رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعتبر العلاقات العامة كعلم وفن وممارسة كما نعرفها اليوم منتج من منتجات القرن العشرين، تطورت ونمت وانتشرت بتطور الوسط الاقتصادي والإداري والسياسي والاجتماعي والثقافي الذي تعمل فيه. كانت بدايتها الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية على يد صحفيين مخضرمين اقتنعوا بأن الكثير من المشاكل التي تحدث ما بين المنظمات وجماهيرها تعود أسبابها إلى انعدام أو ضعف الاتصال بشتى أنواعه وأشكاله بين مختلف الأطراف. والالتباس الذي اقترن بالعلاقات العامة كان يتمثل دائما في مفهومها والنظرة إليها وكذلك تطورها عبر الدول والمجتمعات. فإذا كانت العلاقات العامة قد تطورت وانتشرت في المجتمع الأمريكي اعتبارا من الثلث الثاني من القرن العشرين فنجدها في معظم باقي دول العالم ما زالت في مراحلها الأولى وما زالت النظرة إليها كوظيفة وكعلم وكفن يشوبها الكثير من سوء الفهم والالتباس وفي الكثير من الأحيان التبسيط والتهميش.
الكلام عن صناعة العلاقات العامة في الشرق الأوسط يقودنا لمراجعة أربعة عقود من الممارسة في الميدان ومن التعليم والتدريس الأكاديمي في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي. العلاقات العامة كمهنة فرضت نفسها في جميع مجالات الحياة. فنجدها في السياسة والاقتصاد والسياحة والطب والرياضة والتعليم...الخ. والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل تمارس هذه المهنة بمهنية وحرفية وبجودة من أجل تحقيق الأهداف المرجوة منها أم أن هناك نقائص وتجاوزات واختراقات لأسس ومبادئ هذه المهنة. فالاحترافية والمهنية والتميز لها شروط ومقومات ومستلزمات رئيسة لا بد من وجودها وتوفرها كالتأهيل الأكاديمي والعلمي، والاعتراف بالمهنة وباستقلاليتها، ومواثيق أخلاقية، والمسؤولية الاجتماعية والنزاهة والالتزام. كما يتطلب التميز في العلاقات العامة الاعتراف بها من قبل الإدارة العليا، الاتصال المتكافئ في اتجاهين، درجة عالية من الرضا الوظيفي، قدرة عالية من الإدارة والتسيير والأخلاق والالتزام.
أصبحت العلاقات العامة تلعب دورا استراتيجيا في حياة المنظمة بمختلف أشكالها وأنواعها سواء كانت حكومية أو خاصة، ربحية أو خدمية وسواء كانت تنشط في المجال الرياضي أو الثقافي أو الصناعي أو التجاري. وتكمن هذه الأهمية بالدرجة الأولى في مكانة الفرد عند المنظمة وفي المجتمع. فالفرد أصبح من حقه ومن واجبه أن يعرف ما يجري من حوله وما يجري داخل المنظمات والمؤسسات التي يتعامل معها. إضافة إلى ذلك أصبح الرأي العام يلعب دورا محوريا في المجتمع وهذا يعني ضرورة توفير المعلومة والاعتماد على هذه المعلومة في صناعة القرار.
ومن أهم المشاكل التي تعاني منها العلاقات العامة في الوطن العربي ما يلي:
* انعدام التخطيط الاستراتيجي: فالتخطيط الاستراتيجي له شروطه ومبادئه وأسسه فهو يحتاج إلى كادر مؤهل وإلى إمكانات مادية معتبرة وإلى ثقافة تؤمن بالحاجة إلى المعلومات والإحصاءات والبيانات لصناعة القرار. كذلك التخطيط في العلاقات العامة بحاجة إلى منظمة تؤمن بالتخطيط وتؤمن بالشفافية وباحترام الفرد واحترام رأيه وفكره وحريته. وإذا غابت هذه المستلزمات والمعطيات فلا نستطيع أن نتكلم عن تخطيط استراتيجي لجهاز العلاقات العامة.
* انعدام البحوث والدراسات: البحوث والدراسات تحتاج إلى الإيمان الراسخ بالمعلومة وبالإحصائية كما تؤمن بالصناعة السليمة والعلمية والرشيدة للقرار داخل المنظمة. والعلاقات العامة من دون دراسات وبحوث لا معنى لها بلغة الاستراتيجية والتخطيط ودعم صناعة القرار. فالعلاقات العامة تبدأ بوظيفة البحث وتنتهي بالبحث.
* انعدام استراتيجية للتعامل مع الأزمات والطوارئ: التعامل مع الأزمات والطوارئ بحاجة إلى دراسات وأبحاث وتخطيط استراتيجي وإذا غابت هذه الأمور غابت استراتيجية التعامل مع الأزمات.
* انعدام ميزانية كافية ومعتبرة للقيام بالمهام المنوطة بالعلاقات العامة: في ظل ضعف الميزانية وضعف الكادر البشري لا يستطيع جهاز العلاقات العامة أن يؤدي مهامه على أحسن وجه ويكتفي في غالب الأحيان بالوظائف الفنية والروتينية والتنفيذية البسيطة على حساب الوظائف الجوهرية والاستراتيجية.
