رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قطر تعيش نقلة معرفية رائعة
تفضلت صاحبة السمو وأشارت في ختام كلمتها في حفل تخريج الفوج الرابع من خريجي جامعات مؤسسة قطر إلى أن:
«هذا الاستعداد الذي يمثل انتقالنا الحقيقي والفعلي من مرحلة الاعتماد على المصادر الطبيعية إلى مرحلة بناء المعرفة والقدرات. وهذا رأسمالنا الحقيقي للمستقبل. ونحن جميعاً نرنو إلى مرحلة الإبداع والابتكار التي يصنعها الإنسان القطري».
ولأن سموها معنية قولا وفعلا بالعلم والتعليم والاستثمار في قدرات الإنسان التي تؤمن بها وتطبقها على ذاتها متخذة شعار "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد" و "الحكمة ضالة المؤمن"..
والذي يتضح في كل وقفة أو مشروع أو برنامج أو تخصص تفيد منه شخصيا لأنها شخصية — لمن عرفها عن قرب — تتلقى العلم في كل موقف وكل زمن وكل عمر، وتفيد منه مجتمعيا لأنها شخصية العلم الواعية الواعدة والتي التقت بفكر متقد هو فكر صاحب السمو الذي مضى بقطر سنوات ضوئية لا رقمية في عرف العلم والتقدم وحق لنا أن نفخر بسموه علما على اسم كليات المدينة التعليمية تحت جامعة واحدة.
ولأننا نؤمن بمصداقية الرؤية استوقفتني كثيرا وليس قليلا كلمة "الإنسان القطري" والذي نتمنى ألا يظل في عرف التسارع الرقمي في التغيير والتطوير مجرد مادة خام تغذي حاشية التعداد السكاني خصوصا في ظل قلة عدد السكان من المواطنين والتفاوت المنقطع النظير في التركيبة السكانية بين القطريين وغيرهم، والتفاوت البالغ بين الفرص التعليميّة المتقدمة المتوافرة بين تعليمين حكومي وخاص مدفوع وغير مدفوع، ولا نتمنى أيضا أن يكون "الإنسان القطري" رهنا في مواطنته للتجزئة أو الطبقية.
ليس الحديث هنا عن سذاجة الفكرة السائدة بـ "ملعقة من ذهب" من تعليم جامعي تصب في فم الطلاب القطريين لمجرد وطنيتهم في موطنهم فيخطئ من يظن أننا نعني أو نطلب ذلك، فإننا ندرك العلم والتعلم ومتطلباته وندرك مسارات الإعداد للقبول الجامعي في تنافسية محلية وعالمية خصوصا إذا كانت تجاه كليات مرموقة السمعة العلمية وعالمية وعالية المعايير.
ولكن الحديث هنا قبل كل ذلك عن مدى تكافؤ الفرص التي توافرت لنقل الإنسان القطري من مرحلة "الإنسان الخام" إن حق لنا تشبيهه بالمصادر الطبيعية إلى مرحلة "إنسان المعرفة والقدرات" وجعله فعلا رأسمال دائم لقطر وثروة قومية لها، وليس عالة أو عبئا على نفسه أو عليها، أو إشكالية تراكمية مستعصية الحل على مخزون الموارد البشرية في ملفات رئاسة مجلس الوزراء ووزارة العمل "درءا للبطالة المهنية وحتى الفكرية " ليعاد تدويره وكأنه أكوام أوراق صديقة للبيئة لا تجد نفسها إلا كتبة ومشتقاتها، ليس ذلك بعد مرحلة التعليم الجامعي السابق الذي لم يواف ِمتطلبات قطر التنموية فحسب، بل بعد تعليم ثانوي لشباب وللأسف ظلوا تحت رهان محبسه عنوة لعجزهم أو ربما عجز تسارع وتيرة تطوير النظام عن إعدادهم لمعايير المرحلة الجديدة التي باغتتهم متطلباتها فجأة لصعود عتبة التعليم الجامعي في الوقت الذي لم تدرك فيه المرحلة أيضا ضرورة أو ربما إجبارية انخراط أسرهم قبلهم في مرحلة الإعداد والتغيير للمرحلة القادمة في "الإرشاد الأكاديمي"، لأن الأسرة هي أهم أدوات التغيير.
