رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ترتبط قوة الأمم إيجابا وسلبا بقوة جيوشها، فلا توجد أمة ارتقت إلى مصاف الدول المحترمة من دون جيش قوي يحميها، والمعادلة الطبيعية في هذا الصدد أن الأمة القوية تمتلك جيشا قويا والأمة الضعيفة تمتلك جيشا ضعيفا. ولكن الغريب أن التاريخ قد عرف استثناءات على هذه القاعدة، ففي بعض الأحيان كانت هناك أمم قوية تفضل ألا تتخطى جيوشها حدودا معينة من القوة لاعتبارات تتعلق بحماية الحريات، وأبرز الأمثلة على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، والتي رغم أنها تعد اليوم صاحبة أقوى جيش عرفته البشرية في تاريخها، إلا أن البدايات الأولى لهذه الدولة العظمى قد شهدت حالة من التحفظ إزاء امتلاك جيش قوي. فالولايات الأمريكية التي شكلت نواة الاتحاد كانت تتوجس من ازدياد قوة جيشها على نحو غير محسوب، على اعتبار أن كل زيادة في قوة الجيش كانت تمثل من وجهة نظرهم انتقاصا من الحرية الإجمالية التي يتمتع بها الأمريكيون، كما كان ثمة خوف لدى الأمريكيين من أن يتحول جيشهم إلى قوة مستبدة توجه مدافعها ذات يوم إلى مؤسساتهم الديمقراطية الوليدة.
لقد كانت القوافل التجارية الأمريكية تتعرض لهجمات فادحة من القراصنة، وبخاصة بعد أن فقدت الحماية التي كان يقدمها لها الأسطول البريطاني قبل الاستقلال، ورغم ذلك تردد الأمريكيون طويلا في تقوية أسطولهم البحري خوفا من أن يفقدوا حرياتهم السياسية. واحتاج الكونغرس سنوات طويلة ليأخذوا قرارا بتقوية سلاح البحرية الأمريكية، وبشرط أن تدعم قوة الأسطول بالقدر الذي يكفي لحماية تجارة الولايات الأمريكية من القراصنة، وليس بالدرجة التي تجعله قادرا على ابتلاع حرية الولايات وحرية مواطنيها.
يعكس النموذج الأمريكي الشكل الأمثل الذي ينبغي أن تكون عليه المؤسسة العسكرية. حيث نشأ النظام السياسي ثم أنشأ الجيش التابع له والمؤتمر بأمره، ولهذا حتى بعد أن صار الجيش الأمريكي رقم واحد في العالم إلا أنه مازال يخضع للقرار السياسي ولا يتصور أن ينقلب على مؤسسات الديمقراطية الأمريكية التي يرأسها مدنيون. أما في المشرق فإن الوضع يبدو معكوسا للأسف، فالكثير من أنظمة ما بعد الاستقلال في العالمين العربي والإسلامي نشأت حول الجيوش أو كان للعسكر الكلمة الحاسمة في تحديد ملامحها، شمل هذا على سبيل المثال: مصر—عبد الناصر، ليبيا— القذافي، الجزائر— بو مدين، سوريا—حسني الزعيم.
في هذه الحالات وغيرها كان الجيش هو النواة التي قام عليها النظام السياسي، ولهذا تدخل العسكريون في السياسة منذ اليوم الأول لنشأة هذه الأنظمة، وصار لهم الكلمة العليا في كيفية تسيير شؤون الدولة وعمل مؤسساتها، سواء من خلال الحكم المباشر أو من خلال التأثير على مجريات الأمور من وراء ستار. أدى هذا إلى أن أصبح للجيش قوة أكبر من قوة المجتمع الذي ينتمي إليه، حيث ابتلع الجيش معظم الحقوق والحريات وصاغ ملامح النظام السياسي على مقاسه، ولم تعد قوته دالة على قوة الدولة التي يمثلها وإنما أصبحت في كثير من الأحيان خصماً منها أو عبئا عليها.
