رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أفرز النزاع المسلح الدامي الذي يشهده السودان صوراً مأساوية وصادمة لبعض النخب السياسية والأكاديمية والاجتماعية والعسكرية التي كان من المؤمل أن تتفق على الحد الأدنى الذي يرفض التمرد ابتداءً ومهما كانت الأسباب، مثلما يرفض السودانيون الانقلابات العسكرية والاستقواء بالأجنبي واللجوء إلى أعمال الشغب التي عطلت حياة الناس وأحالتها إلى جحيم.
لم يدر بمخيلة حتى أكثر السودانيين تشاؤماً منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023م، أن تصل بهم حدة الصدمة وانقطاع الأمل خاصة في النخب السياسية على المستويين الفردي أو الجماعي، في بلد عرف أهله بتماسكهم وحرصهم على وحدته مهما اشتدت بهم الخطوب. فالشعب السوداني أشتهر بين أصدقائه عرباً وعجماً بالأمانة والشجاعة والعفة والكرم ونجدة الملهوف، وهذه سمات وخصائص رسخت عُرى المودة والفخر بين أبنائه وإن اختلفت ثقافاتهم ولهجاتهم ولغاتهم، وتلك معان نبيلة جسدها الأدباء والمبدعون (ردد الدهر حسن سيرتهم ما بها حطة ولا درن).
فالحروب التي شهدها السودان منذ استقلاله كثيرة، لكنها لم تنجح أبداً في تمزيق نسيجه الاجتماعي، فـ(كل أجزائه لنا وطن إذا نباهي به ونفتخر)، بل لم تغير الهوى المشترك، فكلهم يطربون للكاشف عندما يصدح (أنا إفريقي أنا سوداني)، وكلهم يفرحون لأهداف جكسا وبرعي وبريش وسانتو وأنس النور ومحمد عبد الرحمن.
بعض النشطاء السياسيين في بلادنا يجرف عقولهم تيار السلطة وبريقها فلا يتيحون لعقلهم فضيلة التفكر والتدبر لمآلات تحولاتهم التي هي أسرع من قرص الشمس عندما تدنو للمغيب، فهم على استعداد لركوب أي سرج ومع أي نظام يصلهم لمبتغاهم المؤقت دون مراعاة لتاريخهم أو للقيم والأخلاق السودانية أو حتى القواعد الحاكمة لعضوية الحزب.
هؤلاء هم الذين انتظر منهم الشعب دون كلل ومنذ مقاومة الاستعمار ونيل الاستقلال إلى حينه ألا يضعوا العقدة في المنشار، فالشعب ثار وفرض التغيير ثلاث مرات لكن أولئك الساسة على المستويين الفردي والجماعي لم يرعو عن تكرار ذات أخطاء الماضي أو ان يعملوا على تطوير واقع واستشراف مستقبلهم استنادا الى أفضل الإيجابيات المستقاة من ممارسات الأنظمة الوطنية المتعاقبة، بغية الحفاظ على استمرار حياة الناس وتحسينها وحماية وصون مكتسبات البلاد من مؤسسات وكوادر وبنيات تحتية.
* الشعب السوداني ذكي فطن بطبعه يعرف أصحاب الصدور النقية، ويملك من الإرادة ما يعينه على مساندة بعضه البعض عند الشدة والرخاء، فأفراده متكاتفون يجيدون قيم النفير والفزع والكرم والجود والشجاعة، وهو ما تفسره حالة الاستجابة للمقاومة الشعبية والتضحية بالنفس.