هذا ويفترض أن التعليم في المجتمع القطري في جيلهم قطع شوطا وكافح مناضلا في ربيع عقد كامل من عمر قطر منذ عام 2001 في معايير عالمية للتعليم الحكومي المستقل الذي يظن الكثير صوريا أن جميع طلاب التعليم في قطر تلقاه في تساو ٍ، ولكن لم ينل أفراده منه ثمرات المعايير الدولية في ذات الوقت وذات الفرص لأن التعليم الجديد كان موزعا فقط بين عينات من هنا وهناك في مساحة قطر الجغرافية الصغيرة، وهذا أمر يدركه من ادخل أبناءه في مدارس هنا وهناك قبل تحويل وزارة التربية ومدارسها كلية إلى مجلس تعليم والانتقال بالمرحلة الجديدة المستقلة كلية هذا العام في تفاوت ذريع بين مدرسة وأخرى وبين المتقدمين والمتأخرين هذا وقد خذله التطبيق في كثير منها.
نعترف أنه الأمر الذي أسلم قطر إلى عهد جديد ورائع من النقلة المعرفية والعلمية ولكنها "عذرا" النقلة الانتقائية وهذا الانتقاء أو الجزئية في التحويل في التعليم الإلزامي لم يوافقه مرحلية في الانتقال الجامعي بل نُسِفت ويحق لنا أن نقول نُسفت "بما تعنيه الكلمة" وليس استبدلت.. كل معايير الجودة في التعليم في آن واحد — لمرحلة جديدة ومهمة وذات رؤية سابقة ليس في المنطقة فحسب بل في العالم جلّه — نسفت لتوافق المعايير الدولية في الاثنين التعليم الحكومي الإلزامي والجامعي في ذات الوقت، وهذا بيت القصيد وربما عَجُزُ بيته بما يعنيه العَجْزُ.
ولكنها في المقابل لم تضع بدائل لمن لم يدركه حظ التعليم الجديد والمعايير العالية جامعيا، رغم المطالبات السابقة بضرورة توفير جامعة بديلة ولم تكن كلية المجتمع لتكون إلا مؤخرا منذ يناير الماضي 2011، ولن يتخرج الفوج الأول منها حتى تكون قطر قد خرجت في مدينتها التعليمية الفوج الخامس.
ولم تكن هناك خطة لاستيعاب جيل النقلة في مرحلة الانتقال الضرورية ما بين تحويل المادة من مصدر طبيعي أو مادة خام إلى محصلة معرفية وقدرة مهنية تعتمد عليها قطر وتفخر بها لتصل تباعا إلى مرحلة الابتكار التي نريد أن نفتخر بها جميعنا.
ولأن جامعة قطر وهي الوحيدة سابقا كانت تعيش في جدلية اتهامات مفادها: من المسؤول عن ضعف مخرجات التعليم الجامعة أم المدرسة أم المجتمع"؟ كما هي إشكالية من جاء أولا "البيضة أم الدجاجة"؟
أرادت الجامعة الوحيدة أن يبرأ عرضها من تهمة المسؤولية لتنسف معاييرها وترفعها فجأة ولتحمل المجتمع والأسر ذنبا ليس لهم لكي تلصق تهمة الجدلية على " المجتمع وتراخيه" مع معرفة القائمين عليها — وهم أهل خبرة يعتد بها وأهل حل وعقد في التعليمين الجامعي والإلزامي — ما وراء الكواليس التعليمية الإلزامية من هموم وشجون نعلمها وليست بالضرورة تجد من يسمعها.
