رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ظل المشهد السياسي السوداني بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير بين مطرقة العسكر وسندان المدنيين؛ فهم في تنافس محموم وإلى وقت قريب كانت المباراة بينهما متعادلة الأهداف. بيد أنه في الأشهر الأخيرة أخذ العسكر يسددون أهدافا ترجيحية لصالحهم. ولعل مؤسسة الجيش فضلا عن امتلاكها القوة العسكرية، لها باع طويل في حكم البلاد ففي الفترة ما بعد الاستقلال حتى اليوم بلغت نحو 65 عاما بينما بلغت سنين حكم العسكر زهاء 54 عاما.
فالعسكريون اليوم يمتلكون تفوقا لوجستيا من خلال القدرة على التحكم في التضاريس: السياسة والتخطيط والتطبيق والتحكم في تدفق الخطاب السياسي بل وتخزين المواقف السياسية بشكل مرن وفعّال بهدف الوصول للمواطن السوداني الذي على ما يبدو يقترب في مزاجه العام من العسكريين ويثق فيهم أكثر من المدنيين. وفوق ذلك بدا أن العسكريين يمتلكون رؤية مستقبلية بشأن إدارة المرحلة الانتقالية بينما ركز المدنيون على الانتقام والتشفي من خصومهم السياسيين السابقين.
وكان العسكريون والمدنيون قد توصلوا إلى اتفاق في أغسطس 2019 ينص على انتقال تدريجي للسلطة إلى المدنيين. ولكن تدهورت في الأشهر الأخيرة، العلاقات بين الحكومة التي يديرها مدنيون، وبين العسكريين. وبالتوقيع على اتفاق وثيقة الإعلان الدستوري بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، بدا أن متاعب العسكريين قد انتهت بينما بدأت متاعب المدنيين في ظل تدهور اقتصادي لا مثيل له في تاريخ البلاد.
مع نشوب التوتر العسكري في الحدود السودانية الإثيوبية شرقا الاسابيع الماضية سجل العسكريون هدفا ذهبيا في شباك المدنيين، فقد زار الجنرال عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد الأعلى للجيش المنطقة الحدودية مرتين خلال أقل من 3 أسابيع ملتحما مع جنوده هناك، مطلقا حملة تعبوية واستنفارية يبدو أنها تنفذ بشكل منهجي وجاد. وكان البرهان قد أمر قواته بالانتشار في منطقة زراعية خصبة واسعة تعرف بالفشقة كانت تستغلها ما يطلق عليه السودانيون اسم مليشيات الشفتة الاثيوبية التي ظلت تحتل تلك المنطقة التي يقول السودانيون أنها داخل حدودهم الدولية، زهاء عقدين من الزمان، وهذا قوى بكل تأكيد موقف العسكريين.
سياسيا بدا العسكريون أكثر ثباتاً في التعامل مع ملف السلام مع 5 حركات مسلحة و4 حركات سياسية، في حين طغى التشرذم واختلاف المواقف على المكون المدني، الذي تقوده قوى الحرية والتغيير. وأظهر رئيس الوفد الجنرال محمد حمدان دقلو نائب رئيس مجلس السيادة واقعية وصدقاً واستجابة لمطالب الحركات خلال التفاوض، وزادت الثقة بينه وبين قادتها، حتى وُصف بـرجل السلام القوي في السلطة الانتقالية.
ومن ثمار اتفاق السلام التي قطفها العسكريون بدء فترة انتقالية جديدة في البلاد تستمر 3 سنوات بداية من تاريخ نفاذه ووقع في اكتوبر الماضي. وكانت الفترة الانتقالية الأولى قد أعقبت سقوط نظام الرئيس البشير ومدتها 39 شهرا، يرأس فيها البرهان مجلس السيادة لمدة 21 شهرا بينما يرأسه أحد المدنيين بالتبادل 18 شهرا. لكن الاتفاق الأخير منح الرئاسة للبرهان حتى نهاية الفترة الانتقالية الثانية دون تبادل مع المدنيين.
