رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع الشعب المصري كل الحق في الهجوم على وزير العدل على شبكات التواصل الاجتماعي فيما يسمى بموقعة الزبالين.. فتصريحات الوزير بشأن عدم تأهل أبناء عمال النظافة لتولي مناصب في سلك القضاء ليست إهانة لجزء من الشعب المصري يعمل في مهنة النظافة ولكنها إهانة للشعب المصري وإهانة لإنسانيتنا. المستشار محفوظ صابر عبد القادر الذي كان أمينا عاما للجنة الانتخابات البرلمانية في 2010، والتي شهدت عمليات تزوير واسعة النطاق تسببت في اندلاع ثورة يناير، والذي عين وزيرا للعدل في حكومة محلب وكما يقول المثل "المكتوب يقرأ من عنوانه" ــ ألحق إساءة بالغة بالقيم والثوابت التي شكلت ولزمن طويل جوهرا في ثقافة المصريين وأعادنا إلى ثقافة عصر الإقطاع والباشوات وثقافة طبقة النصف بالمية التي حكمت مصر حينا من الدهر وثقافة اقتصاد العائلات والمحاسيب والمميزين التي جاء بها عصر الانفتاح وأنتجتها الخصخصة كما نسفت أهم شعارات ثورة يوليو وقائدها التاريخي جمال عبد الناصر وقولته المشهورة "ارفع رأسك يا أخي عاليا"، ونسفت حلم الدولة المدنية ودولة المواطنة التي صدع المثقفون الليبراليون بالدعوة إليها رؤوسنا من كثرة التكرار والإعادة وهي قبل ذلك وبعده تجاوز لثوابت الإسلام الذي جعل التقوى لا الثروة، والعمل لا الحسب والنسب معيارا للتفاضل والقربى من الله تعالى "أيها الناس إن ربكم واحد. وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم. وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.."، لقد جعل الإسلام من الإنسان لا المادة ولا أعراض الدنيا قيمة أخيرة وكفل له حق الكرامة الإنسانية، وجاء لتحرير الإنسان من كل صور وأشكال التمييز والاسترقاق والعبودية ولم يأت ليؤكد سيطرة فئة أو طبقة أو طائفة أو قبيلة.... إلخ على عباد الله، وهذا هو المضمون الجوهري لكلمة التقوى التي تقوم عليها وبها السموات والأرض "لا إله إلا الله"، وهذا هو أحد المعاني المهمة لقوله تعالى "وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها" فإذا كان الظلم وكان التمييز وكان الاسترقاق انتفت التقوى فلا تقوى مع التمييز ولا تقوى مع الكبر ولا تقوى مع النهب والاستحواذ، فالذي عنده يزاد والذي ليس عنده يؤخذ منه، وإذا اختل ميزان العدل والحقوق كان هلاك الأمم وربنا تبارك وتعالى يعلمنا ذلك فيقول في محكم التنزيل "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون"، قال الشوكاني أي: ما صح ولا استقام أن يهلك الله سبحانه أهل القرى بظلم يتلبسون به وهو الشرك، والحال أن أهلها مصلحون فيما بينهم في تعاطي الحقوق لا يظلمون الناس شيئا والمعنى: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك وحده حتى ينضم إليه الفساد في الأرض وأكد الطبري هذا المعنى عند تفسير نفس الآية فقال: (وأهلها مصلحون) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق، أي لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان..
