوها واشربوا ماءها) كما أن أحد الوزراء الذي أقسم مثل زملائه على صيانة الدستور سمعه الناس يصرح عدة مرات على الفضائيات بأنه لا يوافق على أن الدولة التونسية دينها الإسلام لأن الدولة حسب رأيه ليس لها دين (كما جاء في الفصل الأول من الدستور الذي أقسم هذا الوزير على صيانته!).
سيدي الرئيس إن دستور البلاد وهويتها السمحاء وإصلاحاتها الكبرى أمانة في عنقك فتوكل على الله.
ثوابت الدبلوماسية القطرية.. جهود متواصلة من أجل السلام
تصدرت رؤية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الموقف القطري خلال أعمال... اقرأ المزيد
171
| 02 أكتوبر 2026
أمير البلاد المفدى يرسم رؤية قطر للمستقبل
في خطاب حمل رؤية قطر لأمن المنطقة ومستقبل النظام الدولي، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد... اقرأ المزيد
192
| 25 سبتمبر 2026
الأمم المتحدة تكرم قائداً بنى وطناً وترك أثراً في أمته
لم يكن تكريم الأمم المتحدة لروح المغفور له بإذن الله، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،... اقرأ المزيد
279
| 18 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12186
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10794
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026