رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على امتداد أكثر من أسبوع، سجنت نفسي باختياري داخل جدران البيت، وحرمت على جسدي الراحة، والهدف هو العثور على أوراق مخطوطة، أعتز بها كل الاعتزاز، لأنها تضم قصائد رائعة، كتبها شاعر كبير بخط يده، وكنت قد حصلت عليها منه شخصيا منذ أكثر من أربعين سنة، وجاء أوان الكتابة عنها. يا ترى أين أنت الآن أيتها الأوراق التائهة في زحام مكتبتي؟ ظللت أبحث وأبحث بين آلاف الأوراق الأخرى، بل إني أخرجت ما تضمه المكتبة من جرائد ومجلات قديمة تذكارية، أما ما كان يخفف من معاناتي خلال البحث المرهق والمتواصل فهو العثور على أشياء ثمينة كثيرة، كنت قد نسيتها أو ابتعدت عنها وسط دوامة الحياة اليومية، وعلى أي حال، فإن معاناتي في البحث تحولت- فجأة- إلى بهجة بغير حدود، بمجرد أن وقعت عيني على غلاف إحدى المجلات القديمة التذكارية.
كانت المجلة التي أبهجتني، تباع بخمسة مليمات مصرية، أما اسمها فهو مجلة الراديو، ووفقا لما هو مدون على غلافها فإنها مجلة تعنى بنشر برامج محطة الإذاعة اللاسلكية، وأما تاريخ صدور العدد الذي بين يدي فهو السبت 12 أغسطس سنة1939 ويزدان غلافه بصورة حديثة للآنسة أم كلثوم، أخذت لها في أوروبا، وإلى جوار الصورة عنوان بخط كبير: مبروك على سموك، وهي الأغنية التي غنتها الآنسة أم كلثوم في زفاف الأميرة فوزية المحبوبة من تأليف الأستاذ بديع خيري وتلحين الأستاذ رياض السنباطي، نعيد نشرها تلبية للطلبات الكثيرة التي وصلتنا من القطر المصري والسودان والبلاد العربية.
أعترف بأني لم أسمع هذه الأغنية، بل لم أسمع عنها من قبل، رغم أني واحد من عشاق أم كلثوم، ويطيب لي أن أتباهى بما في حوزتي من أغان نادرة لها، وهكذا رددت بصوت هامس بيت أبي نواس: فقل لمن يدعي في العلم فلسفة- عرفت شيئا وغابت عنك أشياء، ثم انطلقت لقراءة نص كلمات الأغنية التي لم أكن أعرف عنها شيئا على الإطلاق:
مبروك على سموك وسموه
نسب إيران والنيل الغالي
يا اللي القمر قال لك في علوه
أغيب.. وتطلعي إنت بدالي
كان المتداول بين عشاق أم كلثوم، ممن عايشوا ثورة يوليو المجيدة بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر، أن كوكب الشرق لم تغن غير أغنية واحدة للملك فاروق الأول، وهي أغنية الليلة عيد، وها أنا أعرف الآن أنها قد غنت في حفل زفاف أخت ملك مصر والسودان- الأميرة فوزية إلى الأمير محمد رضا بهلوي ولي عهد إيران، وأمام المفاجأة التي حققتها لي مجلة الراديو، كان لا بد أن أخطو خطوات أخرى، تتمثل في البحث عن أغنية مبروك على سموك، وقررت الاستعانة بعدد من الأصدقاء، فأخبرني أحدهم بأن الأميرة فوزية قد رحلت عن عالمنا منذ فترة قريبة، كما زارني في الليل صديق آخر، مصطحبا معه الأغنية مسجلة بصوت أم كلثوم، وهكذا قدر لي أن أستمتع بسماع أغنية حفل زفاف الأميرة فوزية، في نفس الليلة التي عرفت فيها أنها قد رحلت عن عالمنا يوم 2 يوليو سنة 2013 وكان لا بد أن يمتزج الفرح في أعماقي بالحزن، وأن أحاول التعرف على سيرة حياة الأميرة الراحلة.
ولدت الأميرة فوزية يوم 5 نوفمبر سنة 1921 وهي ابنة فؤاد الأول ملك مصر الأسبق، أما أمها فهي الملكة نازلي، وقد ظلت الأميرة فوزية إمبراطورة إيران منذ سنة 1941حتى سنة 1945 حيث كانت قد تزوجت من ولي عهد إيران، وتم زفافها في قصر سراي القبة بالقاهرة يوم 29 مارس سنة 1939 وغنت أم كلثوم في حفل الزفاف أغنية مبروك على سموك وسموه، ثم أقيم حفل الزفاف الثاني في طهران، وبعد سنتين تقلد زوجها مقاليد الحكم بعد تنحي والده عن العرش، وقد أنجبت ابنتها الوحيدة من شاه إيران وهي الأميرة شاهيناز بهلوي، لكن هذا الزواج لم يدم طويلا، حيث وقع الطلاق سنة 1945 وتسبب الطلاق وقتها في نشوب أزمة كبيرة بين مصر وإيران، وفي مارس سنة 1949 تزوجت من العقيد إسماعيل شيرين الذي كان آخر وزير للحربية قبل ثورة يوليو 1952 المجيدة في مصر.
