رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتجمع في سماء الأرض العربية غيوم يزداد لونها سوادا، تنذر بسيول حمضية ستحرق الحرث والزرع، بعض الغيم أنزل زخات حمضية، ومازالت الغيوم حبلى، ولم تصحو السماء، بينما لونها يشتد سوادا.
احتلت وقائع سوداء مشهد الانتخابات المصرية، لا يُنقِص من سوئها تصريحات هنا أو هناك، ولكن ذلك ما عشناه، ورأيناه، وأدركناه من دون نقل أو روايات منقحة أو مزودة بإضافات التشويق، الوقائع جميعها تؤكد أن جيل أكتوبر قد اندثر، وأهال عليه التراب جيل الوارثون من دون حق ولا شرعية، وأن المسألة ليست اصطياد سمكة "القرش الإخوانية" كما يدعون، فهي لا تعدو سمكة أنتجها المزارعون في أحواض خاصة، لم تتغذ غذاء طبيعيا، وصار لحمها مترهلا، لسكونها وخلودها إلى الهدوء فليس هناك ما يدفعها إلى الحركة من سعي إلى الرزق أو تعامل مع الخطر، ولم يضعوا في أحواضها كما يقول المثل الألماني "سمكة قرموط" كثيرة الحركة والصدام، مما يدفع سمك الأحواض للحركة فيتكون جسمه وينمو وتزداد حيويته، سمكة وديعة جرى اصطيادها بالمتفجرات بدلا من شباك الصيد، وأطاحت أصداء الانفجار، بمكونات الحياة الحزبية، وتداعت التوابع بانقلابات داخل الأحزاب تستهدف أشخاص قياداتها، حيث يسكن الفساد في الرأس كما هي الأسماك، ولا تعرض دون النزع من الكراسي والإحلال شيئا آخر.
مصر لا تنقسم إلى عرقيات وقبائل، وحدها النيل، وأضفى النشاط الزراعي على أهلها نوعا من الصبر والهدوء، يخاله الغريب عنهم أنه الغفلة وقد نالت منهم، أو أنه الموت، ولكنها سمة أهل الري الدائم، والزراعة الناعمة، ومصر عبر التاريخ نسيج واحد، لا يداهمها الاقتتال والفتنة إلا مصنوعاً، ومستهدفا، وحتى القتل والثأر في مجتمع الصعيد له أصوله وقوانينه، وكان أيضا مجتمع الجريمة والمطاريد في الجبال مجتمعا له قوانين تحكمه ويخيل إليك أنه مجتمع له حكماؤه.
كشفت الانتخابات الأخيرة أن الإرهاب صار منهج الدولة، وانتقلت البلطجة من الحراسات الشخصية في إطار الوجاهة، إلى تكوين الميليشيات من أدنى الأشخاص سلوكا داخل المجتمع، وانتقل الأداء الأمني للدولة من حماية المجتمع والأمن العام للمواطنين، إلى استخدام البلطجة لتنفيذ أهداف التحالف الحاكم، وباستدعاء المجرمين المحكومين من سجنهم لأداء مهام بين الناخبين والعودة بعدها مع بعض المقابل.
والتباين الحاد بين الوقائع والتفسيرات الرسمية، ينذر بأن القادم من أحداث سيشهد تجاوزات أكثر حدة، خاصة عندما يلجأ الكل إلى الميليشيات كوسيلة أكثر نجاحا من الاتصال السياسي، وليتطور الفكر البلطجي بتغيير السلاح من سلاح بدائي إلى آخر متطور، والموردون على الحدود جاهزون، فكل سلاح في غير موضعه في مصر هو سلاح لصالح إسرائيل.
أسقطت البلطجة المرشحين الذين لا يريدهم التحالف الحاكم، أسقطت المعارضة، ولكنها في الوقت ذاته أسقطت الجمهورية الثانية والتي امتدت من 1971 إلى يومنا هذا، وصارت مصر في حاجة إلى شرعية جديدة يكون الشعب قادرا على دفع ثمنها.
