رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان انتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود للولايات المتحدة عام 2008 حدثا عالميا بكل المقاييس, وتأثيراته امتدت بعيدا إلى ما وراء الحدود الأمريكية. تضاعف إثر ذلك الانتخاب المتميز بتاريخيته الذاتية بسبب مجيئه في أعقاب حقبة أمريكية نيومحافظة بقيادة جورج بوش الابن اتسمت بالشراسة وإطلاق الحروب, من أفغانستان إلى العراق إلى الحرب ضد الإرهاب. تنفس العالم الصعداء يومها وانطوت صفحة مظلمة من السياسة الأمريكية المتطرفة, واستعد كثيرون لمنح الرئيس الجديد كل الفرص كي يمسح الآثار البشعة التي تركتها البوشية. لكن بعد مرور الفترة الانتخابية الأولى وما تلاها تبين كم كان سقف التوقعات آنذاك مرتفعا, حيث ظهر أوباما رئيسا باهتا, مترددا, خاضعا لضغوطات ولوبيات, ومخيبا لآمال الكثيرين.
في كتابه الجديد "الأمة غير الضرورية: السياسة الخارجية الأمريكية في تراجع" (The Dispensable Nation: American Foreign Policy in Retreat – 2013) يحلل فالي ناصر, الدبلوماسي الأمريكي السابق في الخارجية, والأكاديمي في جامعة جون هوبكنز (من أصول إيرانية), معالم ذلك الفشل. يركز ناصر على فشل السياسة الأمريكية في أفغانستان وآسيا عموما, وينتقد بشدة الإستراتيجية "الأوبامية" في نقل ثقل الوجود والاهتمام الأمريكي من الشرق الأوسط إلى آسيا. ويناقش ناصر أيضاً فشل أوباما في تحقيق وعوده والارتقاء إلى مستوى الخطاب البلاغي الشهير الذي ألقاه في جامعة القاهرة وتوجه به إلى العالم الإسلامي.
هناك الكثير مما يمكن نقاشه حول "الأوبامية" وفشلها, لكن تتوقف هذه السطور عند فشلها إزاء القضية الفلسطينية والاقتراب جديا من ملف الصراع العربي الإسرائيلي. في بداية حكمه واجه أوباما أجندة مزدحمة داخليا وخارجيا. آنذاك كانت أمريكا وأوروبا واقتصادات العالم الأول برمته تعاني من أزمة الانهيارات المالية المتتالية. وكانت القيادة الاقتصادية والمالية للولايات المتحدة محط تساؤل وشك عميقين من قبل الدائنين المحليين والخارجيين على حد سواء. وكان على أوباما أيضاً مواجهة شبكة معقدة من العلاقات المتوترة والغامضة مع روسيا والصين على وجه الخصوص, سيما وأن القراءات والتحليلات المستقبلية تشيران إلى صعود القوة الصينية في العقود القادمة ليس كمنافس شديد للقوة الأمريكية, بل ومتجاوز لها. وفي الجوار الأمريكي اللاتيني هناك الكتلة اليسارية التي تتمحور حول الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز مُقادة ببوصلة العداء لأمريكا. وعولمياً كانت هناك تحديات التدهور البيئي وهشاشة اتفاقات التجارة العالمية وعدد آخر من المعاهدات الدولية التي تواجه مآزق عدة يُحال تطورها إلى السياسة الانفرادية الأمريكية خلال حقبة بوش الابن. أما في الشرق الأوسط "الكبير" وجواره فقد كانت أقدام الولايات المتحدة تغوص في رمال حربين لا أفق للنجاح لهما, في أفغانستان والعراق, إضافة إلى الصراع العربي الإسرائيلي وتلاحق فشل التسويات, والآمال المتضخمة التي علقها العرب والفلسطينيون على قدوم أوباما. كل ذلك يتفاعل في مناخ دولي وشعبي عالمي أحد سماته الأساسية, في النظرة لأمريكا, هو ارتفاع مستوى الكراهية للولايات المتحدة في العالم إلى درجات غير مسبوقة.
