رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد السليطي

• المحاضر في كلية القانون بجامعة حمد بن خليفة

مساحة إعلانية

مقالات

303

د. أحمد السليطي

حوكمة الاستثمار من أجل التنمية المستدامة

16 فبراير 2026 , 03:17ص

يشهد مشهد الاستثمار العالمي مرحلة حاسمة من التحول، حيث تعيد الدول النظر في سبل تمكين اتفاقيات الاستثمار الدولية، والأطر التنظيمية المحلية، وآليات التيسير لدعم التنمية المستدامة. وفي الوقت نفسه، يولي المستثمرون أولوية متزايدة للسلطات القضائية التي توفر القدرة على التنبؤ، والشفافية، والالتزام الواضح بالتنمية والابتكار على المدى الطويل.

وبالنسبة لدولة قطر، تأتي هذه المناقشات في وقت بالغ الأهمية، فاستنادًا إلى رؤية قطر الوطنية 2030 واستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة (2024–2030)، تسرّع الدولة وتيرة انتقالها نحو اقتصاد مرن، ومتنوع، وقائم على المعرفة. وبعد أن كانت حوكمة الاستثمار تصنف، لفترة طويلة، على أنها جزء من المجال القانوني التقني، أصبحت اليوم عنصرًا أساسيًا في استراتيجيات التنمية الوطنية. وقد وفر المؤتمر الأخير الذي نظّمه كرسي اليونسكو للقانون البيئي والتنمية المستدامة في جامعة حمد بن خليفة، بالتعاون مع فرع مجلس التعاون الخليجي للجمعية الدولية للقانون، وجهات أخرى، منصة استراتيجية لبحث آلية دعم أطر الاستثمار الحديثة لمسارات التحول.

من تدفقات رأس المال إلى مخرجات التنمية

تمثلت إحدى الرسائل الأساسية المستخلصة من هذا الحوار في أن أهمية الاستثمار لا تقتصر على جذب رأس المال فحسب، بل تتضمن تمكين التحول الهيكلي أيضًا. إذ لم يتم تصميم النماذج التقليدية لحماية الاستثمار مع مراعاة الاستدامة، أو الابتكار، أو التنمية البشرية، فقد ركزت هذه النماذج في المقام الأول على حماية المستثمرين من المخاطر السياسية. ومع ذلك، لتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وبناء اقتصادات قادرة على إنتاج واستقطاب المعرفة والتكنولوجيا المتطورة، فإن الدول بحاجة إلى أنظمة استثمار تقدم أكثر من ذلك بكثير.

كما تسعى اتفاقيات الاستثمار الدولية الحديثة وأدوات التيسير إلى مواءمة تدفقات الاستثمار مع أولويات التنمية الوطنية. ويساعد ذلك الدول على توجيه الاستثمار الأجنبي المباشر نحو القطاعات عالية القيمة وتعزيز السلوك التجاري المسؤول والمستدام، وغيرها. وبالنسبة لدولة قطر، تُعد هذه العناصر هدفًا طموحًا وأمر لابد منه في آنٍ واحد؛ فالاقتصاد القائم على المعرفة يعتمد على القدرة على استقطاب مستثمرين يجلبون رأس المال، والمواهب، والتكنولوجيا، والشراكات العالمية. وتوفّر أهداف التنمية المستدامة إطارًا سياسيًا متماسكًا لتوجيه هذا التحول، ولا سيما في مجالات الابتكار (الهدف 9)، ورأس المال البشري (الهدف 4)، والصناعة المستدامة (الهدف 12)، والمؤسسات القوية (الهدف 16).

أدوات الابتكار والقدرة التنافسية

شهدت الممارسات التعاهدية خلال العقد الماضي تحولات ملحوظة، إذ باتت الحكومات تصوغ اتفاقيات الاستثمار الدولية بهدف صريح يتمثل في تحقيق التوازن بين ثقة المستثمرين والمساحة السياسية السيادية، وهما عنصران أساسيان لاستدامة الاقتصاد القائم على المعرفة. وتشمل التوجهات الرئيسية الاعتراف الصريح بالحق في التنظيم، بما يتيح للحكومات الحفاظ على المرونة اللازمة لإقرار السياسات المتعلقة بالصحة العامة، والبيئة، والبيانات، والابتكار، والتحول الرقمي. كما تساهم بنود الاستدامة والأعمال المسؤولة في مواءمة الاستثمار مع الأهداف الوطنية والعالمية للتنمية.