* انعدام استراتيجية اتصال متوازن ومتكافئ في اتجاهين وسيطرة التوجه الأبوي السلطوي الأحادي الاتجاه في عمليات الإعلام والاتصال بين المنظمة وجماهيرها: هذه نتيجة حتمية للفهم الخاطئ العلاقات العامة التي تُستعمل في هذه الحالة كبوق للمؤسسة على حساب مهامها الاستراتيجية. من جهة أخرى إذا كان المناخ الديمقراطي غير متوفر وحرية الفكر والرأي غائبة داخل المنظمة فهذا يؤدي إلى اتصال في اتجاه واحد وإلى علاقة سلطوية أبوية بين المنظمة وجماهيرها.
* البعد عن دائرة صناعة القرار: إن بعد جهاز العلاقات العامة عن دائرة صناعة القرار يؤدي إلى تهميشها وتجريدها من مهامها الاستراتيجية داخل المنظمة والتي تتمثل أساسا في البحث وفي التخطيط الاستراتيجي، والعلاقات العامة من دون بحث علمي لا تستطيع أن تكون فعالة وصاحبة نفوذ داخل المنظمة. من جهة أخرى يعتبر قرب جهاز العلاقات العامة من دائرة صناعة القرار تواصل صحي وإيجابي بين الإدارة العليا والعلاقات العامة ومعرفة ماذا تستطيع هذه الإدارة أو الجهاز أن يقدمه إلى المنظمة ككل سواء على المستوى الداخلي (الاتصال التنظيمي-المؤسساتي- الداخلي) وعلى المستوى الخارجي فيما يتعلق بتسويق المنظمة للجمهور وتسويق الجمهور للمنظمة. فمكانة العلاقات العامة في المجتمع مرتبطة بمكانة ودور الرأي العام في الحياة العامة. من جهة أخرى يجب الاقتناع أن العلاقات العامة هي ثقافة وهي ممارسة للديمقراطية قبل أن تكون مهنة إدارية اتصالية.فالعلاقات العامة تبدأ بالرأي العام وتنتهي بالرأي العام وإذا كان المجتمع لا يحترم الرأي العام فالعلاقات العامة في هذه الحالة لا تستطيع أن تقوم بإنجاز الكثير من مهامها الاستراتيجية داخل المنظمة. فالعلاقات العامة تعني الممارسة الديمقراطية للاتصال بمختلف أنواعه وأشكاله داخل المنظمة وخارجها وهذا يعني حرية الفكر والرأي والتعبير وكذلك احترام الرأي الآخر والأخذ به إذا كان رشيدا وصائبا.
* أهمية العلاقات العامة مرتبطة بقيمة الفرد ومكانته في المجتمع: من جهة أخرى تقوم العلاقات العامة أساسا على الفرد وهذا يعني أننا لا نستطيع أن نبني علاقات صحية وقوية وناجحة بين المنظمة وجماهيرها إذا لم نحترم الفرد. فالفرد هنا هو رأسمال المنظمة واحترامه يعني ممارسة درجة عالية من الديمقراطية ومن الحرية المسؤولة عند تعامل المنظمة معه. والعلاقات العامة ما هي إلا تجسيد لاحترام الفرد واحترام حريته ورأيه ووجهة نظره.
تواجه العلاقات العامة في الوطن العربي تحديات كبيرة جدا نظرا للتطور الكبير الذي تشهده المنطقة في المجال السياسي والاجتماعي والثقافي. فالربيع العربي يعتبر ثورة في مجال التواصل الاجتماعي والعلاقات بين المكونات المختلفة للمجتمع التي استفادت من التطور الهائل في مجال تكنولوجية الاتصال. هذه المعطيات كلها تتطلب وجود إدارات علاقات عامة قوية وفعالة سواء في القطاع العام أو الخاص لأن المنظمة الحديثة بحاجة إلى مستوى عال من الاتصال والتعامل مع جماهيرها المختلفة. فالعولمة الاقتصادية تتطلب درجة عالية من الاتصال والمعلومات والتعامل مع الجماهير.
إن تصاعد وتنامي أهمية الرأي العام في المجتمع وكذلك انتشار الديمقراطية ونضج المجتمع المدني وانتشار تكنولوجية الاتصال والمعلومات كلها عوامل تفرض حاجة المنظمة المتنامية للعلاقات العامة وكذلك الحاجة إلى الاهتمام بالجمهور وبالرأي العام وهذا ما يؤدي إلى نمو وتطور العلاقات العامة وانتشارها والحاجة الماسة إليها في مختلف أنواع المنظمات (حكومية، خاصة، تجارية، سياسية، خدمية...الخ. من جهة أخرى نلاحظ توجه المنظمة الحديثة إلى الإدارة بالأهداف التي تؤمن بالدراسة والتخطيط الاستراتيجي وبالبيانات والمعطيات العلمية لصناعة القرار حيث ضرورة التوجه نحو الإبداع والابتكار والاحترافية والتميز في التعامل مع المشاكل التنظيمية والإدارية وقضايا الجماهير المختلفة؛ فالقرن الذي نعيش فيه يفرض عولمة العلاقات العامة التي تقوم أساسا على الاحترافية والقيادة والتميز والأخلاق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1122
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
627
| 12 أكتوبر 2026