تتابعت الوقائع في الأحزاب الثلاثة التجمع والناصري والوفد وجماعة الإخوان، وكلها تنبئ بأن القادم تنفيس عن غضب ولا يتجاوز هذا، وخرجت دعوة لتشكيل مجلس نيابي موازٍ، بلا شرح لكيف ولا ممن ولا لماذا؟، "وعادت ريمة إلى عادتها القديمة" وخرج الخاسرون في الانتخابات بنداء لوقفه ضد التزوير، الكل فاقد لخطة أو رؤية، الكل يلهث وراء كاميرات الإعلام، دون الوعي بأنها لا تغير من الواقع شيئا، وأنه لا تغيير من دون رؤية إستراتيجية.
الحقيقة أن تحالف السلطة والثروة لم يكشف عن وجهه وبفجور فحسب بل في الوقت ذاته عرى الأحزاب والإخوان، وكشف أنهم ظواهر صوتية، لا جذور لها، ولم يدع التحالف الحاكم وسيلة قبل الانتخابات أو أثناءها أو بعدها إلا واستخدمها لتحقيق أهدافه، لأنه ليس هناك من يملك قوة يمكنها أن تردعه، فيخشاه.
الخطر يتصاعد ويقترب من مصر، ومصر مشغولة في غيوم الردة السوداء، سرقوا نتائج أكتوبر 73، وسرقوا ناتج عرق الشعب على مدى عشرات السنين، ويسعون إلى وأد الإرادة، ولم يعد أمام الشعب إلا أن يشق لنفسه طريقا واضعا في اعتباره أن الدولة تملك سلاح البلطجة وفقدت واجب الالتزام الدستوري تجاه الشعب وأمنه ومستقبله، وغير هذا هو خداع للنفس.
الأحزاب الثلاثة والجماعة شاركوا في مسرحية الانتخابات الأخيرة، شاركوا عن طبيعة تجمعهم مع التحالف الحاكم، فالجماعة لم تعرض مشروعا وطنيا، ولكنها تحمل مشروعها الخاص الذي لا يعدو مجرد التواجد، وكذلك هي الأحزاب التي تصورت أنها بعد أن يؤكل الثور الأبيض سترث عرش الطاووس الذي عاش عليه الثور الأبيض ثمانين عاما، نصفها في أحضان الجمهورية الثانية.
في الحزب الناصري تكرس الانقسام الحادث بين جبهتين، الأولى أطلقت على نفسها "جبهة الإصلاح والتغيير" والأخرى جبهة الأمين العام الحالي، وصار لما يسمى جبهة الإصلاح والتغيير متحدثا رسميا، وأعلنت أنها تملك تفويضا من رئيس الحزب لنائبه، وأنها تملك توقيعات 224 عضوا من المؤتمر العام وهي نسبه 45% من أعضائه، وأطلقت على الطرف الآخر لقب "عميد الفاشلين"، الذي اتهمهم بدوره أنهم مزورون.
كلاهما إذا شاء صدق من صديق لهما، لا يصلح أن يبقى، كلاهما وبمكوناته السياسية والجماهيرية، خارج أي وجود شعبي أو قيمة سياسية، ووجب أن يخلي مكانه، فالفشل ليس في انتخابات مجلس الشعب، ولكن الفشل في ثمانية عشر عاما مضت من عمر الحزب، تآكل خلالها دور ورثة من حركة التأسيس التي قادها المرحوم فريد عبد الكريم، كانت تتجاوز بحيويتها الأحزاب القائمة، ليصبح على أيديهم شريكا في جريمة الحكم في مصر، وتآكلت رؤية إستراتيجية وتصور سياسي كان يمثل ركيزة لحركة المقاومة في مواجهة حركة الانقلاب والردة في مصر، وكما ورث الصامتون حركة التأسيس ووأدوها، يسعى 224 عضوا لوراثة الحزب الناصري في مشهد لا يقل عبثية عن مشاهد البلطجة في الانتخابات.