وبالنسبة لدولة قطر، تكتسب هذه الابتكارات التعاهدية أهمية مباشرة، فمع توسّع الدولة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحيوية، والصناعات الإبداعية، يبحث المستثمرون بشكل متزايد عن البيئات القانونية التي تتسم بالقدرة على التنبؤ، والشفافية، ودعم الابتكار. وتعزّز اتفاقيات الاستثمار الدولية الحديثة مصداقية دولة قطر في هذا الخصوص، من خلال الإشارة إلى البيئة التنظيمية المتوازنة والتطلعية في الوقت نفسه.

حقوق الملكية الفكرية: عملة الاقتصاد القائم على المعرفة

من السمات المميزة للاقتصاد العالمي المعاصر أن الأصول غير الملموسة مثل البيانات، والخوارزميات، وبراءات الاختراع، والعلامات التجارية، وحقوق المؤلف باتت تشكّل أكثر من 90% من قيمة الشركات على مستوى العالم. وبالنسبة للدول التي تطمح إلى بناء اقتصادات قائمة على المعرفة التنافسية، فإن حقوق الملكية الفكرية تعد عنصرًا أساسيًا في استراتيجية التنمية الوطنية؛ لذا تسلط المناقشات في هذا الإطار الضوء على الأدوار الحاسمة لحقوق الملكية الفكرية في الحوكمة الحديثة للاستثمار.

كما يجب تسخير حقوق الملكية الفكرية لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر المكثف في مجال الابتكار. إذ تتطلب شركات صناعة الأدوية، والتكنولوجيا الحيوية، والتكنولوجيا الرقمية، والألعاب، والإعلام أنظمة ملكية فكرية قوية وقابلة للتنبؤ. ويبرز انضمام دولة قطر إلى معاهدة التعاون بشأن البراءات، ونظام مدريد، ومعاهدات الويبو الرقمية للمبتكرين العالميين بأن قطر توفر حماية حديثة ومتوافقة دوليًا للملكية الفكرية.

ويشجّع الإطار القوي للملكية الفكرية على الاستثمار في الشراكات البحثية المحلية، والمشاريع المشتركة، ومنظومات الابتكار. كما يدعم الجامعات ومراكز البحوث في تسويق مخرجاتها، وهي خطوة لازمة لبناء القدرات الوطنية. وبالنسبة للمنظومات المعرفية في طور النمو، يجب أن تتعايش حماية الملكية الفكرية مع مساحة السياسات العامة، بما في ذلك المرونة المنصوص عليها في الاتفاق المتعلق بالجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية، والاستثناءات المتعلقة بالصحة العامة، والتدابير الداعمة للمبتكرين المحليين.

ويعكس نهج دولة قطر في تعزيز حقوق الملكية الفكرية مع الحفاظ على الاستقلالية التنظيمية أفضل الممارسات الدولية. ومع تقدم الدولة نحو اقتصاد قائم على المعرفة، ستعمل حقوق الملكية الفكرية بشكل متزايد كبنية تحتية للابتكار، وتشكيل أنماط الاستثمار، وتمكين التحديث التكنولوجي.

وفي حين تحدد المعاهدات إطار العمل العام، فإن المستثمرين في نهاية المطاف يقيّمون الدول بناء على جودة مؤسساتها. ويرسم اتفاق تيسير الاستثمار من أجل التنمية التابع لمنظمة التجارة العالمية خارطة طريق عملية لتحسين الشفافية، وتعزيز الكفاءة الإجرائية، وتقليل العوائق الإدارية، وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية.

وأما بالنسبة لدولة قطر، حيث تؤدي المؤسسات مثل وكالة ترويج الاستثمار في قطر دورًا تسهيليًا قويًا، فإن التوافق مع مبادئ التنمية المالية الدولية يمكن أن يعزز ثقة المستثمرين، لا سيما في القطاعات المتقدمة التي تعتمد على السرعة، والوضوح، والقدرة على التنبؤ التنظيمي. ولا يمكن للاقتصاد القائم على المعرفة أن يزدهر دون أنظمة تنظيمية فعّالة تُيسّر على المستثمرين الابتكار، والتشغيل، وإعادة الاستثمار.

مساحة إعلانية