لم يضع أوباما مسألة الصراع العربي الإسرائيلي في أولويات أجندته الدولية, في ظل ازدحامها بقضايا أخرى, وخشية التورط في رمالها المحرقة. والسياسة الأمريكية الشرق أوسطية لأي رئيس جديد, ديمقراطيا كان أم جمهورياً, تخضع لاعتبارات عديدة بعضها مرتبط بحسابات الترشح لفترة رئاسية ثانية, وجزء كبير منها مرتبط بضغط اللوبيات اليهودية ونفوذها. مع فوز أوباما كان من المتوقع استمرار أن تواصل تلك الاعتبارات اشتغالها, لكن كان من الطبيعي أيضاً افتراض بروز تفكير جديد يأخذ بالنظر بعض المكونات المُستجدة التي تجعل تطبيق السياسات والاعتبارات الماضية سبباً في تدهور أضافي ليس على صعيد شرق أوسطي فحسب, بل وأمريكي أيضاً. على الضد من ذلك الافتراض أعلن أوباما أن أولويته الشرق أوسطية والآسيوية ستكون أفغانستان وإيقاف الانهيار فيها, واتقاء انهيار شبيه في جارتها باكستان, ثم معالجة الوضع في العراق.
وبالفعل فقد غرق أوباما وسياسته في وحل هذين الملفين, وما زال الملف الأفغاني بعيدا عن الحل, أما الملف العراقي فقد أغلقه بطريقة فاشلة, كانت تخلصا وتملصا أكثر منها حلا, حيث قدم العراق على طبق من فضة لإيران ونفوذها. في نفس الوقت, وكما كان متوقعا أجل بذل أي جهد جدي على جبهة الصراع العربي الإسرائيلي إلى الدورة الثانية لانتخابه, كيف يقلل من ضغوط اللوبي الصهيوني. رأينا أوباما في الفترة الأولى يتلقى الصفعة تلو الصفعة من نتنياهو في ملف الاستيطان. وقد بلغ أوباما إهانات مثيرة وعلى العلن إذ تراجع عن تصريحاته بضرورة وقف الاستيطان قبل استئناف أي مفاوضات, وفرض نتنياهو رؤية اليمين الإسرائيلي على الإدارة الجديدة. لكن حتى في الفترة الثانية واصل أوباما فشله وسياسة تخييب الآمال, حيث توقع كثيرون أن يتحرر أوباما من الضغوط السابقة, ويتصرف كرئيس لأقوى دولة, أو على الأقل يدخل التاريخ وقد أزال أثر الإهانات التي تلقاها من نتنياهو.
ربما كانت الفكرة المباشرة التي ألحت على أوباما في فترة رئاسته الأولى عدم هي المغامرة ببعثرة رأس المال السياسي الذي بدأ به دورته في حل قضية قد لا تُحل وتسبب له خسارات كبيرة. وأن رأس المال السياسي الكبير الذي تربع عليه من البداية إضافة إلى الشعبية المحلية والعالمية من الطبيعي أن تمنحه ثقة كبيرة, وربما زائدة عن اللزوم, إزاء كيفية ترتيب أولويات سياسته الشرق أوسطية, وذلك أيضا في ضوء قلة خبرته في الملفات الدولية بشكل عام. بمعنى آخر سوف يشعر بأن "التفويض" العالمي الذي حصل عليه يمكنه من استثمار وقته وجهده في الملف أو الملفات التي يراها أكثر إلحاحاً, وسوف يستند على تفهم العالم لما يقوم به بسبب ازدحام أجندته والخراب الكبير الذي أورثه إياه جورج بوش. فشلت تلك الفكرة, وتبخر رأس المال السياسي ومعه الشعبية, وسيدخل أوباما التاريخ كأحد الرؤساء الباهتين, الذي يستقبله السود في جنوب إفريقيا بالمظاهرات وإلقاء البيض, عوض أن يروا فيه تجسيدا لبعض أحلامهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11526
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
5769
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3705
| 22 أكتوبر 2026