رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من تسعى إليه المناصب ويمنح الثقة لتوليها عليه أن يقبلها وليس التزهد والابتعاد عنها
جملة مؤثرة صاح بها الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على أحد الصحابة الكرام، وقد أراد أن يوليه مسؤولية إدارة إحدى الولايات الإسلامية، فكان الرفض الجميل من الصحابي للعرض، إلا أنه واجه رفضاً من نوع آخر من أمير المؤمنين عمر..
فما القصة؟
حين أراد الفاروق عمر – رضي الله عنه - تولية وال جديد على مدينة حمص، أخذ يستعرض الأسماء في ذهنه. فقد عرفه الناس دقيقاً ورعاً - رضي الله عنه - في أي مسألة تهم المسلمين، ومنها مسألة اختيار الولاة والمسؤولين وما شابههم، للمناصب أو المسؤوليات إن صح وجاز التعبير. فقد كانت الأمانة على رأس المعايير التي كانت عنده، قبل الكفاءة والجدارة والمهارة. أما القرابة وغيرها من معايير سادت من بعد الخلافة الراشدة في أغلب بلاد المسلمين وكذلك غير المسلمين في العالم، فقد كانت مستبعدة عند الفاروق، بل لا وجود لها في دفتره الخاص باختيار المسؤولين.
حتى لا نبتعد كثيراً عن القصة..
صاح عمر بعد أن لاح في ذهنه اسم الشخص المناسب لهذه المسؤولية.. وقال:" قد وجدته. إليّ بسعيد بن عامر.. فيتم استدعاؤه وهو لا يدري ما الخطب وما الأمر، ليفاجأ بعرض أمير المؤمنين عليه ولاية حمص، وما أدراك ما حمص في تلك الفترة..
فهل كبّر سعيد وهلل، أو أثنى وشكر الفاروق على ثقته وإسناد منصب ولاية حمص إليه؟ المنطق السائد والمعروف دون كثير تفكر، أن هذا هو المفترض أن يكون من سعيد. فأن يستدعيك ولي الأمر وصاحب القرار الأول في البلاد ليمنحك ثقته ويسند إليك أمراً يحلم ويطمع فيه أو يخطط له كثيرون، هو دون شك أمر ليس بالهيّن أو بالذي يمكن تجاهله وعدم الترحيب به.. لكن سعيداً يعتذر ويقول: " لا تفتنّي يا أمير المؤمنين !
عجيبٌ أمر سعيد بن عامر.. يرفض الولاية، فيما كثيرون يحلمون بها ويسعون إليها بكل الطرق.. فهل الدهشة انتهت هاهنا؟ لا، لم تنته بعد.. إذ الأعجب من الاعتذار المبدئي الذي كان من سعيد، هو رد فعل الفاروق – رضي الله عنه – حين صاح به قائلاً:" والله لا أدعك ". هكذا وبكل اختصار وحزم قالها عمر لسعيد، ليس تخويفاً وترهيباً، باعتباره زعيم الأمة وسعيد أحد أفراد رعيته. لا، بل كان الموقف يتطلب حزماً عُمرياً لأجل أن يترك سعيد الورع وحب الذات في هذا الأمر أو هذا الموقف، حتى لو كان في طاعة الله، لأنه يدعوه إلى طاعة أخرى لله، هي عند الفاروق أفضل لسعيد بمراحل عديدة، وفي يقينه أن سعيداً لم يدركها بعد.. فأكمل عمر كلامه لسعيد قائلاً:" أتضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي، ثم تتركوني؟
بقية كلماته كانت النقطة المفصلية في الحديث، ودلالة على دقة وعمق الفهم عند الفاروق. نعم، كان عمر يدرك حجم الأمانة الملقاة على عاتقه وهو يدير أعظم الدول حينها. الأمانة التي أراد الاعتذار عنها يوماً ما – كما يفعل الآن سعيد معه - لكنه وافق بعد إصرار الصديق أبي بكر – رضي الله عنه – عليه وأهمية أن يتولى هو الخلافة من بعده. فوافق حينها من بعد أن وعى منطق أبي بكر، وأنه ليس من العدل فعلاً أن يتولى كل صاحب كفاءة وعلم عن المسؤوليات الكبيرة لسبب شخصي أو ما شابه.
كيف تعامل عمر مع اعتذار سعيد ؟
اعتذار سعيد عن تولي إدارة حمص أغضب عمر فعلاً، ليس لشيء سوى أنه رأى حينها الكفاءة والأمانة في شخص سعيد بن عامر، وأنه الأفضل من بين من استحضر أسماءهم في ذهنه، وإنه من الأنانية أن يعتذر وقت حاجة الدولة إليه. فكلنا يرغب ذاك الاعتزال والانفراد عن الناس وعبادة الله وكسب الحسنات وتجنب السيئات، ولكن هل الدول تُدار بالزهد والدروشة والانقطاع عن الدنيا؟
دخلت كلمات عمر صميم قلب سعيد فاقتنع بها، وربما قال في نفسه بأنه ليس من العدل فعلاً كما قال أمير المؤمنين أن نتركه وقت حاجته إلينا - أو إن صح التعبير - حاجة الدولة إليه، وندعه يتحمل المسؤوليات بنفسه.. فوافق الصحابي الجليل سعيد على ولاية حمص وتوكل على الله وذهب بأهله إلى موقعه الجديد. وصدقت فراسة الفاروق فيه، فكان نعم الوالي بشهادة أهل المدينة، الذين لم يكن يرضيهم أي وال من الولاة، نظراً لصعوبة مزاجهم. فكان سعيد هو التطبيق العملي لمقولة الرجل المناسب في المكان المناسب والوقت المناسب.. واقرأوا عنه في سير الصحابة لمزيد استزادة وفائدة..
هذه القصة التي أطلنا الحديث فيها، نموذج لكيفية اختيار المسؤولين، وكيفية تفهّم من يتم اختيارهم للأمر، وأنه تكليف وليس تشريف أبداً. فمن كان يسعى لأن يتشرف بالمناصب وينجح بقدرة قادر على ذلك، فلا شك أنه في صورة من الصور، يخون ولي الأمر بتولي أمانة هي أكبر منه، بل ستثقل كاهله وهو غالباً لن يؤديها بالشكل الذي يرضي الله ورسوله.
أما من تسعى إليه المناصب، ويتم منحه الثقة لتوليها، فلا يجب التزهد والابتعاد عنها، بل عليه أن يقبلها رغبة في أداء أمانة يحقق بها مصلحة البلاد والعباد. فربما يكون فعلاً هو خير مثال للرجل المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب.
وقبل أن أختم هذا الحديث ..
دعوني أطرح هذا التساؤل:
ماذا لو أن أحد الكفاءات والقدرات، وقد رأى في نفسه القدرة والمهارة اللازمة لمسؤولية ما في البلاد، أن يتقدم لولي الأمر ويزكي نفسه، أسوة بالنبي الكريم يوسف عليه السلام، حين قال للملك ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) .. هل يجوز أن يزكي الإنسان نفسه ويتقدم لشغل منصب ما دون أن تستدعيه الدولة ؟ هذا هو محور حديثنا في مقال الخميس القادم بإذن الله..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5745
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4929
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3099
| 24 سبتمبر 2026