رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مفاجآت الانتخابات المغربية أضافت البلد إلى قائمة الاستثناء العربي بجدارة.
(١)
أتحدث عن الاكتساح الذي حققه حزب العدالة والتنمية المغربي في الانتخابات التي جرت في الرابع من شهر سبتمبر الحالي، ليس فقط لأن الحزب معروف بمرجعيته الإسلامية، ولكن أيضا لأن النتائج بدت مقدمة مثيرة للانتخابات التشريعية التي يفترض أن تجري في العام المقبل. ذلك أن الحزب الذي يقود التحالف الحاكم ضاعف من الأصوات التي حصلها ثلاث مرات بالمقارنة بالانتخابات المحلية التي جرت في عام ٢٠٠٩. كما أنه حصل على المركز الأول في عدد الأصوات التي حصل عليها في المدن (مليون و٦٧٢ ألف صوت) كما في القرى (مليون و٥٥٩ و٨٠٠ صوت) بفارق عشرات الألوف من الأصوات بالمقارنة بالأحزاب الكبيرة الأخرى. مع ذلك اختلف الأمر بالنسبة لنصيبه من المقاعد في الحالتين، إذ احتل المركز الأول في مقاعد مجالس المدن، وجاء بعده حزب الأصالة والمعاصرة المقرب من القصر الملكي، وبعد الاثنين حزب الاستقلال صاحب الرصيد التاريخي. وهو وضع اختلف في القرى المنتشرة والتي أعيد تقسيم الدوائر فيها، إذ رغم أن حزب العدالة حصل على النسبة الأكبر من الأصوات، إلا أن ترتيبه جاء الثالث في عدد المقاعد، إذ سبقه حزب الأصالة والمعاصرة الذي احتل المركز الأول، وتلاه حزب الاستقلال. وحكاية تقسيم الدوائر والمقاعد لها قصة طويلة، لأنها لم تكن بريئة دائما. ذلك أن إقليم تارودانت مثلا الذي يضم ٤٠٠ ألف ناخب خصص له ١٥٠٠ مقعد، في حين أن الدار البيضاء التي يقطنها خمسة ملايين نسمة خصص لها أقل من ٥٠٠ مقعد، وهو ما تكرر في مناطق أخرى. مع ذلك فالتقاسم لا يخلو من إيجابية لأنه من وجهة النظر الديمقراطية ليست هناك مصلحة في أن يحتكر حزب واحد صدارة المجالس في الحضر والبادية، لأن المعارضة مطلوبة حتى على ذلك المستوى من التمثيل.
في ثنايا المفاجأة الكبرى أبرزت التفاصيل مفاجآت أخرى منها مثلا أن المدن الكبرى التي ظلت طوال السنوات التي مضت تدار بواسطة الأحزاب التاريخية صوتت جميعها لأول مرة لحزب العدالة والتنمية. وهو ما أحدث انقلابا أدى إلى سقوط وزراء وسياسيين تقليديين أمام أجيال جديدة من القيادات تخوض التجربة لأول مرة. ولفت الانتباه في هذا الصدد أن الأمينين العامين لاثنين من الأحزاب الكبرى خسرا في مدينتيهما، إذ سقط الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة مصطفى الباكوري في مدينة المحمدية، كما سقط الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط في مدينة فاس، التي كانت تعد من القلاع التاريخية لذلك الحزب. وبذلك التصويت أصبحت العواصم المهمة للملكة تحت قيادة حزب العدالة والتنمية. من العاصمة الإدارية (الرباط) إلى العاصمة الاقتصادية (الدار البيضاء أكبر مدن المغرب) والعاصمة العلمية (فاس) ومراكش وأكادير وطنجة، وهي المدن السياحية الأساسية المليئة بالأنشطة والملاهي التي قد تمثل اختبارا لتوجهات رئيس المنطقة الجديد المنتمي إلى الحزب الإسلامي.
(٢)
في تحليل تلك النتائج كتب الناشط السياسي والصحفي المغربي علي أنوزلا ــ المعارض وأحد خصوم الإسلام السياسي ــ تحليلا نشره في ٩ سبتمبر موقع «صدى نيوز» ــ وصف فيه انتصار إسلاميي المغرب بأنه «مبهر». وقال إن عنصر المفاجأة في الانتخابات لا يكمن فقط في نتائجها، وإنما أيضا في السياقات الصعبة التي جاءت في ظلها. ولخص تلك السياقات في أربعة عوامل، أولها ضغوط السلطة والدوائر المرتبطة بالقصر. وهذه الدوائر لا تنظر بعين الرضا لقيادة الإسلاميين للحكومة.
