رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تصدر حزب »العدالة والتنمية» الذي يترأس الحكومة في المغرب منذ سنة 2011، الانتخابات البرلمانية المغربية، التي جرت يوم الجمعة 7 أكتوبر الجاري ،والتي شارك فيها 24 حزبًا سياسيا وتحالفان حزبيان (التحالف يضمّ حزبين سياسيين أو أكثر)، إذ حصل على 125 مقعداً من أصل 395 مقعداً في مجلس النواب، أي بزيادة 18 مقعداً عما كان في حوزته في المجلس المنتهية ولايته، كما حصل على أكثر من 1.8مليون صوت في الاقتراع، أي بزيادة أكثر من نصف مليون صوت عما حصل عليه في العام 2011 . وجاء حزب «الأصالة و المعاصرة» المقرب من القصر الملكي ، في المرتبة الثانية ،إذا انتقل من 47مقعدًا في الانتخابات التشريعية سنة 2011، إلى 103مقاعد في الانتخابات الأخيرة، مستعملاً المال السياسي ونفوذ السلطة والأعيان وكبار رجال الأعمال الذين وضعهم في مقدمة قوائمه الانتخابية، من أجل الفوز في الانتخابات .
رغم أن «الربيع العربي» تحول إلى خريف بحكم تداعياته المختلفة في العديد من البلدان العربية، لا سيما تلك التي تشهد حروبا أهلية وطائفية، فإن المغرب لا يزال يمثل استثناءً في عملية الانتقال الديمقراطي وفق طريقته الخاصة، التي تقوم على المزاوجة بين الإصلاح المتدرج والحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.فللمرة الثانية تُجْرَى في المغرب انتخابات تشريعية يتم فيها احترام إرادة الناخبين،ويتم فيها أيضًا الالتزام بما جاء في الدستور المعدل في 1يوليو2011، وهذا ما يؤكد للعديد من المراقبين أن الانتخابات الديمقراطية والشفافة أصبحت من الثوابت السياسية للدولة . فبعد فوز حزب العدالة و التنمية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، استقبل العاهل المغربي محمد السادس يوم الإثنين الماضي،زعيم الإسلاميين المعتدلين عبد الإله بنكيران، وعيّنه رئيساً للحكومة لولاية ثانية، تطبيقا لنص الدستور الجديد الذي أكّد على أن الحزب الفائز في الانتخابات هو من يتولى تشكيل الحكومة .
لقد شكل هذا الاستحقاق الانتخابي تحولًا للخارطة السياسية المغربية ،التي خرجت من نمط البلقنة السياسية، لتدخل في مرحلة جديدة هي مرحلة الاستقطاب السياسي الثنائي على النمط الغربي ،إذ أصبح للمغرب الآن حزبان سياسيان يتنافسان :الأول ،حزب العدالة و التنمية الإسلامي المعتدل ، الذي صوت له 1.8 مليون مغربي ،رغم الضغوطات التي مورست عليه طيلة المرحلة الماضية من قبل العديد من الأطراف السياسية المعروفة و المقربة من السلطة، ورغم أنه هوالحزب الذي قاد الحكومة السابقة لمدة خمس سنوات، و اتخذ إجراءات تقشفية وغير شعبية، كان يمكن أن تأكل من رصيده الانتخابي، فإنه مع كل ذلك حافظ حزب العدالة و التنمية الإسلامي المعتدل على نهجه التصاعدي في زيادة قوته الانتخابية و توسيع قاعدته الاجتماعية، منذ أن فاز في انتخابات 1996 بنحو 9 مقاعد، مرورا بـ42 مقعدا في ما تلاها، ثم 107 مقاعد في 2011، ووصولاً إلي نتيجته الحالية التي تكرس عبد الإله بنكيران زعيماً للتيار الإسلامي المشارك، وزعيماً سياسياً قادرا على التعبئة من داخل الحكومة نفسها.