ولكن المشكلات المرتبطة باختلال العلاقة بين قوة الجيوش وقوة المجتمعات لم تكن أخطر ما يهدد استقلال الشعوب العربية، فقد برزت مشكلة أخطر تمثلت في اختلاف المشروع الفكري لدى قادة هذه الجيوش عنه لدى الجماهير أو لنقل الغالبية العظمى منها. فمعظم قادة الجيوش العربية تتبنى قيم العلمانية الغربية، والتي تؤبد وتؤكد وضع المنطقة في إطار من التبعية للغرب، من خلال المحافظة على أيقونة الدولة القومية ومقاومة أي فكرة أو مشروع بخصوص الاندماج الإقليمي، بحجة أن ذلك مما يتعارض مع الاستقلال الوطني والسيادة القومية.
على أنه في معظم الأحيان لا تكون هذه هي الأسباب الحقيقية وراء حرص العسكر المبالغ فيه على تبني الفكرة القومية الضيقة. فثمة اعتبارات تتعلق بمراعاة مصادرهم في التسليح، هذه المصادر تتولى ليس فقط تحديد نوعية الأسلحة وطريقة استخدامها وإنما أيضا تحديد الأعداء الذين يمكن استخدام هذه الأسلحة ضدهم والأصدقاء الذين يحظر استخدامها إزائهم، فوفقا لشروط المصدر، تصبح كافة الحركات المقاومة للعدوان الصهيوني مثلا جماعات إرهابية، فيما تتحول إسرائيل نفسها إلى صديق يتعين التعاون والتنسيق معه. وهناك أيضا الاعتبارات المتعلقة بالتدريب الذي يتلقاه العسكريون العرب، والذي يتم في معظمه في الغرب، حيث يتم ترسيخ قيم ومفاهيم العلمانية والتحذير من بزوغ الفكرة الدينية. الأمر الذي ينتهي بهذه القيادات إلى الاقتناع بأن فاتورة الالتزامات الدينية مكلفة بالنسبة لهم، ويدفعهم إلى التمسك بالشعارات القومية الضيقة، خدمة للمشروع والفكرة الوطنيتين، ولكن الجانب الآخر من الصورة هو خدمة المشروع الغربي الذي لا يناسبه نشوء تكتلات إقليمية يمكنها أن تهدد مصالحه.
من هنا نفهم كيف أن التحذير الذي ورد على لسان زعيم الانقلابيين في مصر من أن انقلابهم على الرئيس الشرعي جاء للحيلولة دون تبلور الأفكار الجامعة الإسلامية، هو عزف على النغمة التي يفهمها ويفضلها الغرب. المثير للدهشة أن أوروبا— منبع فكرة الدولة القومية— تتجه ناحية الاندماج في مشروع فوق—قومي، فيما أنظمتنا التي يمتلك فيها العسكر للأسف الكلمة الأخيرة مازالت تعتبر أن خطط الاندماج الإقليمي تهمة تستوجب المحاسبة. يبدو الأمر هنا كما لو كان هؤلاء ملكيين أكثر من الملك، فهم يحرصون على بقاء الدولة القومية في صورتها الضيقة والمحدودة في الوقت الذي تتحرك فيه الدولة في الغرب ناحية الاندماج في اتحاد أكبر وأقوى.
والخلاصة أن قوة العسكر في الكثير من الأنظمة العربية قد لا تشكل إضافة لرصيد قوة الدولة، بقدر ما قد تمثل خصما منها، خاصة أنهم قد انصرفوا في كثير من الأحيان عن وظيفتهم القتالية لصالح أعمال أخرى تدر دخلا لا يخضع للمحاسبة، والأسوأ أنهم يشهدون — أو معظمهم — حالة من الاسترخاء، بعد دخولهم في حالة سلامية مع عدوهم الإستراتيجي والوحيد، الأمر الذي خلق أجواء من الاستقرار الزائف الذي لا ينعكس بالضرورة على رفاهية الشعوب أو أمنها.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2338
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
948
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
834
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8709
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2574
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1479
| 25 أكتوبر 2026