فكانت الجودة وهذا يدعو للفخر، ولكن كان معها تزامنيا رفع معايير القبول إلى معايير التعليم الأمريكي وهو المصمم للدارسين باللغة الانجليزية وأحيانا للمدارس الأمريكية من توفل أو آيلز ولا يزال هذا معقولا، ولكن كانت "غرابا " وللأسف طبقته أيضا على كل التخصصات حتى طال تخصص التاريخ وكما بدا مؤخرا ليطال في خطته تخصص اللغة العربية دون النظر لشكوى من اشتكى من أهل الضاد لتقييم ضادهم "بالاي بي سي دي" وهذا ما لا يعد تطويرا في هذه المجالات من العلوم الإنسانية بل تغريبا في عقر الدار.
ومن ثم المعايير الأخرى المرسومة لتعليم أعلى من الذي تلقوه ولغتهم الأم سلفا في مرحلية عصر التطوير من "سات" و"أي سي تي" أو "جي ار أي"، ولكن عصر التطوير لم يوازيه عصر التنوير لأنها امتحانات قبول تنافسية لا ضير منها أعلاه سعيا للجودة، ولكن لو جاءت محسوبة سلفا كما التعليم الأمريكي الحكومي العام حتى وليس الخاص فحسب الذي يحضر الطلاب لها منذ الصف التاسع وهو "أول" صف في الثانوية في أمريكا، الذي يبدأ لا في التوعية فحسب بل في إعداد الطلاب أيضا للنقلة الجامعية من رسم المسارات بمعاونة مرشد أكاديمي مختص لكل طالب، فضلا عن تسجيل مواعيد مسبقة لتقديم امتحان السات وغيره من امتحانات تجريبية في المدارس والحث على التعلم الذاتي وتقديمه خارجها في جدول مدروس، هذا حين تهيأ مراكز تعليمية متخصصة للإعداد لمثل هذه الامتحانات — كل وفق مقدار ميزانية ما يصرفه على التدريب خارج المدرسة — حتى لناطقي اللغة ذاتها لأنها كما يشهدون أنفسهم ليست بامتحانات سهلة حتى عليهم خصوصا وان اللغة المستخدمة فيها "المصطلحات" في قسم منها عالية جدا والتي هي مكمن عجز أبنائنا الضاديين لسانا، لا القسم الخاص بالمسائل الحسابية والعلمية وقواعد اللغة أو المنطق والتحليل الذي غالبا ما يتقدمون فيه، وهذا مقياس العقول لا اللغة الثانية لشعوب قحة العروبة كان الشباب فيها ليستوعوبها في إعداد مسبق لم تسخر له نقلة التعليم في قطر ولم يهيأ له الجيل القطري بتكافؤ والذي تنحى معظمه خطوات خلف معايير القبول وبعين دامعة خلف أسوار جامعتهم الوحيدة وكأنهم "أيتام" وخلف جامعات الأب الرحيم "حمد" " الحلم" لمجرد عدم الضلوع اللغوي الإنجليزي الاحترافي حين إنهم يقبلون في ذات الجامعات في البلد الأم في مفارقة.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، جاءت هذه الجامعات الدولية حلما للشباب بتخصصات جديدة ولكنها قوضت آمال وأحلام كثير من الطلاب وأسرهم لأنها خصصت بمقاعد محددة ليس بمقاسات التوفل والسات فحسب لأنها — رغم ما سبق — مقاييس محددة لا يختلف عليها اثنان، بل نظرا لوجود معايير أخرى لا يستطيع الإنسان القطري البسيط أقصد "الشعبي الحكومي لا الخواجة" قياسها لأنها تعتمد فوق الدرجات على اجتياز المقابلة الشخصية التي لا تُعلم نزاهة معاييرها، لأنها تقع خارج نطاق التغطية.