ورغم تراجع أحزاب الإسلام السياسي في دول «الربيع العربي» ، فإن حزب العدالة و التنمية ،استطاع بنهجه البراجماتي، وتحرره من الطابع الأصولي للإيديولوجيا الدينية، وتميزه بمناهضته التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبمبادراته لمكافحة الفساد في المؤسسات العامة بالمغرب، وضد مظاهر التفسخ الأخلاقي والانحرافات الاجتماعية، أن يدخل اللعبة الديمقراطية وفق القواعد الغربية، التي تقوم على احترام ثقافة التعدد و التنوع في المجتمع، و الانتقال السلمي و الهادىء للسلطة ، ويوظفها لمصلحة زيادة نفوذه داخل المجتمع المغربي، لا سيما استمالته للطبقة المتوسطة في المدن المغربية الكبيرة. فالحواجز التي وُضِعت أمام انتشار الإسلام السياسي في المغرب لم تؤدِّ إلى تراجع نفوذه، بل قد تكون عززت صدقيته أمام الأحزاب العلمانية التي تصنف بأنها قريبة من الحكم ومؤيدة للغرب.
أما الحزب الثاني، فهو حزب الأصالة و المعاصرة العلماني و المقرب من السلطة، والذي أصبح متخوفًا من فوز حزب العدالة والتنمية ،لأن هذا الفوز سيسمح له برئاسة الحكومة والبقاء في السلطة لسنوات قادمة،الأمر الذي سيفسح في المجال للحكومة الإسلامية بمراكمة تجربتها وتجذرها السياسي والاجتماعي في المشهد السياسي والسلطوي المغربي.وهذا من دون شك سيؤثر سلبًا على مستقبل حزب الأصالة والمعاصرة، لأنها كفيلة بتغيير الكثير من الأوضاع السياسية والمقولات والمواقف والأشخاص.
وفي الوقت الذي كرّست فيه الانتخابات المغربية الاستقطاب الثنائي بين الحزبين الكبيرين ، فإنها بالمقابل أكّدت على التراجع التاريخي للأحزاب الوطنية المغربية التي لعبت أدورا رئيسة في حركة التحرر الوطني من أجل نيل الاستقلال ، حيث حصل الاستقلال المعارض على 40 مقعداً فقط عوض 62 في العام 2011، وكان خارجًا من الحكومة وقتها،وبفارق كبير 63 مقعداً،تفصله عن حزب الأصالة و المعاصرة الذي حل ثانيا بنحو 103 مقاعد، في حين تراجع الاتحاد الاشتراكي المعارض من 40 إلى 20 مقعدا في انتخابات كان معولاً عليها كثيراً.
رغم أن المغرب يشهد ولادة ديمقراطية ناشئة، فإن المعضلة لا تزال قائمة، وهي العزوف الانتخابي الكبير المستمر، فنسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت بنحو 43في المائة من عدد المسجلين أي 16 مليونا، في حين أن المغاربية الذين يحق لهم التصويت يبلغ عددهم حوالي 26مليون ناخب، وهو ما يؤكد لنا إذا طبقنا العملية الحسابية على نسبة الذين صوتوا، نجدهم 7ملايين فقط، أي 27 في المائة من أصل ال26مليونا . وهذه نتيجة متدنية جدا،تبين لنا أن هناك مجموعة من الأسباب تشرح لنا عدم اهتمام المغاربة بهذه الانتخابات التشريعية، منها:أولاً: الشعور العام لدى قسم من المغاربة أن هذه الانتخابات لن تغير شيئاً في مجرى حياتهم.وثانياً: أن الأحزاب السياسية لا تعبر عن طموحات المغاربة، وبالتالي هم لا يجدون أنفسهم فيها. وثالثاً: أن نصف سكان المغرب أُمِّيُون.
ومع كل ذلك، أضفت الانتخابات المغربية الأخيرة صدقية على الإصلاحات الدستورية ،ومنحت الديمقراطية الناشئة في المغرب صدقية وصورة جيدة في الخارج.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15198
| 08 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1875
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1653
| 10 فبراير 2026