العامل الثاني أن الانتخابات كانت بمثابة أول اختبار حقيقي لإسلاميي المغرب منذ وصولهم إلى قيادة الحكومة. وقد تم تأخير تلك الانتخابات أربع سنوات من أجل إضعاف الحزب واستنزافه. خصوصا أنه اضطر لاتخاذ قرارات غير شعبية تمثلت في زيادة أسعار المحروقات ورفع الدعم الذي كانت تقدمه الدولة لأسعار المواد الأساسية، كما أن رئيس الحكومة أجبر في أكثر من مناسبة على تقديم تنازلات للقصر في أمور هي من صلاحياته طبقا للدستور المغربي الجديد. إضافة إلى تعرض بعض مشاريع حزب الإصلاح التي طرحها الحزب إلى عراقيل من جانب مراكز القوى الرافضة للتغيير، وبعضها مدعوم من السلطة.
العامل الثالث أن الإعلام الرسمي الذي تحتكره السلطة إضافة إلى الإعلام الخاص الذي تتحكم فيه مراكز القوى وشبكات المصالح، تم تسخيرها طوال السنوات الأربع للنيل من تجربة الحكومة الإسلامية وإضعافها وتشويهها أمام الرأي العام. وفي مقابل ذلك كان هناك ضعف واضح للإسلاميين في الدفاع عن مشاريعهم وتسويق إنجازاتهم ومواجهة خصومهم على الجبهة الإعلامية.
العامل الرابع أن الانتصار «المبهر» لإسلاميي المغرب جاء في سياق إقليمي بطبيعة التراجع الكبير للإسلام السياسي في المحيط العربي، إضافة إلى التراجع النسبي للنموذج الأردوغاني النسبي الذي ظل لعدة سنوات يجسد نموذجا تسعى تيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية إلى تقليده. وهو ما ينبئ بميلاد نموذج إسلامي سياسي عربي في المغرب، طابعه الاعتدال والبراجماتية السياسية.
خلص الكاتب إلى أن نجاح حزب العدالة والتنمية يقاس بأمرين مهمين. الأول أنه نجح في اختراق الطبقة الوسطى التي تقطن المدن. ذلك أن أغلب فئات هذه الطبقة التي لا تشارك الحزب الإسلامي تصوره المجتمعي أصبحت ترى فيه بديلا. جسَد نزاهة اليد ومواجهة الفساد.
الأمر الثاني الأهم أن خطاب الأمين العام للحزب (رئيس الحكومة) عبد الإله بن كيران، الذي ركز طوال الحملة الانتخابية على مهاجمة مراكز نفوذ السلطة، أسهم في زحزحة هاجس الخوف الذي بدا يعود ليتحكم في عقول الناس بعدما أزاحته ثورات الربيع العربي. وفي رأي الكاتب أن «العدالة والتنمية» إذا لم ينجح سوى في هذه النقطة الأخيرة لكتبت له بماء الذهب في ميزان أعظم إنجازاته التي قد يتجاوز أثرها حدود المغرب.
(٣)
في عام ٢٠٠٣ حين وقعت الأحداث الإرهابية في الدار البيضاء، سارع منافسو حزب العدالة والتنمية وخصومه إلى توجيه أصابع الاتهام إليه، بدعوى أن وجوده على الساحة أسهم في تنشيط الحركات السلفية المتشددة التي كانت وراء تلك الأحداث. وارتفعت أصوات اليساريين وغلاة العلمانيين داعية إلى حل الحزب وحظره. ووضع مشروع الحل على جدول أعمال الحكومة بطلب من وزراء اليسار، إلا أن الملك محمد السادس تدخل من جانبه لوقف الاحتقان السياسي. ومن ثم واصل الحزب مشاركته في الحياة السياسية من خلال عضوية البرلمان الذي مثل فيه آنذاك بـ٤٢ عضوا نجحوا في الانتخابات التشريعية التي تمت عام ٢٠٠٢. إلا أن ذلك لم يوقف حملة التشهير التي قادها الإعلام ضده، من منابره التي كانت الدولة العميقة في صدارتها إلى جانب الأحزاب المنافسة، ولوقف تمدده ظهر في الساحة حزب الأصالة المعاصرة الذي تشكل في عام ٢٠٠٨ وكان مؤسسة وزير الداخلية السابق ومستشار الملك فؤاد عالي الهمة. وفي حين رفع حزب العدالة والتنمية (الذي شكل عام ١٩٩٧) شعارات محاربة الفساد وضمان الاستقرار والتنمية والعدالة، فإن حزب الأصالة قدم نفسه منافسا له ومناهضا للرجعية والتزمت وداعيا إلى التحرر والليبرالية والحداثة، وبدا التفاوت في الخطاب معبرا عن إستراتيجية الحزبين، فحزب العدالة اعتبر أن معركته خدمة المجتمع في حين أن حزب الأصالة اختار منذ اللحظة الأولى أن تكون معركته ضد مشروع حزب العدالة.