تكاد الصورة في حزب التجمع تتكرر، صراع بين رئيس الحزب، وممثلي 20 محافظة، وأيضا الصراع يشتد أواره بعد أن تآكل الوجود الجماهيري للحزب، واستمرأت قياداته، الشكوى من حصار السلطة للأحزاب، ولم يتبق لها من الفكر اليساري إلا العداء لجماعة الإخوان.
وتبقى الخديعتان القادمتان من مجتمع ما قبل الثورة، حزب الوفد وجماعة الإخوان، لا يحمل أي منهما مشروعا وطنيا، وإن كانت الرطانة بما يسمى الليبرالية والديمقراطية، أو الالتحاف بالدين، هي حيثيات الوجود، وكلاهما شريكان مع التحالف الحاكم في جريمة البلطجة الانتخابية بعد أن استدرج كل منهما الآخر إلى المشاركة في الانتخابات، ونجح التحالف الحاكم في الإيقاع بهما.
شارك الوفد التحالف الحاكم في معركة وأد الإعلام المعارض، وصارت تجربة الدستور هي رأس الذئب الطائر التي أودت بالإعلام إلى غياهب "الكلام الأخرس" من باب التنفيس لأي احتقان يمكن أن يتولد.
وتكاد الجماعة تؤدي دور الترابي وجماعته في السودان، وكأنها ستؤدي بنا إلى التقسيم، وضياع الجنوب، وهي بذاتها لا تحمل مشروعا اجتماعيا وسياسيا واضح المعالم. ويخطئ البرادعي وهو يتوجه بحركته إلى الجماعة كي يمنحها قبلة الحياة، فهي في حاجة إلى تقييم للذات ومراجعة واجبه، وإلا فهو يهدر دروس الأيام الماضية، ويجمع المتناقضات، ولن يجني إلا محصلة العجز.
نجحت جماهير الشعب المصري في ثورة 1919، لأنها كانت حركة للأمة، وهي خاصية جرى ضربها بالتكتلات التالية تحت مسميات حزبية، ولم يبق الوفد مجرد حزب، ولكنه بقي شاهدا على خاصية الأمة التي يتسم بها الشعب، حتى بعد أن أصبح حزبا لكبار الملاك، وليس حزب الجلاليب الزرقاء، وهكذا صار الاحتياج إلى قيادة تستطيع استدعاء الأمة، وسط طبول وصخب "معارضة السلالم الرخامية". طرحنا من قبل بديل التنادي بين قامات قادرة على الحوار وجمع الأمة، وكل الرجاء إلى أصحاب دعوات ما بعد الانتخابات أن يلتقطوا أنفاسهم، ويصمتوا لبعض الوقت، ولعل الشعب يبدأ العصيان، بالخروج من الأحزاب والجماعات، فهي أضغاث أحلام ليس لها وجود حي.
في حوار مع صديق بالسودان حول أزمة الجنوب والدور المصري قال لي: "الإشكالية أن مصر في صراع على مدار الساعة، والكيد الإسرائيلي من الداخل والخارج، والكانتونات اللاوطنية في داخل مصر تصعب المسألة، والرأسماليون الجشعون في مصر يكادون هم والحكومة المختلة أن يطيحوا بالنظام"، ولم يكد ينتهي الحوار بيننا إلا ونقلت وكالات الأنباء تصريحات لمسعود البرزاني عن حق تقرير المصير للأكراد في العراق، إسرائيل تجد لنفسها وجوداً في جنوب السودان، وفي شمال العراق، بينما مصر تحاول درء الحرب الأهلية عن نفسها، وتجاهد أن تسترد الإرادة الوطنية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1734
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1437
| 16 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
852
| 13 يناير 2026