رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رُوي عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال عن وطنه (مكة): "ما أطيبَكِ من بلدٍ، وأحبّكِ إلىّ! ولولا أنَّ قومكِ أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ " أو كما قال سيد الخلق. يتبين من ذلك أن حب الوطن فطرة إنسانية جبل الله الناس جميعاً عليها منذ بدء الخليقة، بل إنه قيلَ إنَّ من علاماتِ رجاحةِ العقل أنْ تكون النفس لبلدها تواقة وإلى مسقط رأسها مشتاقة. أحد الشعراء يصف حبه لوطنه رغم انعدام مقومات الحياة فيه قائلاً:
كُنا أَلِفْناها ولم تكُ مأْلفاً وقد يُؤْلفُ الشيءُ الذي ليس بالحسنْ
كما تُؤْلفُ الأرضُ التي لم يَطِبْ بها هواءٌ ولا ماءٌ لكنها وطنْ
بعد بضعة أيام نعانق من جديد ذكرى الثامن عشر من (ديسمبر) وتعانقنا مجدداً كدأبها كل عام، معلنةً قدوم اليوم الوطني لوطننا العزيز. لا بأسَ، بل ومن المهم، أن يُظهر الشعب فرحته (الاستثنائية) بوطنه بعفوية "و هو في الغالب، المعيار الذي يدلل على صدق التوجه الشعبي" في "اليوم الوطني" للدولة في فضاءاتٍ رحبةٍ من التلاحم بين أفراده من خلال أشكال تعبيرية متعددة ومتنوعة، بَيْدَ أن الأهم هو أن تحمل تلك الأشكال مضامين هادفة، غايتها تأكيد وتكريس الولاء للوطن. لأن الوطن فوق الجميع وهو وطن للجميع. سواء أكان ذلك التعبير على المستوى الفردي أو في إطار التفكير الجمعي من خلال الفعاليات والاحتفالات الشعبية التي عادةً ما نشهدها، فإن كلا المستويين يجب أن يراعيا أن الوطن حالة (مستدامة) أي يُفترض أن تتميز بالديمومة والاستمرارية؛ بمعنى أن يومه هو كل يوم، وليس فقط هو يوم واحد تندلع فيه الفرحة وينفعل فيه الشعب ويتفاعل مع مجريات ذلك اليوم، ثم ينتهي كل شيء بعد ذلك بنهاية اليوم.
(اليوم الوطني) ما من شك في أنه مناسبة سنوية قيِّمة (و يمكن أن تكون رمزية في الحد الأدنى) لتذكير الشعب ولاسيَّما الأجيال الجديدة والأطفال تحديداً بما بذله الآباء المؤسسون للدولة عبر القرون وعلى رأسهم المؤسس الرائد (الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني) من جهود مضنية وتضحيات جِسام في ظروف اقتصادية شحيحة وبيئة إقليمية صعبة المراس، للحفاظ على أمن وسلامة ووحدة واستقرار البلاد.
من الإنصاف القول إن ما يحظى به الشعب القطري اليوم في مناحي الحياة كافةً، هو مدينٌ به لأولئك الأوائل المؤسسين عليهم رحمة الله. عليهِ؛ نرى أن فرحة الشعب بوطنه ينبغي أن تكون حالة ذهنية لحظية أو هذا ما يُفترض، وبالتالي لا ينبغي أن تتقيد فرحة الشعب بوطنه بالضرورة فحسب بالمناسبات ولاسيَّما بمناسبة (اليوم الوطني) وإن كان هذا اليوم يعدُّ الاحتفاء والاحتفال به فريضة وطنية من منطلق أن "حب الوطن من الإيمان" ولأن هذا اليوم يرمز إلى تأكيد وتكريس الولاء للوطن أولاً وأخيراً.