ها هي الأميرة فوزية ترحل عن عالمنا، ويوارى جسدها الثرى، لترقد إلى جوار زوجها الثاني إسماعيل شيرين في مقبرة مسجد السيدة نفيسة، أما محمد رضا بهلوي شاه إيران السابق وزوجها الأول فكان قد رحل عن عالمنا يوم 27 يوليو سنة 1980 ودفن في مسجد الرفاعي بالقاهرة، بعد أن رفضت الولايات المتحدة الأمريكية أن تستقبله وهو حي يرزق، رغم أنه كان مريضا للغاية، وتكفل الرئيس المصري محمد أنور السادات وقتها باستقباله في مصر، وتكفل هذا الاستقبال الإنساني بنشوب أزمة جديدة كبيرة بين مصر- السادات وإيران- الثورة المذهبية الإسلامية.
لم أعثر بعد على الأوراق المخطوطة التائهة، لكن البهجة غمرتني عندما استمعت إلى أغنية أم كلثوم- مبروك على سموك وسموه، وسرعان ما امتزجت البهجة بالحزن على الأميرة الراحلة فوزية، وهكذا الحياة لا تتوقف عن الجريان على امتداد الزمان، ومع اندفاعها تتبدل مصائر الناس في كل مكان!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
4362
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم الإعلان عنها في فترة سابقة، بدأت ملامحها في الظهور وذلك بصرف علاوة استمرارية الزواج للزوجين القطريين بعلاوة تُقدّر بـ 12000 ريال لكل من الزوجين والذي حددها القانون وحدد وقت صرفها في كل شهر يناير من كل عام، وسبق ذلك التعديل المباشر لاستحقاق الزوجة للعلاوة الاجتماعية بفئة متزوج وإلغاء حالة فئة أعزب للموظفة المتزوجة وذلك في بند القانون السابق. يناير 2026 يختلف عن يناير 2025 حيث إن القانون في مرحلة جديدة وملامح جديدة من حوافز وصرف المكافآت التي حددها القانون للموظفين وللوظائف الإشرافية التي تقع تحت مظلة قانون الموارد البشرية. حوافز كثيرة وقيم مستحقة يُتوقع أن تكون ذات أثر في المنافسة وبذل العطاء للوصول إليها، مع محافظة القانون على العلاوة السنوية والمحافظة على بدل الإجازة بمعدل راتب أساسي شهري للموظفين أصحاب تقييم جيد أو متوقع، والمعني به “جيد” أن الموظف أدى مهام وظيفته على أكمل وجه والتزم بكل القوانين وأخلاقيات العمل، ولم يزح القانون تلك الاستحقاقات السابقة بل حافظ عليها، وليضيف القانون حوافز مالية جديدة وذلك مع بدل الموظف المزيد من العطاء والتنافسية الايجابية ما بين الزملاء للوصول إلى التقييم الأعلى ومن ثم الوصول إلى المكافآت ومنها رؤية الأثر بزيادة مالية في تقييم “جيد جداً، امتياز وهما تعادلان تجاوز التوقعات، استثنائي” والتي حددها القانون في زيادة العلاوة الدورية لتكون في تلك السنة التقييمية 125% - 150% بدلاً من 100% للعلاوة المخصصة لدرجته المالية، بالإضافة لحصول الموظف على راتب أساسي شهري كمكافأة أو راتبين أساسيين كمكافأة بناءً على التقييم الحاصل عليه في تلك السنة، ولم يقف القانون هنا بل قام بوضع حوافز مالية للموظف القائم بالعمل الإشرافي وبقيم مالية مشجعة وضحها القانون ووفق درجة التقييم. لقد عمل القائمون على التقييم في بذل كل ما يمكنهم من وضع الخطوات والحوافز للموظفين وبإنشاء نظام تقييم يسعى قدر الإمكان في إنصاف جميع الموظفين، فإذاً لنجاح هذه العملية وجب على الجميع التعاون موظفاً ومسؤولاً في تطبيق الشروط التي حددها القانون للوصول إلى أهداف التقييم وهي في مقامها الأول هدف الارتقاء الوظيفي والتطوير والإبداع في العمل، ويليها الظفر بالمكافآت التي حددها القانون، ولكل مجتهد نصيب. أخيراً لكل مسؤول ولكل موظف عطاؤكم هو أساس لكل نجاح وبهذا النجاح يتحقق الهدف المنشود من كل عمل وبعبارة «لنجعل قطر هي الأفضل».
