رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما هذا الخَبَل الذي نحن فيه؟ هل يعقل أن يكون تحطيم الأهرامات وأبو الهول والمعابد الفرعونية موضوعا للمناقشة في بلد يريد أن ينهض ليدخل التاريخ؟ هب أن مخبولا قال هذا الكلام، واقتنع فعلا بأن ما ينكره يجب أن يختفي من على وجه الأرض، فهل يعقل أن يأخذ العقلاء والراشدون كلامه على محمل الجد؟ وبدلا من أن يقترح أحدهم إحالة صاحب الكلام إلى مصحة للأمراض العقلية والنفسية، ويرشح لنا طبيبا حاذقا يستطيع أن يتعامل مع الحالة، فإننا وجدنا منابر إعلامية تردد الكلام وتشيعه بين الناس، ومثقفين يعبرون عن استنكاره ويستخرجون منه الدلالات التي لابد أن يكون من بينها ليس أن الرجل مريض ويستحق العلاج، ولكن أن مناخ التدين الذي شاع في البلد استدعى هذه الأفكار وشجع أصحابها على الجهر بها.
ومن ثم فليست المشكلة في عقل الرجل ولا في تردي حالته الذهنية والنفسية، ولكنها في وعي الأمة الذي تشوه وأصبح مستعدا لاستنبات أمثال تلك الأفكار، ولابد للبيب أن يفهم الإشارة في هذه الحالة!
أتحدث عن صاحبنا الذي انتقاه برنامج تلفزيوني وقدمه إلينا لكي يلوث أسماعنا بهذا الكلام، ويحاول إقناعنا بأن الحضارة الفرعونية حضارة كافرة، وأن الأهرامات وأبو الهول وما شابهها ليست سوى أصنام يجب تحطيمها كما فعل النبي إبراهيم وكما فعل النبي محمد عليه الصلاة السلام مع الأصنام التي أقامتها قريش، ليس ذلك فحسب ولكن الرجل أفرغ ما عنده أمام كاميرات التلفزيون وشجعته حفاوة مقدم البرنامج الذي اعتبره صيدا ثمينا و«ضربة» تلفزيونية «حصرية»، فأضاف أنه وجماعته لن يكتفوا بذلك. ولكنهم سيحطمون كل نوادي الفجور الموجودة في شارع الهرم، وسيزيلون مختلف مظاهر الخلل والدعارة والعربدة. وبعد أن أخذ راحته حدثنا عن تاريخه المرضي، فذكر أنه ورفاقه اشتركوا في تحطيم تمثالي بوذا في أفغانستان بعد أن أمر بذلك الملا عمر ــ زعيم طالبان ــ الذي ذبح حينذاك 100 بقرة اعتذارا لله عن التأخر في تحطيم الأصنام.
فهمنا من التغطية الإعلامية التي اهتمت بالرجل أن المذكور ينتمي إلى كيان اسمه السلفية الجهادية، وأنه وجماعته في حدود خمسين نفرا كلهم قياديون وليس لهم قواعد (!) ــ وأنهم ممن حاربوا الصليبيين والكفار في أفغانستان والعراق والشيشان وغيرها، بمعنى أنهم أمضوا عشرين سنة على الأقل في الكهوف والمخابئ ووسط الأحراش، وهؤلاء الخمسون الذين يمكن توزيعهم على عنبرين في أي مصحة عقلية أو نفسية نذروا أنفسهم لتطهير المجتمع المصري من مظاهر الزندقة والوثنية ومكامن التهتك والفجور، وليس وارد لديهم أن يبنوا شيئا ينفع الناس.
هل أخطأ الرجل؟ ــ لا أتردد في القول بأنه لم يخطئ. ذلك أن أي مار بشوارع القاهرة لابد أن يصادف كثيرين من جنسه، بعضهم في أزياء الدراويش الرثة، وبعضهم يرصعون صدورهم بأغطية زجاجات المياه الغازية، ويعتبرون أنفسهم «جنرالات» يقودون الجيوش السائرة في شوارع العاصمة، جميعهم ملتحون بدورهم وزائغو البصر، ولا يكفون عن الصياح والنداء بعبارات لا تختلف كثيرا عما يردده صاحبنا القادم من جبال تورا بورا. لكن المجتمع العاقل يتحاشاهم ويرثي لحالهم، ولا يخلو الأمر من بعض الصبية الذين يتبعونهم ويناوشونهم وربما سخروا منهم ورشقوهم بالحجارة.
مجتمعنا العاقل لم يعتبرهم نجوما ولم يحتفِ بهم. لكن منابرنا الإعلامية ما برحت تفتش عن أمثالهم بين المنسوبين إلى التدين، ووجدت ضالتها في أوساط غلاة السلفيين الذين لم يقصروا في تزويد الإعلاميين الراغبين بالعجائب والغرائب التي تشبع حرصهم على الإثارة وتنافسهم على الفرقعات التي تحدث أكبر من اللغط والضجيج، غير مبالين بما يحدثه ذلك من تلوث وتشويه للوعي وإشغال للناس بالصغائر والسخافات.
ليس الأمر مقصورا على صاحبنا الذي دعا إلى هدم الأهرامات وأبوالهول، واستنفر جوقة «المثقفين» المتربصين والجاهزين للتنديد والترويع، لكننا صادفنا نظائر أخرى له، تنافست بعض وسائل الإعلام في استدراجهم واستنطاقهم والتهليل لهم، منهم من دعانا للعودة إلى أزمنة السبايا وملك اليمين، ومنهم من تحدث بشكل جاد عن مشروعية الرق. ومنهم من تبنى الدعوة إلى تزويج الفتيات في سن التاسعة، ومنهم من حدثنا عن مفاخذة الغلمان، وليس بعيدا عنهم من حللوا إرضاع الكبير وأرادوا إقناعنا بالعلاج ببول الإبل.
مازلت عند رأيي في أن أمثال هؤلاء يستحقون العطف والرثاء، وأن إحالتهم للعلاج في إحدى مصحات الأمراض العقلية أكبر خدمة تقدم لهم، وللمجتمع وللإسلام أيضا. لكني وجدت أن ذلك لن يحل الإشكال الذي له وجه آخر يتمثل في أولئك الذين يبحثون عنهم وينتقوهم من دون خلق الله الأسوياء، ثم يقدمونهم من خلال المنابر الإعلامية باعتبارهم رموزا وقياديين. لقد انتقدت موقف أولئك الإعلاميين من قبل في كتابات عدة، ولكنهم لم يغيروا شيئا من مسلكهم. ويعنُّ لي الآن أن أقترح تخصيص عنبر آخر لهم في المصحة التي سبقت الإشارة إليها، لكني لست واثقا من احتمالات نجاح علاجهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
12705
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3846
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026