رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قُدّر لي أن أشاهد مجموعة من الفضائيات "الغريبة" الناطقة بالعربية، أثناء تواجدي في بلد عربي، وكانت برامج السحر والشعوذة، وبيع الأوهام حاضرةً في بعض برامج تلك الفضائيات. شاهدتُ مَن تقول عن نفسها إنها " مُعالجة روحانية"، وتحمل درجة الدكتوراه، وتختص بفكِّ (الربط)، حيث تقول للمتصل: "زوجتك عندها ربط بسبب امرأة"!.
فضائية أخرى عجيبة، يستخدم المذيعان فيها (الجوال) للرد على المتصلين! ولكأن المحطة ليست فيها سماعات للإذن مرتبطة بالاستوديو! وأخرى لتفسير الأحلام، وما أكثر بيعها للوهم.
تقرأ على الشاشة: لدينا خواتم سليمان لحلّ جميع مشاكلكم، للحجز اتصل (.....).
تقرأ: الشيخ (إدريس) لفك المستور وطلب الحبيب، رقم الهاتف (....).
تقرأ: عسل الثور الهائج ( Crazy Bull) وبه وعود وهمية للفحولة.. اتصل(...).
تقرأ: لبعض الشباب المراهق: " عليجن العباس، كل بنية تشوف رقمي تتصل!.
تقرأ: عاشق ودي بوحدة تستحق (كلبي)، يعني قلبي.
تقرأ: الشيخ (أبورضوان) لقهر الجنّ وفتح الرزق وجلب ما وراء الحجاب.
تقرأ: الشيخة الروحانية الصادقة، إبطال السحر، إكرام الجن، شغلة مهمة سواء في
العالم العلويّ أم السفلي.
تقرأ: الكفن لابدّ أن يكون من القطن، سعره من 3-5 دنانير للمتر، ولابدّ أن تظل
تنظر للكفن يومياً، وتضعه في مكان بائن، كي تتذكر الموت!
طبعاً، هذا غير الفضائيات الدينية المتعصبة التي تنشر "خوارق" لبعض الصحابة لا يصدّقها العقل ولا المنطق، ومنها ما يقول "الشيخ" لامرأة لم تحبل، اكتبي اسم الصحابي (....) على بطنك وسوف تحبلين!.
أتساءل في نفسي: لو كان مخترع التلفزيون الذي بدأ أول تجاربه عبر أسطوانة حلزونية واسمه (فلاديمير زوركين) وهو مهاجر روسي عام 1923، وقبله قام الألماني (بول نيبكو) عام 1884، إلى أن دخل التلفزيون مرحلة الاستخدام الجماهيري عام 1948 في الولايات المتحدة. نعم، لو كان هؤلاء يعلمون أن اختراعهم سوف يتحول إلى هذا النمط من الفضائيات، لما أقدَموا على ذاك الاختراع الرهيب. وأن الروس، عندما بدأوا تجارب الأقمار الصناعية عام 1957، عبر القمر (سبوتنك 1) وما بعده، لو علموا أن الأقمار الصناعية، سوف تُستخدم بهذه الطريقة المُهينة، لما أضاعوا جهودَهم وتفكيرهم سنين طويلة!.
مثل تلك المحطات "الخديجة" لا يمكن أن تساهم في توسعةِ مَدارك المواطن العربي، ولا تقدم له حلولاً ناجعة لمشاكل حياته اليومية، قدرَ ما تعطيه الوهم، وتجعله يتعلق بتلك الفضائيات، ولا يقوم بالبحث عن عمل أو تفعيل عقله لفائدته وفائدة مجتمعه.
إن التلفزيون وسيلة ترفيهية وتثقيفية في المقام الأول، ولا يجوز أن تُستخدم لإغواء بعض المساكين، الذين يعانون أمراضاً نفسية، فيزيدهم ذلك مرضاً على أمراضهم، لأن القائم على الاتصال، في مثل تلك البرامج، يُدرك ضعفَ حيلة المُتصل، وحاجته للتعلق بأية وسيلة، من أجل تغيّير حياته، أو إخراجه من مشكلته، بدلاً من تحويل عقله نحو حل مشكلته عبر التفكير السليم والمبادرات الإيجابية، خصوصاً ما تعلَّق بأمور الزواج، الخيانة، ضعف العلاقة الزوجية، الانحراف الاجتماعي، ولربما عدم القدرة على التفكير السليم، فالمُصاب بمثل تلك الحالات، قد يُضحّي بثمن الرغيف، من أجل الاتصال، وسماع كلام قد يُخفف، لحظيًّا، من معاناته، ولكن في الأغلب يزيد من مأساته.
