رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يخوض المحافظون الجدد معركة ساخنة ضد المرشح الذي اختاره الرئيس الأمريكي لمنصب وزير الدفاع، في محاولة منهم للتسلل إلى بؤرة المشهد السياسي بعد أن أطاح انتخاب أوباما لفترة ثانية بفرصهم للعودة الرسمية بصحبة الجمهوريين. فبمجرد أن أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، عن ترشيح السيناتور السابق "تشاك هاجل" لتولي منصب وزير الدفاع "البنتاغون"، حتى شنت جوقة اليمين المحافظ حربا شعواء على المرشح الجديد وذلك للحيلولة دون استمرار "النهج الانعزالي" الذي وسم أداء الرئيس أوباما، والذي يشتهر أن المرشح الذي اختاره لرئاسة البنتاغون يفضله أيضا.
ولكن بدلاً من انتقاد المرشح الجديد لميوله اللاتدخلية اتبع المحافظون الجدد الطريق الأسهل وبدأوا في التشهير بالوزير المحتمل بوصفه معاديا لإسرائيل، وقد تضمنت القائمة التي أعدها منتقدو هاجل اتهامات من نوعية "أنه تجرأ في السابق على دعوة إسرائيل لاتخاذ خطوات عملية لتحقيق السلام في الشرق الأوسط،" وأنه "تجرأ على الافتخار بأنه ليس ممن يدعمون إسرائيل دعما مطلقاً"، ثم هو "غامر بالقول إنه من القلائل الذين لا يرهبهم اللوبي الصهيوني أو المنظمات الداعمة لإسرائيل مثل أيباك،" مثل هذه الخطايا التي لا تغتفر، والتي جمعها الأمريكي المتصهين وليام كريستول في مقالة الأخير بصحيفة الويكلي ستاندرد، هي ما تبرر من وجهة نظره ونظر المحافظين الجدد الوقوف ضد ترشيح هاجل للمنصب الأخطر في الحكومة الأمريكية.
إلا أن هذه اليافطات المثيرة لا تحجب حقيقة موقف المحافظين الجدد والمتمثل في رغبتهم في وضع حد للأداء غير التدخلي لإدارة أوباما، ودفعها دفعاً إلى تبني نهج التدخل بالقوة المسلحة كما كان الحال في ظل إدارة بوش الابن. وبالمثل فإن هاجل المعروف عنه كراهيته لأسلوب التدخل المنفرد واستعراض القوة يتضاد على طول الخط مع سياسة المحافظين الجدد القائمة على فرض الهيمنة الأمريكية حيثما أمكن ذلك. ويذهب المحافظون الجدد أنهم وإن فقدوا فرصة ترشيح أحد الصقور لهذا المنصب فليس أقل من الحيلولة دون أن يتولاه أحد الحمائم، فاختيار هاجل من وجهة نظرهم سوف يؤكد العقيدة اللاتدخلية للرئيس أوباما، في الوقت الذي يرون فيه الأجواء الدولية مناسبة لتنفيذ مشروع القرن الأمريكي وخاصة في الشرق الأوسط الذي يشهد أجواء تسمح للولايات المتحدة بالتدخل على نحو أيسر من ذي قبل.