المدنيون حاولوا عبثا أن يشنوا هجوما مضادا ضد شركائهم العسكريين لاعادة التوازن الذي اختل؛ فأطلق رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، انتقادات للجيش والأجهزة الأمنية، معتبرا أن استثماراتهما في القطاعات المنتجة في البلاد أمر غير مقبول. في المقابل استغل الجنرال البرهان اشتداد الضائقة المعيشية ورفع الدعم عن السلع الأساسية شانا هجوما مباشرا على حكومة حمدوك، واتهمها بـالفشل وسوء الإدارة والتخطيط، مما أنتج عدداً كبيراً من الأزمات التي تعيشها البلاد. وقال انّ الأحزاب التي تسلمت الحكومة المدنية قد استنزفت الفترة الانتقالية في الصراعات على الوزارات ومناصب الولاة والمحاصصات من دون أن تضع في أولوياتها تنفيذ خطة للنهوض الاقتصادي. وذهب البرهان بعيدا عندما قال إنّ الجيش سيكون رهن إشارة الشعب كما حدث في أبريل 2019 حين أطيح بالرئيس البشير. وردا على دعوات المدنيين إعادة هيكلة الجيش اعتبرها البرهان دعوات لتفكيك الجيش معتبراً أنّ ذلك يعني تفكيك وحدة السودان وشعبه. وتعهّد بالدفاع عن الثورة حتى تصل لغاياتها.
ومكايدة للعسكريين سعت حكومة حمدوك إلى طلب بعثة أممية شاملة باسم (يونيتامس) بزعم المساعدة فى الانتقال السياسي والانتقال إلى الحكم الديمقراطي، من أجل حماية حقوق الإنسان والسلام الدائم، كما تساعد فى استحضار الاهداف الاساسية لدستور البلاد. لكن الهدف الحقيقي قطع الطريق أمام العسكريين حتى أن المنتقدين وصفوا رئيس البعثة بالحاكم العام لكثرة المهام التي يطلع بها في السودان.
دوليا عزز العسكر موقفهم بمبادرة البرهان بالتطبيع مع إسرائيل بهدف التأمين لخطوات قادمة في سبيل احتفاظه بالسلطة وقلب ظهر المجن للمدنيين. ولو أن البرهان قام بأي تحرك يغضب المدنيين غير التطبيع مع اسرائيل لوجد المدنيون دعما دوليا إلا في هذه المسألة.
لقد ارتكبت مكونات الحكم الانتقالي بشقيها العسكري والمدني أخطاءً كثيرةً بدت في البداية صغيرة وطبيعية وفي حد معقول لكن في عالم السياسة تلد الأخطاء الصغيرة الأخطاء الكبيرة إن لم يتم تداركها قبل أن تتكاثر. وإن كان ممكنا إصلاح الأخطاء الصغيرة في مهدها، إلا أنه يستعصىي إصلاح الكبير منها، إلا أنه بينما يرتكب السياسيون الأخطاء الصغيرة، تدفع الشعوب ثمن الأخطاء الكبيرة. ورغم أنه ليس هناك ما يشير إلى إمكانية الاصلاح مع ازدياد تعقيد الاشكالات السياسية لكن الشجاعة الأعلى كعباً أن يعتمد شركاء الفترة الانتقالية النقد الذاتي، والمراجعة العميقة لأدائهم. كلا الطرفين يتجاهلان التخطيط والاعداد لانتخابات عامة بل يتجنبان مجرد ذكرها والحديث عنها. حتى المجلس التشريعي بالتعيين لم يتم تعيينه طيلة الفترة الماضية وينتظر أن يكتمل مع دخول الحركات الموقعة على السلام الحكومة الجديدة. هذا فيما تخنق الأزمة الاقتصادية البلاد خنقا مع توقف عجلة المشروعات التنموية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10461
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3498
| 22 أكتوبر 2026