699
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف وتُباع، تبرز القضية الفلسطينية كمرآةٍ صافية تكشف جوهر الإنسان. ففلسطين اليوم لم تعد قضية الفلسطيني وحده، ولا العربي وحده، ولا المسلم وحده، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية، يدافع عنها الأحرار من كل بقاع الأرض، كثيرٌ منهم لم يولدوا عربًا، ولم يعتنقوا الإسلام، وربما لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين على الخريطة يومًا، لكنهم عرفوا معنى الظلم واختاروا الوقوف في وجهه. لقد شهد التاريخ الحديث مواقف واضحة لشخصيات عالمية دفعت ثمن انحيازها للحق دون مواربة، وتفضل لديك بعض الأمثلة.. نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي وأحد أبرز رموز النضال العالمي ضد نظام الفصل العنصري، عبّر صراحة عن دعمه للقضية الفلسطينية، معتبرًا أن حرية شعبه ستبقى ناقصة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. وإلى جانبه وقف ديزموند توتو الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأحد أهم الأصوات الأخلاقية في العالم. شبّه توتو ما يتعرض له الفلسطينيون بنظام الأبارتهايد انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة مع التمييز والقهر. ورغم حملات التشويه والضغوط السياسية، لم يتراجع عن موقفه لأن العدالة في نظره لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمصالح. ومن داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته خرج إيلان بابِه المؤرخ الإسرائيلي المعروف وأستاذ التاريخ، ليكشف في أبحاثه وكتبه ما تعرّض له الفلسطينيون عام 1948 من تهجير قسري وتطهير عرقي. لم يكن كلامه خطابًا سياسيًا، بل توثيقًا تاريخيًا مدعومًا بالمصادر. نتيجة لذلك تعرّض للتهديد والنبذ الأكاديمي، واضطر إلى مغادرة بلاده، ليصبح شاهدًا على أن قول الحقيقة قد يكون المنفى وليس أي منفى، إنه منفى الشرفاء. وفي الولايات المتحدة برز اسم نورمان فنكلستاين الأكاديمي الأمريكي اليهودي والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان. دافع عن الحقوق الفلسطينية من منطلق قانوني وإنساني، ورفض استخدام المآسي التاريخية لتبرير الاحتلال. هذا الموقف كلّفه مستقبله الأكاديمي حيث حُرم من التثبيت الجامعي وتعرّض لعزل ممنهج، لكنه بقي مصرًّا على أن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا ضد شعب بل ضد الظلم والقهر. وهنا يبرز السؤال الجارح لماذا يقفون مع فلسطين؟ يقفون لأن الضمير لا يحتاج إلى جواز سفر. لأن الإنسان حين يرى طفلًا تحت الأنقاض، أو أمًا تبحث عن أشلاء أبنائها، لا يسأل عن الديانة، هو يُجسد الإنسانية بذاتها. لماذا يقفون؟؟ لأنهم يؤمنون أن الصمت شراكة، وأن الحياد في وجه الظلم ظلمٌ أكبر من الظلم نفسه. يقفون في البرد القارس وتحت المطر وفي حرّ الصيف وهم يعلمون أن الكلمة قد تُكلفهم منصبًا أو سمعة أو أمانًا شخصيًا. ومع ذلك لا يتراجعون. إيمانهم بعدالة القضية لم يُبنَ على هوية بل على مبدأ بسيط.. العدل. وهنا تأتي المقارنة المؤلمة.. إذا كانت فلسطين ليست قضيتي كمسلم، فهؤلاء ليسوا عربًا، ولا مسلمين، ولا تجمعهم بفلسطين رابطة دم أو دين ولا حتى رابطة دم جغرافية ومع ذلك وقفوا بشجاعة. أما نحن فماذا فعلنا؟ ومن يفعل … ماذا يُقال له؟ يُقال له لا ترفع صوتك يُقال له هذه سياسة يُقال له اهتم بنفسك ويُحاصر أحيانًا بالتشكيك أو التخوين أو السخرية القضية الفلسطينية اليوم لا تطلب المعجزات بل تطلب الصدق صدق الكلمة صدق الموقف صدق الإحساس وصدق ألا نكون أقل شجاعة ممن لا يشاركوننا اللغة ولا العقيدة. فلسطين ليست اختبار انتماء بل امتحان إنسانية، ومن فشل فيه لم يفشل لأنه لا يعرف فلسطين بل لأنه لم يعرف نفسه.
663
| 20 يناير 2026