وفي صحيح الترمذي من حديث أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده"، وقال ابن تيمية: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت مشركة ويهلك الظالمة وإن كانت مؤمنة"، وبنحو هذا قال الداعية الدكتور عمر عبد الكافي: "نمنا في النور، واستيقظ غيرنا في الظلام، وإن المخلص في كفره ينتصر على المزيف في إيمانه"، فالعدل ثقافة قبل أن يكون نصوصا مقدسة أو قوانين في قراطيس وكتب وما فائدة المادة الأولى من الدستور المصري التي تقول "إن النظام في مصر ديمقراطي ويقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون "أي أن المواطنين سواء أمام القانون.. وما فائدة المادة 14 من دستور 2014 التي تسوي بين المصريين في تولي وتقلد المناصب العامة، وتنص على "أن الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة، "وما فائدة صكوك حقوق الإنسان إذا كانت ثقافتنا ثقافة تهميش وإقصاء لكل الذين ليست لديهم أنساب وأحساب وأصول وممتلكات وقصور وعمارات، وكأننا ننتمي إلى ثقافة "معك قرش تسوى قرش...".
لقد شهد عام 2012 و 2013 محاولات مستميتة من أوائل كليات الحقوق الذين جرى إقصاؤهم لأنهم ليسوا من علية القوم وحرموا من التعيين في القضاء والنيابة أوكمعيدين في الجامعات وذهبت شكاواهم لمجلس الشورى ولرئاسة الجمهورية أدراج الرياح وظلوا مهمشين دون تعيين ودون الحصول على حقوقهم، وبينما نجح الزند ومئات من القضاة وأعضاء النيابة العامة في مصر حينها في وأد مشروع قانون جديد للسلطة القضائية كانت قد جرت مناقشته في مجلس الشورى السابق والذي حدد سن التقاعد لهم بستين عاما فشل أوائل الطلبة في نيل حقوقهم ولم تلتفت إليهم وقتها آلة الإعلام الجبارة ولم تتبن قضاياهم مع أنها قضايا لها آثار سلبية على المجتمع المصري فالطبقة الوسطى في أي مجتمع هي الطبقة التي تقود التقدم فيه واضمحلال هذه الطبقة وتآكلها وهبوط أعداد كبيرة منها إلى الطبقة الدنيا يعد هزيمة للمجتمع ذاته ولمستقبله لا هزيمة لأولئك الذين انحدروا إلى الطبقة الدنيا التي يمثلها عشرات الملايين من الفقراء وسكان المقابر والشوارع والعشوائيات والقرى المزدحمة التي لا تجد ماء صالحا للشرب ولا فصلا دراسيا مناسبا.. والعجيب في الأمر أن الرئيس السيسي نفسه حذر من تآكل الطبقة الوسطى بسبب الفساد فقال أثناء حملته الانتخابية "إن حجم الفساد الذي تعرضت له الدولة المصرية في المرحلة الماضية بدأ صغيراً في المجتمع المصري بالتزامن مع تآكل وتراجع الطبقة المتوسطة، حتى أصبح الناس يمارسون الفساد بصورة عادية في حياتهم اليومية، دون محاسبة أو رقابة سواء من مؤسسات الدولة، أو رقابة ذاتية تنبع من القيم الأخلاقية التي يكتسبها الفرد من التعليم والثقافة والبيئة".. واستطرد وقال إن آليات مواجهة الفساد خلال الفترة المقبلة يجب أن تؤسس على أن يكون العمل والاجتهاد أساس التميز في ظل الاحتكام لمبدأ تكافؤ الفرص". وواضح مما جرى أن الاحتكام إلى مبدأ تكافؤ الفرص تلتهمه ثقافة الوساطة والمحسوبية كما يبدو أن مؤسسة الفساد هي أقوى المؤسسات وأن هدمها يحتاج إلى زمن طويل، وإذا لم تقتلع هذه المؤسسة من جذورها فإن المجتمع الطبقي سيتكرس، وسيصير لدينا طبقات منبوذة تتوارث مواقعها الاجتماعية جيلا وراء جيل كما كانت في الهند قبل الاستقلال.
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
21
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
21
| 05 يونيو 2026
الاختبارات وصناعة المستقبل
على امتداد سنوات طويلة قضيتها بين أروقة التعليم وقاعاته، رأيت أفواجا من الطلاب يعبرون هذه المراحل كما يعبر... اقرأ المزيد
15
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5685
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2757
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2412
| 02 يونيو 2026