رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أفرز النزاع المسلح الدامي الذي يشهده السودان صوراً مأساوية وصادمة لبعض النخب السياسية والأكاديمية والاجتماعية والعسكرية التي كان من المؤمل أن تتفق على الحد الأدنى الذي يرفض التمرد ابتداءً ومهما كانت الأسباب، مثلما يرفض السودانيون الانقلابات العسكرية والاستقواء بالأجنبي واللجوء إلى أعمال الشغب التي عطلت حياة الناس وأحالتها إلى جحيم.
لم يدر بمخيلة حتى أكثر السودانيين تشاؤماً منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023م، أن تصل بهم حدة الصدمة وانقطاع الأمل خاصة في النخب السياسية على المستويين الفردي أو الجماعي، في بلد عرف أهله بتماسكهم وحرصهم على وحدته مهما اشتدت بهم الخطوب. فالشعب السوداني أشتهر بين أصدقائه عرباً وعجماً بالأمانة والشجاعة والعفة والكرم ونجدة الملهوف، وهذه سمات وخصائص رسخت عُرى المودة والفخر بين أبنائه وإن اختلفت ثقافاتهم ولهجاتهم ولغاتهم، وتلك معان نبيلة جسدها الأدباء والمبدعون (ردد الدهر حسن سيرتهم ما بها حطة ولا درن).
فالحروب التي شهدها السودان منذ استقلاله كثيرة، لكنها لم تنجح أبداً في تمزيق نسيجه الاجتماعي، فـ(كل أجزائه لنا وطن إذا نباهي به ونفتخر)، بل لم تغير الهوى المشترك، فكلهم يطربون للكاشف عندما يصدح (أنا إفريقي أنا سوداني)، وكلهم يفرحون لأهداف جكسا وبرعي وبريش وسانتو وأنس النور ومحمد عبد الرحمن.
بعض النشطاء السياسيين في بلادنا يجرف عقولهم تيار السلطة وبريقها فلا يتيحون لعقلهم فضيلة التفكر والتدبر لمآلات تحولاتهم التي هي أسرع من قرص الشمس عندما تدنو للمغيب، فهم على استعداد لركوب أي سرج ومع أي نظام يصلهم لمبتغاهم المؤقت دون مراعاة لتاريخهم أو للقيم والأخلاق السودانية أو حتى القواعد الحاكمة لعضوية الحزب.
هؤلاء هم الذين انتظر منهم الشعب دون كلل ومنذ مقاومة الاستعمار ونيل الاستقلال إلى حينه ألا يضعوا العقدة في المنشار، فالشعب ثار وفرض التغيير ثلاث مرات لكن أولئك الساسة على المستويين الفردي والجماعي لم يرعو عن تكرار ذات أخطاء الماضي أو ان يعملوا على تطوير واقع واستشراف مستقبلهم استنادا الى أفضل الإيجابيات المستقاة من ممارسات الأنظمة الوطنية المتعاقبة، بغية الحفاظ على استمرار حياة الناس وتحسينها وحماية وصون مكتسبات البلاد من مؤسسات وكوادر وبنيات تحتية.
* الشعب السوداني ذكي فطن بطبعه يعرف أصحاب الصدور النقية، ويملك من الإرادة ما يعينه على مساندة بعضه البعض عند الشدة والرخاء، فأفراده متكاتفون يجيدون قيم النفير والفزع والكرم والجود والشجاعة، وهو ما تفسره حالة الاستجابة للمقاومة الشعبية والتضحية بالنفس.
فما الذي يجعل شعب كهذا تستوي على ظهره نخب سياسية همها الوصول إلى السلطة وبأي وسيلة؟
وما الذي يجعل شعب كهذا تمثله قسرياً نخب سياسية لا تؤمن ولا تحترم أو تطبق على نفسها قيم الديمقراطية المتمثلة في قبول الآخر، والتسامح، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات والأحزاب السياسية والانضمام إليها، وحرية التعبير، وحرية اعتناق الآراء والأفكار والمعتقدات، والمساءلة، والشفافية، والعدالة وسيادة القانون، ومنع الإفلات من العقاب، والتعددية السياسية والإعلامية، والمشاركة السياسية، والفصل بين السلطات، واحترام وحماية حقوق الأقليات؟
وما الذي يجعل شعبا كهذا تتحدث باسمه نخب سياسية لا تؤمن بقيم حقوق الإنسان المتمثلة في عدم التمييز، والمساءلة، والمشاركة الواسعة، وعدم قابلية الحقوق للتجزئة، وعالمية الحقوق؟
وما الذي يجعل شعبا كهذا يسلم بطوعه وإرادته لسانه لنخب لا وزن سياسي لها، بل ولأحزاب لم يسبق لها أن حصلت على (15) مقعدا في أي برلمان منتخب في تاريخ السودان الحديث؟
وما الذي يجعل شعبا كهذا يخضع لأحزاب سياسية تتلقى التمويل الأجنبي وترتمي في أحضان السفارات؟
وما الذي يجعل شعبا كهذا يؤيد الأفكار والمشاريع التي تتبناها تلك النخب ولا تراعي فيها دينه وقيمه الثقافية والاجتماعية؟
ولأن أهل السودان يقرأون لا يجدون تفسيراً لأن يتبنى أكاديمي نظرية المتمردين لجلب الديمقراطية عبر التهجير القسري والنهب والسلب والاغتصاب، تحت مسوق اجتثاث فئة منهم.