كان حزب العدالة قد أعلن منذ تأسيسه في عام ١٩٩٧ (عام الثورة الإيرانية) أنه «حزب سياسي وطني يسعى انطلاقا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين، إلى الإسهام في بناء مغرب حديث وديمقراطي». وفي الممارسة قدم نموذجا مغايرا قام على عدة ركائز لخصها في النقاط التالية الدكتور سعد الدين العثماني رئيس المجلس الوطني للحزب (مجلس الشورى) ووزير الخارجية السابق:
< استقلال الحزب عن الحركة الإسلامية (التوحيد والإصلاح) التي خرج من عباءتها، من ثَمَّ فإنه فك ارتباط الجهد الدعوى بالعمل السياسي، وانفرد بالأخير بعيدا عن الحزب.
< اختار طريق العمل السياسي السلمي الذي يعمد إلى تحقيق الإصلاح اهتداء بالثوابت الوطنية المتعارف عليها، ومن خلال المؤسسات الديمقراطية المنتخبة وبالتعاون قدر الإمكان مع القصر المهيمن على السلطة.
< التدرج في ممارسة العمل العام من خلال الدفع بأعداد محدودة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية.
< رفع شعار المجتمع قبل الجماعة، لذلك فإن الالتزام ظل محصورا في محاربة الفساد وتحقيق التنمية.
< رفض الانفراد والسلطة والانطلاق من التعاون مع القوى السياسية الأخرى تكريسا لمبدأ الشراكة.
لذلك فإن الائتلاف الحاكم أصبح يقوم إلى جانب حزب العدالة والتنمية على مشاركة وزراء مثلوا أحزاب التجمع الوطني للإصرار (ليبرالي مقرب من القصر) والحركة الشعبية (يميني أقرب إلى تمثيل الأمازيغ) وحزب التقدم والاشتراكية (الحزب الشيوعي سابقا).
بهذه التشكيلة قاد حزب الأغلبية إدارة المغرب خلال السنوات الأربع الماضية، وتجنب الصدام مع القصر طوال الوقت، حتى حل موعد الانتخابات الأخيرة التي وصف رئيس الحكومة والأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران نتائجها بقوله إن الشعب المغربي رد لحزبه التحية بأفضل منها.
(٤)
ليست تلك نهاية المطاف بطبيعة الحال، لأن القادم حافل بالعديد من التفاعلات والاحتمالات. من ناحية لأن دخول حزب العدالة والتنمية بهذا الثقل إلى إدارة المدن الكبرى يحوله إلى فاعل أساسي في الشأن المحلي من خلال الاحتكاك المباشر بالجماهير. وهو أمر من شأنه أن يُحدث تأثيرا كبيرا في الانتخابات التشريعية القادمة.
من ناحية ثانية فإن النتائج التي تحققت تثير أكثر من علامة استفهام حول مستقبل علاقة الحزب بالقصر، الذي فوجئ بمضاعفة الأصوات التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية. وفي رأي المحلل السياسي المغربي خالد الجامعي أن العادة جرت على أن يتراجع رصيد الحزب الذي يمارس السلطة. وهو ما راهن عليه القصر الذي لا يريحه أن يتعامل مع حزب قوي تتزايد شعبيته. إلا أن القصر سيضطر للتعامل معه. أقله لأنه سيكون بحاجة إليه لتمرير ما لا يستطيع تمريره في حالة ما إذا أصبح الحزب في المعارضة. ويرجع الأستاذ الجامعي أن القصر سيحاول إحداث توازن في مواجهة حزب العدالة والتنمية، من خلال السعي لضخ مياه جديدة تقوي من حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي في مواجهته.
من ناحية ثالثة، لأن النتائج استنفرت الأحزاب السياسية الأخرى وأججت التنافس والصراع بينها، بعدما تبين أن حزب العدالة يهدد نفوذها ووجودها. وقد أصبح الصراع يهدد التحالفات القائمة، خصوصا في ظل التنازع على رئاسة المدن والبلديات.
لا يستطيع أحد أن يدعي أن متغيرا جوهريا طرأ على بنية النظام المغربي الذي لا يزال القصر فيه مهيمنا وممسكا بأغلب وأهم خيوط اللعبة السياسية. لكن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن الشعب المغربي الفائز الأول في الانتخابات، رفع صوته وأصبح أمله في التغيير أكبر بعد انتفاضة ٢٠ فبراير ٢٠١١ التي كانت من أصداء الربيع العربي حين هبت رياحه في ذلك العام. صحيح أن الشوط لا يزال طويلا لإنجاز التغيير الديمقراطي المنشود، إلا أن إحياء الأمل في إحداث ذلك التغيير له أهميته. لأن بعض تجارب الربيع العربي انتكست إلى درجة أنها لم تحدث التغيير بل وأجهضت الأمل في تحقيقه في الأجل المنظور.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2639
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12171
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10650
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026