رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تخفى على أحد أهمية المياه للحياة بمختلف جوانبها الغذائية والصحية والبيئية والإنتاجية كما أنها مصدر للطاقة. استعملت المياه تاريخيا في الاستهلاك والإنتاج والتدفئة والتبريد كما للنقل ولتحقيق جزء من السياسة البيئية التي لا يمكن إهمالها في عصرنا اليوم. 70% من المياه تستعمل للإنتاج الزراعي، فلا زراعة دون مياه متوافرة بسهولة وبتكلفة مقبولة، كما أن للمياه فوائد كبرى لا تحصى ولا بديل عنها، تسبب أحيانا خسائر في البشر والحجر عبر الطوفان والفيضان اللذين لا يرحمان أحدا بمن فيهم الفقراء وأصحاب الحاجات الخاصة وغيرهما. يحتاج الإنسان إلى شرب لترين من المياه العذبة النظيفة يوميا للاستمرار في الحياة، نفهم قيمة المياه خاصة عندما تكون غير متوافرة، تماما كما يحصل في لبنان مثلا منذ عقود. سنة 2014 كانت صعبة بسبب شح المطر، وبالتالي اضطر اللبنانيون لشراء المياه للاستهلاك المنزلي بأسعار باهظة. تشير هذه السنة إلى إمكانية توافر المياه صيفا نتيجة الأمطار التي هطلت وتهطل بغزارة فوق بيروت والمناطق. انخفاض أسعار النفط يسمح للبنانيين خاصة في الجبال بالتدفئة في هذه الأيام الباردة التي فاقت التوقعات في عمقها وطولها، لا تقتصر أهمية المياه على الاستهلاك العادي، إنما تشكل مصدرا للطاقة المباشرة وغير المباشرة أي عبر الطاقات الأخرى. هنالك دول غيرت عواصمها وموقع مؤسساتها بنقلها إلى الشاطئ. الدول التي ليس لها منفذ على البحار تعتبر مغلقة، وهنالك ملامح مشتركة لمواطنيها تميزهم بوضوح عن سكان الدول العادية. المياه مهمة جدا للإنسان والدول ليس فقط للاستمرار في الحياة، وإنما للتقدم عبر الاختراعات التي ارتكزت في جزء منها على المياه. التحدي الذي يواجه الإنسانية والمجتمعات هو كيفية إدارة هذا المورد أو هذه الثروة ضمن معايير الشفافية والفعالية والنوعية للحفاظ على استمراريتها. لا خوف من الشح المائي العالمي، إذ إن الدورة الطبيعية العلمية مستمرة. تتبخر المياه فتحدث غيوما فالمطر هو الذي يغذي الأرض والينابيع والأنهر والسدود. هنالك مشكلة تكمن في توافر المياه العذبة التي تصبح أكثر أهمية مع التزايد السكاني في كل المناطق خصوصا منطقتنا العربية. خلال القرنين الماضيين، ارتفع استهلاك المياه العذبة ضعفي الزيادة السكانية ومن المرجح أن ترتفع النسب أكثر مع انتقال الصين والهند إلى مجتمعات أكثر استهلاكية من الماضي. معظم الحروب الماضية كان مرتبطة بالطاقة من نفط إلى غاز أو فحم. من المرجح أن تكون حروب المستقبل مرتبطة بالمياه مع التكاثر السكاني والانحدار البيئي. من ناحية أخرى، تشير الإحصاءات إلى زيادة سكان المنطقة العربية 63% قبل سنة 2050 مما يحتم الانتباه إلى المصادر والاهتمام بالبيئة كي تكون المياه المتوافرة نظيفة ولا تحدث أمراضا تفوق في خطورتها ما نعرفه اليوم في العديد من الدول. هنالك من أطلق على الأرض تسمية "الكوكب المائي" إذ إن 70% من مساحتها مكونة من مياه، كما أن 97% من المياه مالحة مما يفرض التحلية في دول عدة منها دول مجلس التعاون الخليجي. اخترع "جيمس وات" المحرك البخاري الذي قلب الصناعة رأسا على عقب وكان السبب الأساسي في إحداث ثورة صناعية غيرت معالم التاريخ وأثرت على العلوم والثقافة وطرق الحياة وكافة المجتمعات. كانت المياه ومازالت أهم سلعة يحتاج إليها الإنسان متفوقة على النفط الذي يمكن الاستغناء عنه، على عكس المياه التي لا بديل لها. 20% من السكان يفتقدون إلى المياه العذبة للشرب والطهي و40% يفتقدونها للحفاظ على مستويات صحة عامة ونظافة منزلية مقبولة. تربط المياه الإنسان بأرضه وتدفعه إلى الحفاظ على حقوقه والاستمرار في العيش في دولته. تخلق المياه علاقة قوية بين الإنسان وأرضه وتعتبر أحد معالم الجغرافيا الأساسية التي يعيش ضمنها. كما النفط وبقية السلع والمواد الأولية، فالمياه ليست موزعة دوليا بشكل عادل. هنالك دول قليلة محظوظة بالمياه بل هنالك 8 منها تعتبر الأغنى مائيا وتتوافر فيها كميات كبرى تؤثر إيجابيا على اقتصادها وهي البرازيل، روسيا، كندا، الصين، إندونيسيا، الولايات المتحدة، بنجلادش والهند. من العوامل الأساسية التي تميز دول عن أخرى