ما جرت به العادة في كل الدول أن تحتفل كل دولة بيومها الوطني في تاريخ محدد من كل سنة ودولتنا الصاعدة عالمياًّ (قطر) ليست استثناءً من هذه القاعدة الدولية. في واقع الأمر، (الوطن) كلمة حيادية؛ بمعنى أن الشعب بكل تباينات مستوياتهم هم – بنسب متفاوتة- من يجعلون منه وطناً متقدماً أو غير متقدم، متحضراً أو غير متحضر. على سبيل المثال، عندما يحرص إنسان الوطن أو المواطن على أن تكون جودة إنتاجيته في عمله العام أو الخاص هي المعيار الأساس الذي يقيس به ولاءَهُ لوطنه خارج كل الاعتبارات؛ هنا تتم ترجمة الفرحة بالوطن من لغتها النظرية إلى التطبيق العملي. في الوطن الكل المواطن والمقيم له دور وأهمية ومكانة. بطبيعة الأحوال يختلف دور وأهمية ومكانة الشخص حسب طبيعة الدور.
إن ثمة صفحاتٍ مطويةً من تاريخ الدولة منذ نشأتها زاخرة ببطولات القطريين تبعث على الفخر والاعتزاز في حروبهم دفاعاً عن بلدنا العزيز ليست للأسف متوافرةً لدى الجيل الجديد ولاسيَّما تلاميذ المدارس بدعوى عدم إثارة النعرات التاريخية. قد يكون هذا المنحى صائباً إلى حد ما وإن كان قد أصبح في ذمة التاريخ غير أننا نرى أن حجب التاريخ الناصع للقطريين الأوائل عن الأطفال والتلاميذ والناشئة يحرمهم من الإطلاع على حقبة أسست لِما ينعمون به الآن.
يمكن أن يتم تقديم الأحداث التاريخية القطرية بشكل حيادي والتأكيد على أنها شيءٌ من الماضي العريق لكي لا ينتج عنها أي حساسية من أي طرف خارجي وأن دولة قطر في حاضرها وفي مستقبلها تضع يدها في يد جيرانها لإبقاء الخليج العربي واحة أمن وأمان وازدهار واستقرار. لا شك في أن اطلاع الأجيال الحالية والمقبلة على تاريخ وطنهم التليد سيساعدهم على استلهام مزيد من الثقة المتجددة للبناء والإنجاز خاصةً أن دولة قطر قد أضحت دولة متقدمة حسب معايير(الأمم المتحدة) المتعلقة بالإنتاج الإجمالي المحلي المرتفع نتيجة تصدير السلع الاستراتيجية كالنفط والغاز والحديد الصلب والبتروكيماويات والصناعات الأخرى المرتبطة بالنفط والغاز إضافةً إلى الصناعات المستقلة كالإسمنت ومواد البناء الأخرى وغيرها.
هنيئاً لقطر وللقطريين بما تحقق لبلدهم ولهم من إنجازات عالمية على مختلف الأصعدة وكل عام وأنتم وبلدكم في صعود نحو قمم أخرى جديدة.
صدقوا أو لا تصدقوا
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تقارير وتصريحات متضاربة ومتناقضة عن "تنظيم الدولة الإسلامية" تملأ وسائط الاتصال والإعلام ووسائل... اقرأ المزيد
2539
| 16 فبراير 2015
ألا تشتمون مثلي رائحة أجندة لا علاقة لها بالإسلام من كل هذا الذي يجري في العالم العربي و الإسلامي و فرنسا و العالم
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أكد وكرَّس الانتقام والانتقام المضاد بين ما يسمى “الدولة الإسلامية” والحكومة الأردنية حقيقة... اقرأ المزيد
2755
| 09 فبراير 2015
أين تقف (الدولة الإسلامية) الآن من الخريطة الجيو إستراتيجية؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); الافتراض المتداول بكثرة على لسان أكثر من محلل ومسؤول أمريكي وغربي هو أن... اقرأ المزيد
2784
| 03 فبراير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8709
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2583
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1482
| 25 أكتوبر 2026