فما الذي يجعل شعب كهذا تستوي على ظهره نخب سياسية همها الوصول إلى السلطة وبأي وسيلة؟
وما الذي يجعل شعب كهذا تمثله قسرياً نخب سياسية لا تؤمن ولا تحترم أو تطبق على نفسها قيم الديمقراطية المتمثلة في قبول الآخر، والتسامح، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات والأحزاب السياسية والانضمام إليها، وحرية التعبير، وحرية اعتناق الآراء والأفكار والمعتقدات، والمساءلة، والشفافية، والعدالة وسيادة القانون، ومنع الإفلات من العقاب، والتعددية السياسية والإعلامية، والمشاركة السياسية، والفصل بين السلطات، واحترام وحماية حقوق الأقليات؟
وما الذي يجعل شعبا كهذا تتحدث باسمه نخب سياسية لا تؤمن بقيم حقوق الإنسان المتمثلة في عدم التمييز، والمساءلة، والمشاركة الواسعة، وعدم قابلية الحقوق للتجزئة، وعالمية الحقوق؟
وما الذي يجعل شعبا كهذا يسلم بطوعه وإرادته لسانه لنخب لا وزن سياسي لها، بل ولأحزاب لم يسبق لها أن حصلت على (15) مقعدا في أي برلمان منتخب في تاريخ السودان الحديث؟
وما الذي يجعل شعبا كهذا يخضع لأحزاب سياسية تتلقى التمويل الأجنبي وترتمي في أحضان السفارات؟
وما الذي يجعل شعبا كهذا يؤيد الأفكار والمشاريع التي تتبناها تلك النخب ولا تراعي فيها دينه وقيمه الثقافية والاجتماعية؟
ولأن أهل السودان يقرأون لا يجدون تفسيراً لأن يتبنى أكاديمي نظرية المتمردين لجلب الديمقراطية عبر التهجير القسري والنهب والسلب والاغتصاب، تحت مسوق اجتثاث فئة منهم.
ولأن أهل السودان حكماء لا يجدون تفسيراً لأن تتفرق سنان حزب تبنت قياداته الدعوة للاستقلال في العام 1955، لتنحدر به قيادته إلى درجة تبني إعادة تأسيس المؤسس وتدمير قواته المسلحة في العام 2025.
ولأن أهل السودان لا يقبلون على أنفسهم الضيم لم يقبلوا إلقاء السلاح ووقف حشد المقاومة ليقدموا الشهداء الذين استطاعوا إجلاء المتمردين من البيوت حتى يعود إليها أهلها مكرمين في مدني وسنار والخرطوم وستليها زالنجي والجنينة ونيالا.
أهل السودان لم يجدوا حرجاً في أن يحتشدوا لمواجهة الخطوب المدلهمة حين يكون الامتحان عسيراً حتى لا يهان المواطن أو ترتهن البلاد: (غير هذي الدماء نبذها كالفدائي حين يمتحن.. بسخاء بجرأة بقوى لا يلي جهدها ولا تهن.... تستهين الخطوب عن جلد تلك تنهال وهي تتزن).
أيتها النخب السياسية الشعب السوداني يريد حياة كريمة تتولى فيها السلطة الحكومية تسيير شؤون الناس وتوفير الخدمات الأساسية، وتنفيذ برامج التنمية وحماية الحقوق والحريات العامة، واحترام التداول السلمي للسلطة وحظر الإقصاء والدعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضا على التمييز والعداوة والعنف.
والشعب يريد أن تكف النخب يدها ولسانها عن الاستقواء بالخارج فالسودان بموقعه الاستراتيجي وبموارده وثرواته الطبيعية يشكل فرصة للاستغلال وتقاطع المصالح المضرة بحاضره ومستقبله.
والشعب يريد أن تلتزم النخب بالامتناع عن اتاحة الفرصة لتدخلات العديد من الدول القريبة والبعيدة في شأنه الداخلي، حيث لا يجد الشعب السوداني نموذجاً ديمقراطياً يمكن أن يستمد منها، ولا مصلحة باقية تفيده.
والشعب السوداني لا يريد من نخبه سوى أن يحترموا عقول أفراده وأن يتفرغوا لإعادة بناء أحزابهم وجمعياتهم ونقاباتهم وتسخيرها للقيام بمهامها واختصاصاتها التي حددتها الصكوك الدولية لحقوق الإنسان والقيم الدستورية الراسخة، وليتركوا بناء النظام السياسي الصالح للبرلمان المنتخب الذي يمثل إرادة الشعب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رئيس قسم الشراكات والبحوث
مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
شبكة الجزيرة الإعلامية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
3762
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
3225
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1164
| 05 مايو 2026