رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصبح تدريب الموظفين وإعدادهم للقيام بالمهام الوظيفية الملقاة على عاتقهم من الأولويات لدى جميع الجهات التي تسعى الى الارتقاء بما تقدمه من خدمات وأعمال مختلفة تسهم في رقي وتقدم الخدمات والاداء العام لمختلف القطاعات على حد سواء، وهذا أمر جيد لأن التدريب والدورات التدريبية يساهمان في رفع كفاءة الموظفين وإعطائهم معلومات وطرقا حديثة لم يكونوا يعرفونها من قبل، لكن الملاحظ أن كثيرا من البرامج التدريبية التي تقدمها بعض الجهات ليست بالمستوى المطلوب من حيث النوعية والتخصص، حيث يتم إخضاع الموظفين من مختلف التخصصات لدورات عامة قد تنفع البعض لكنها لا تقدم أي شيء يعود بالفائدة على البعض الآخر، لذلك فإنه -على سبيل المثل- يجب التفريق بين أنواع الادارات التي يعمل فيها المنتسبون لهذه الدورات، فالشؤون الادارية تختلف عن الشؤون القانونية وغيرها من الادارات الفنية والتقنية والادارات التخصصية البحتة، فمثلا هناك جهات مهنية تتطلب العمل الميداني والممارسة الفعلية حتى يتم اكتساب الخبرات ومهما أعطي الموظف من دورات تدريبية فإنها لا تغير من الواقع شيئا، وسيظل الموظف مهما حصل على دورات تدريبية غير قادر على أداء المهام بالشكل المطلوب طالما لا يزال يسير في برامج في غالبها تعد برامج نظرية لا تلامس الواقع المهني والوظيفي للموظف الا من خلال نصائح عامة لا يمكن الاستفادة منها أحيانا على أرض الواقع الذي يختلف تماما عن النظريات والتصورات الذهنية غير الواقعية في أحيان كثيرة، وهنا نرى أن بعض القائمين على بعض الادارات لا يعلمون كثيرا في تفاصيل العمل التخصصي الذي يديرونه وهذا يؤدي الى الكثير من الاشكالات التي تعد أساس كل الاخفاقات وتراجع الاداء في بعض الادارات والجهات المختلفة.
لذلك فالأعمال خاصة التخصصية منها تحتاج الى تدريب عملي ميداني كاف قبل الالتحاق بالوظيفة ويمكن أن يخضع الموظف لهذا التدريب في جهة عمله من خلال الاحتكاك بأصحاب الخبرات في إدارته حتى يصبح قادرا على أداء المهام بكل اقتدار، وهذه الطريقة هي الافضل والاقدر على توصيل المعلومات والخبرات للموظفين الجدد على الاطلاق، حيث تنتقل الخبرات من خلال الممارسات اليومية والتواصل المباشر مع الموظفين القدامى وأصحاب الخبرات ومعرفة كل أسرار العمل المهنية وتفرعاتها والوقوف على تجارب وممارسات لا يمكن الوصول اليها عبر الدورات مهما كانت تخصصية لأن مثل هذه الدورات تعطي روؤس أقلام ومفاتيح فقط يمكن الاسترشاد بها لكنها لا تعطي أجوبة عن كل الأسئلة ولذلك يبقى الاتصال بالخبرات في مواقع العمل هي المصدر الاساسي لمنح الخبرات واكتساب المهارات المهنية لكل موظف يبحث عن الإتقان في العمل الذي يؤديه، ثم بعد ذلك لا إشكال في أن يتدرج الموظف في السلم الوظيفي حسب إمكانياته ولا شك أن الموظف في مثل هذه الحالة سوف يكون منتجا وكلما تقدم في عمله زادت خبرته وأصبح مؤهلا للمزيد من المهام الوظيفية في المستقبل وحين يصل الى قيادة الادارة أو الجهة التي يعمل فيها فإنه سيكون مؤثرا ومنتجا بشكل كبير لأنه عرف كيف تسير الأمور بكل تفاصيلها وسيعلم كيف يتعامل مع مختلف التغيرات التي تواجهه وكذلك سيكون مصدر إلهام وتشجيع للطاقم الذي يعمل معه، لكن بالمقابل حين يأتي قائد الى أي إدارة عبر «البراشوت» كما يقال فإن النتائج غالبا تكون عكسية، وهذا مشاهد على أرض الواقع، فالمدير الذي يعين دون خبرات كافية يصبح المقياس لديه في الادارة مختلا ولا يراعي الاولويات الوظيفية التي تفيد العمل بل تصبح أولويات هذه العينة بعيدة كل البعد عن المهنية والمصلحة العامة وتدخل الادارة التي يديرها مدير دون خبرات كافية في متاهات لها أول وليس لها آخر، وكل ذلك لأنه لم يخضع للتجارب العملية الكافية التي تؤهله للقيادة وتمنحه أفقا واسعا ليكون قادرا على اتخاذ القرارات المناسبة بما يتوافق ومصلحة الادارة أو الجهة التي يديرها، وبالتالي فإن العمل على تعزيز العمل الميداني للموظفين من خلال الممارسات اليومية الفعلية في أماكن العمل وتبادل الخبرات مع الموظفين والمختصين من أصحاب الخبرات هو الاسلوب الافضل للارتقاء المهني للموظفين خاصة الجدد منهم وممن ليس لديهم خبرات مهنية كافية بغض النظر عن سنوات العمل الطويلة للبعض، حيث تبين ان طول السنوات في العمل ليست معيارا صحيحا لقياس الخبرة لأن بعض الموظفين يمارسون أعمالهم بطرق تقليدية على مدار سنوات ولا يقومون بتطوير أدائهم رغم خضوعهم لدورات تدريبية تكون مطلوبة لحصولهم على الترقيات، وهو ما يرجعنا الى نقطة الانطلاق لكل تطور وظيفي وهو اكتساب الخبرات من أصحاب الخبرات في العمل والبناء عليها والتركيز عليها حتى تعم الفائدة على جميع الموظفين ويصبحوا قادرين على أداء مهامهم بكل مهنية واقتدار وبما يعود بالنفع عليهم وعلى الجهات التي يعملون فيها وعلى العمل المؤسسي السليم والصالح العام في آن واحد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتب وصحفي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2004
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
747
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
696
| 25 يناير 2026