أنا لم أسمع أن لدى اليابانيين أو الغرب مثل هذه البرامج، التي تُضيِّع الوقت والمال، وتقدّم أقوالاً، عبر مشاهدَ ثابتة، ونحن نعلم أن التلفزيون صورٌ متحركة، مَشاهِدُ لا نرى فيها إلا المُقدِّم أو "المشعوذ" وفوق رأسه، وتحت الشاشة رسائلُ تؤيد ما يقوله، وتنشر مآسي بعض المرضى، فلا إبداع في الصورة، وتلك مخالفة أولى في البث الفضائي.
هنالك مَن دخل مجال التلفزيون من أجل اصطياد نقود بعض المرضى النفسيين، حيث لا توجد لدى هؤلاء محطات متكاملة، هندسياً وبرامجياً، ولا كوادر متخصصة، ولا اشتراكات في وكالات الأنباء، مجرد تأجير قناة على الأقمار الصناعية، وكاميرا داخل شقة ضيقة، والأنكى أن بعض المُقدمين يطلبون من المتصل أو المتصلة، أن يتصلوا بهم على هواتفهم الخاصة بعد البرنامج، ولكُم أن تتصوروا حجم فواتير الاتصالات على هؤلاء المرضى، وقد يكونون فقراء أو مُعدَمين!
أعتقد، أن القضية متعلقة بالجهل في المقام الأول، من جانب المتصلين، وبالجشع من أصحاب هذه "الدكاكين" الفضائية، التي لا تبيع سلعاً جديرة بالاستهلاك الآدمي، في المقام الثاني.
لذلك، لجأت بعضُ الدول إلى تقنين البث الفضائي، ووضع قوانينَ لممارسة مهنة البث، فيما عُرف بقانون (المرئي والمسموع). ولله الحمد، ما زالت منطقتنا الخليجية لم تصلها هذه الموضة المنتشرة في البلاد العربية، وذلك لوجود قوانين تحمي المجتمع من جشع بعض التجار. لأن حماية العقل، أهم من حماية المعدة، والتي أيضاً توجد لها قوانينُ صارمة من أجل صحة المواطن.
الجهل، آفة كبرى، ولابد، من أجل حماية المجتمع، أن تَسنَّ البلدان التي تنطلق منها هذه الفضائيات قوانينَ واضحة لمبادئ البث التلفزيوني، كما أن للتعليم دوراً مهماً في حماية المجتمع من الانزلاق إلى مهاوي هذه الفضائيات.
وإذا كان الشيءُ بالشيء يُذكر، فإن هجوم وسائل التواصل علينا، خلال العشر سنوات الماضية، أيضاً خلقَ حالة من الهيجان والتسرع والانشداه، بحيث أصبح الإنسان، لا شعورياً، يضع هاتفه على الطاولة، ويعود لتناوله بعد ثوان قليلة، وفي هذا كلام كثير، عن سلبيات الهاتف المحمول، إلا أنني أتحدث هنا عن المضمون، وآثار الدعَة والاتكالية على وسائل التواصل، التي سهّلت الوصول إلى المعلومة، في الوقت الذي نشرت الأميةَ الأبجديةَ والمعرفيةَ على نطاق واسع، وعدم قدرة (المتواصل) على التعبير السليم في الإملاء أو توليف الجُمل الصحيحة، وهذا أيضًا سوء استخدام للتكنولوجيا، التي لم يعرف مخترعوها، أنها سوف تُستخدم في تبادل (النكات) أو السباب، أو تحقير الآخر، أو التعصُّب الديني والقبلي.
جميلٌ أن نستخدم التكنولوجيا لنشر المعرفة، وقيَمِ التسامح والاعتراف بالآخر، ونشرِ قيَم الحقِّ والخير والجمال، ونترفع عن تلك "الشتائم" التي نراها عبر هذه الأدوات، والانزلاقات، كما حدث بين إعلاميتين في المنطقة، بصورة لا تُناسب المرأة، لأن الكلمات الجارحة تتجاوز قيَمَ الدين والأخلاق والإنسانية.
جميلٌ أن نتقارب عن طريق أدوات التواصل، بدلاً من أن نتباعد، كما هو حاصل اليوم، أربعة أشخاص في صالة واحدة، وكُلُّ واحد منهم لا يشعر بالّذي أمامه، ولا يريد أحداً أن يقاطعه، ويُخرجه من عالمهِ المُثير.
جميلٌ أن نستخدم هذه الأدوات في التعليم، وهي وسيلة ناجعة للتواصل، بدلاً من عبارات وصور (هلا بالخميس)!!
هامش: بمناسبة الحديث عن الفضائيات، نلاحظ ظاهرة التمَحْور حول الذات، (Egosim) لدى بعض مذيعات الفضائيات العربية، طمعاً في ترقية أو "التقرّب"، وتجد المذيعة تُهين ضيوفَها، وتُقاطعهم قبل أن يُكملوا الفكرة التي يتطلبها المقام، ولكأنها في مجلسها الخاص !؟ وهذا تصرّفٌ شائن يُنفِّر المشاهدين عن المحطة!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3561
| 04 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3540
| 01 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1515
| 02 يوليو 2026