من جانبه يتبنى الحزب الجمهوري نفس موقف المحافظين الجدد إزاء ترشيح هاجل رغم كون الأخير منتميا للحزب الجمهوري، وذلك لما يأخذه الحزب عليه إلا من استقلال عن الخط الجمهوري في العديد من القضايا. فقد كان هاجل ممن أعلنوا دعمهم صراحة لأوباما خلال الانتخابات الرئاسية عام 2008 ضد المرشح الجمهوري جون ماكين، كما كان متشككا في جدوى إرسال الأمريكيين إلى القتال من دون إستراتيجية واضحة، كما كان الحال في العراق وأفغانستان. أما أبرز عناصر التميز في شخص هاجل فهو إيمانه بضرورة العمل الجماعي ضمن إطار المنظمات الدولية، حيث كان دائما ما ينتقد النزعة الأمريكية لتجاهل الأمم المتحدة، وهذا ما وضعه في موقع مناقض لفكرة التدخل المنفرد المفضلة لدى الجمهوريين. ونظرا لأن تعيين هاجل كوزير للدفاع يتطلب مصادقة مجلس الشيوخ الأمريكي والذي لا يتمتع الديمقراطيون فيه بالأغلبية الكافية. فإن هذا يعني أنه من الضروري أن يؤيد أعضاء جمهوريون في المجلس اختيار هاجل ليتمكن من تولي منصبه الجديد، ولهذا يتوقع أن يثير ترشيح هاجل حالة من الجدل المحموم في أروقة السياسة الأمريكية في الأيام القادمة.
أما عن لجوء المحافظين الجدد، يدعمهم الجمهوريون، إلى يافطة "معاداة السامية" للتشهير بالمرشح الجديد بدلاً من الحديث مباشرة عن رغبتهم في استئناف سياسة التدخل بالقوة المسلحة في شؤون الآخرين، فيفسرها فشل تجربة التدخل الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان وبشكل لا يمكن حتى لصقور المحافظين الدفاع عنه أو تبريره، ومن ثم فإن محاولة انتقاد المرشح الجديد لإدانته هاتين التجربتين هي من الصعوبة بمكان، خاصة وأن هاجل كان جنديا محاربا، ولكنه رغم ذلك يؤمن بأن هناك طرقا أخرى لحل الأزمات الدولية بدلا من القوة. ولهذا تم العدول عن خطاب الهيمنة إلى الاتهام بمعاداة السامية وكراهية اليهود.
إن الانحياز الأمريكي لإسرائيل لم يعد أمرا مثيرا للدهشة، كما لا يثير اختيار "مدى الولاء لإسرائيل" كمعيار للترقي في الوظائف المهمة مفارقة تستحق التوقف، فقد صارت هذه من العيوب المزمنة في السياسة الأمريكية، وليس مستبعدا أن تؤدي الانتقادات التي وجهها هاجل لإسرائيل في السابق بالإدارة الأمريكية إلى استبعاده لصالح مرشح آخر، (خاصة بعد تجربة سوزان رايس التي تخلت عن طموحها بتولي وزارة الخارجية خلفا لهيلاري كلينتون بعد معارضة عدد من كبار أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين لتوليها هذا المنصب). ولكن حقيقة ما يجري الآن على المسرح السياسي الأمريكي ليس متعلقا بمحبة إسرائيل كما يدعي المحافظون الجدد، ولكنه يتعلق أساسا بالرغبة في إعادة أجواء الحرب على الإرهاب، والتدخل المسلح فيما كانت إدارة بوش تسميه "الدول المارقة"، يضاف إليها حاليا رغبة اليمين المتطرف في استغلال أجواء الربيع العربي لتنفيذ سيناريوهات الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد.
هذه الأجواء تستدعي من دول الربيع العربي تنبها خاصاً، إذ يتعين عليها أن تستغل النزعة اللاتدخلية للرئيس الأمريكي باراك أوباما، والذي وضح تفضيله الاهتمام بالشأن الأمريكي الداخل عن الانغماس في القضايا الدولية، في استكمال مؤسساتها الداخلية وهي تحت الحد الأدنى من الضغوط والتدخلات الأمريكية، خاصة أن هذه التدخلات يمكن أن تتضاعف لو نجح المحافظون الجدد في تأكيد حضورهم في المشهد السياسي، أو تمكنوا من استعادة زمام السيطرة على السياسة الخارجية وقضايا الدفاع، كما كان الحال في المرحلة المشئومة الموسومة بمرحلة الحرب على الإرهاب، والتي مازال الكثير من العرب يعانون من آثارها حتى اليوم.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2335
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
945
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
834
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12171
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10641
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3687
| 22 أكتوبر 2026