وربما قد تخضع لتقديرات الكراسي المحجوزة سلفا لأولوية "آل البيت" "المدينة التعليمية" من المواطنين وغير المواطنين من موظفيها مثل "مدارسها"، أو لأبناء ٍفي مجتمع أصبح في طبقية بين مخملية — قد يصل الشاب فيها بذاته حتى لا نظلم — وقد يصل البعض بمخمليته وهذا وارد كثيرا، وبين طبقة شعبية ليس أمامها إلا ما جادت به معايير الانتقال المرحلي في الحكومة حتى لو لم تشملهم، بل وحتى لو اخضعوا لما يسمى بجسر أكاديمي أزهقت فيه سنوات من ربيع عمرهم أحيانا دون جدوى علما بان معايير الجامعات النخبة متفاوتة القوة أيضا في البلد الأم.
رئيس "جامعة حمد بن خليفة" ونائب رئيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع لشؤون التعليم أفاد في كلمة ألقاها في ذات المناسبة (بأن الجامعة سيكون لها أثر إيجابي على اقتصادنا ومجتمعنا وستساهم في تحقيق إستراتيجية التنمية الوطنية، وهي ما نطلق عليها "إثراء القدرات البشرية". وانعكاسات إيجابية على مستقبل قطر والمنطقة " " وأضاف إنها تهدف إلى "إتاحة المزيد من الفرص الأكاديمية للدارسين من حيث البرامج والتخصصات من جهة والتجربة التعليمية الغنية من جهة ثانية.")
القول بأنه سيكون للجامعة اثر على الاقتصاد وعلى المجتمع أمر محتوم، بل وإنها حقاً لتحوّلٌ في المنطقة العربية قاطبة، ولكن ما نطمح له هو ان تسهم عمليا في تحقيق استراتيجية التنمية الوطنية وتسهم في إثراء القدرات البشرية لا بمقاعد محدودة العدد او محجوزة سلفا او مقطّرة ومدوّلة بنسب رقمية بين قطر بطبقياتها وبين قطر وخارجها.. وليست الجامعة بمحضنها خلقت أما رؤوما فقط لمخرجات تعليم المدينة التعليمية من أبناء الأكاديميات وأخواتها من "الفرنجة" حول الدوحة فحسب وهي التي نحسبها جميعا تقع تحت مظلة تعليم ٍعال ٍ في قطر ترسم له استراتيجيته بشكل متكامل حتى تتكافأ مخرجات التعليم الحكومي أيضا مع متطلباتها وفقا لمعايير وخطط واضحة لا تجعل أبناء الحكومة أبناء البطة السوداء.
فقطر حقا واعدة ورؤية قيادتها ثاقبة بل سابقة لزمانها، والقائمون على الجامعة في "حمد" لا يألون جهدا وهم المشهود لهم عملهم الدؤوب والمثابرة،
نتوقع فعلا المزيد المزيد من الفرص ولكننا نريدها في علاقة متعدية، فكل ما يحلم به الشباب القطري الممثل لطبقة المجتمع الحكومي ذي التعليم الشعبي — وهو النسبة الأكبر — مشاركة جامعة المدينة التعليمية في الخطة والآلية التزامنية والإلزامية مع مجلس التعليم وهم آل بيت واحد للإعداد والتأهيل العلمي المسبق لها حتى يتحقق لهم حق العدالة ومبدأ تكافؤ الفرص خصوصا وان جامعة المدينة صنعت برؤية وأيد ٍوطنية لتقرب الفرص العلمية البعيدة الرائدة لهذه المنطقة الجغرافية وشعبها، كيف وقد أصبحت تحت اسم "حمد بن خليفة" وسموه الذي وقف وصدح إن التعليم وقف ٌذو ريع ثابت يحصد بلا شك ما تشربه جذوره.
كاتبة وإعلامية قطرية Twitter: @medad_alqalam medad_alqalam @ yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1653
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1299
| 16 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
852
| 11 يناير 2026