ولأن أهل السودان حكماء لا يجدون تفسيراً لأن تتفرق سنان حزب تبنت قياداته الدعوة للاستقلال في العام 1955، لتنحدر به قيادته إلى درجة تبني إعادة تأسيس المؤسس وتدمير قواته المسلحة في العام 2025.
ولأن أهل السودان لا يقبلون على أنفسهم الضيم لم يقبلوا إلقاء السلاح ووقف حشد المقاومة ليقدموا الشهداء الذين استطاعوا إجلاء المتمردين من البيوت حتى يعود إليها أهلها مكرمين في مدني وسنار والخرطوم وستليها زالنجي والجنينة ونيالا.
أهل السودان لم يجدوا حرجاً في أن يحتشدوا لمواجهة الخطوب المدلهمة حين يكون الامتحان عسيراً حتى لا يهان المواطن أو ترتهن البلاد: (غير هذي الدماء نبذها كالفدائي حين يمتحن.. بسخاء بجرأة بقوى لا يلي جهدها ولا تهن.... تستهين الخطوب عن جلد تلك تنهال وهي تتزن).
أيتها النخب السياسية الشعب السوداني يريد حياة كريمة تتولى فيها السلطة الحكومية تسيير شؤون الناس وتوفير الخدمات الأساسية، وتنفيذ برامج التنمية وحماية الحقوق والحريات العامة، واحترام التداول السلمي للسلطة وحظر الإقصاء والدعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضا على التمييز والعداوة والعنف.
والشعب يريد أن تكف النخب يدها ولسانها عن الاستقواء بالخارج فالسودان بموقعه الاستراتيجي وبموارده وثرواته الطبيعية يشكل فرصة للاستغلال وتقاطع المصالح المضرة بحاضره ومستقبله.
والشعب يريد أن تلتزم النخب بالامتناع عن اتاحة الفرصة لتدخلات العديد من الدول القريبة والبعيدة في شأنه الداخلي، حيث لا يجد الشعب السوداني نموذجاً ديمقراطياً يمكن أن يستمد منها، ولا مصلحة باقية تفيده.
والشعب السوداني لا يريد من نخبه سوى أن يحترموا عقول أفراده وأن يتفرغوا لإعادة بناء أحزابهم وجمعياتهم ونقاباتهم وتسخيرها للقيام بمهامها واختصاصاتها التي حددتها الصكوك الدولية لحقوق الإنسان والقيم الدستورية الراسخة، وليتركوا بناء النظام السياسي الصالح للبرلمان المنتخب الذي يمثل إرادة الشعب.
خبراء الأمم المتحدة وحالة حقوق الإنسان في السودان
من هم أعضاء مؤسسات المجتمع المدني الوطنية الذين سيلتقون بالسيد/ رضوان نصير خبير الأمم المتحدة؟ سيبدأ السيد/ رضوان... اقرأ المزيد
696
| 08 يوليو 2024
إعلان حالة الطوارئ في تركيا من منظور حقوق الإنسان
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); فتح إعلان تركيا حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر الباب أمام جدل سياسي كثيف،... اقرأ المزيد
689
| 01 أغسطس 2016
من يملك التأثير في مسارات التغيير الاجتماعي ؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تتجه معظم المنظمات غير الحكومية الحقوقية والمدافعين عن حقوق الإنسان في أغلب دول... اقرأ المزيد
590
| 22 يونيو 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رئيس قسم الشراكات والبحوث
مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
شبكة الجزيرة الإعلامية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34641
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10254
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8268
| 03 سبتمبر 2026