هي مدى توافر المياه فيها. في منطقتنا، هنالك أنهر عدة إلا أن أهمها هي النيل ودجلة والفرات. تتقاسم مياه النيل عبر اتفاقية وقعت في سنة 1959 ثلاث دول، أي مصر وحصتها 55.5 مليار متر مكعب في السنة والسودانيين بمجموع 18.5 مليار متر مكعب سنويا. تحاول إثيوبيا التي سيرتفع سكانها من حوالي 85 مليونا اليوم إلى 120 مليون نسمة في سنة 2025 أخذ حصة كبيرة عبر تغيير مجرى النهر عمدا، وهذا ما ترفضه مصر. المعلوم أن إثيوبيا تحتوي على مساحات كبرى من الأراضي الخصبة التي تسمح لها بإنتاج كميات كبيرة من الغذاء إذا توافرت لها المياه. تستفيد إثيوبيا من الأوضاع الدقيقة التي تمر بها مصر للاستفادة من الثروة المائية العربية. يبلغ طول نهر دجلة 1800 كلم ويمر في 3 دول هي تركيا وسوريا والعراق. يبلغ طول الفرات 2795 كلم ويغذي الدول نفسها، حاولت تركيا الاستفادة من النهرين، فأنشأت بدأ من سنة 1976 حوالي 22 سدا (9 على دجلة و13 على الفرات) كما أنشأت 19 معمل إنتاج كهربائيا بطاقة سنوية تبلغ 30 مليار كيلو وات ساعة وهي تصدر اليوم الكهرباء. كما ارتفعت الإنتاجية الزراعية التركية بفضل توافر المياه للري، فزادت الكميات المنتجة وتنوعت. استغلت تركيا طبعا الأوضاع المتقلبة في المنطقة العربية لتوسع استفادتها المائية، مما انعكس إيجابيا على مجمل اقتصادها بما فيها الصناعة والسياحة بالإضافة إلى الزراعة. تستفيد إسرائيل أيضا من الأوضاع الفلسطينية والعربية المتردية وتسرق المياه من لبنان وفلسطين. يستهلك الفلسطيني 80 مترا مكعبا من المياه سنويا مقارنة بـ323 للإسرائيلي و150 للأردني. 68% من المياه المستهلكة إسرائيليا تأتي من الخارج بينها 28% من لبنان. هنالك ضرورة عالمية لترشيد استعمال المياه منعا للهدر وحفاظا على توافر المادة للأجيال القادمة. من العوامل المرشدة هي الأسعار التي تتفاوت من مدينة إلى أخرى تبعا لتوافر السلعة. بالدولار وللمتر المكعب الواحد، تتفاوت الأسعار بين 3.27 في مدينة نيويورك، 7.38 في كوبنهاجن، 3.8 في لندن، 2.45 في دبي، 0.03 في جدة و2.8 في لوس أنجلوس. تعبئة المياه العذبة للبيع إلى المنازل تعتبر من أنشط الصناعات العالمية حيث بلغ حجم مبيعها السنة الماضية 100 مليار دولار مع تزايد سنوي يقدر بـ10%. تقيم أنشطة المياه للاستعمالات المختلفة بحوالي 400 مليار دولار سنويا. هنالك دول تخصخص قطاع المياه فيها، لكن التجارب العالمية متفاوتة بين النجاح والفشل تبعا لطريقة الخصخصة وسياسة تحديد الأسعار والرقابة الموضوعة على النوعية. لماذا القلق بالنسبة للمياه في المنطقة العربية وما هي الحلول الممكنة؟ تكمن المشكلة في البيئة الملوثة المؤثرة سلبا على توافر ونوعية المياه، هنالك الزيادة السكانية وارتفاع الاستهلاك إلى مستويات غير مسبوقة، هنالك الإدارة السيئة للمادة والتي تعود إلى عدم توافر المعلومات والأرقام أي إلى غياب الشفافية واعتماد أسعار منخفضة تشجع على الهدر كما إلى غياب السدود وقنوات النقل والتوزيع وغيرها بالإضافة إلى عامل الطقس. في لبنان هنالك عجز مائي سنوي نتيجة سوء التخزين وتردي أنابيب النقل كما بسبب الهدر، مما حتم على المجتمع المدني وضع مشروع "الذهب الأزرق" وهي خطة خمسية تهدف إلى تحسين وتفعيل إدارة قطاع المياه بحيث يستفيد اللبنانيون أكثر بكثير من هذه الطاقة المتوافرة في كل الربوع اللبنانية.
الاقتصاد الإيراني.. من العقوبات إلى التنمية
تعتمد العقوبات دوليا لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو غيرها.. لم تكن النتائج باهرة حتى اليوم من ناحية... اقرأ المزيد
877
| 21 سبتمبر 2014
قوة الدولار من قوة أمريكا
المعروف عالميا أن قوة النقد تنبع من الوضع الاقتصادي العام، إلا أن هذا ليس صحيحا دائما، كما شهد... اقرأ المزيد
1295
| 17 سبتمبر 2014
لماذا تبقى أسعار النفط مستقرة؟
ما يدعو للعجب هو بقاء أسعار برميل النفط لفترة غير قصيرة في حدود 100 دولار للبرنت رغم التقلبات... اقرأ المزيد
850
| 03 سبتمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2238
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1473
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1128
| 11 أكتوبر 2026