رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تُعد ليلة الخامس عشر من يوليو/تموز 2016 إحدى أهم اللحظات التحولية في التاريخ السياسي المعاصر للجمهورية التركية. ففي تلك الليلة الحالكة، حاولت منظمة «فيتو» الإرهابية (FETÖ) تنفيذ انقلاب دموي عبر تسللها إلى بعض الوحدات العسكرية، بهدف الانقضاض على إرادة الشعب ومصادرة خياراته السياسية التي عبر عنها في صناديق الاقتراع.
لكن الشعب التركي، بوعيه العميق وارتباطه القوي بقيم الديمقراطية والحفاظ على مكتسبات الدولة، نزل إلى الشوارع والميادين في مشهد غير مسبوق، تصدّى فيه المواطنون بصدورهم العارية لدبابات الغدر، ليفشلوا المحاولة الانقلابية خلال ساعات. لقد كانت تلك الوقفة الشعبية البطولية علامة فارقة ليس فقط في إحباط المؤامرة، بل في إعادة تعزيز العلاقة بين الشعب والدولة، بين السياسة والمؤسسة العسكرية.
تعزيز السيادة الوطنية وانطلاق نحو التقدم
لقد مثّل الانقلاب الفاشل اختبارًا مفصليًا لمدى صلابة الدولة التركية ومتانة مؤسساتها. إلا أن تركيا تجاوزت هذا الامتحان الصعب بإرادة شعبها وتماسك نظامها السياسي، ما رسّخ مفهوم السيادة الوطنية بشكل أعمق، ليس فقط في المجال السياسي، بل أيضًا في القطاعات الاقتصادية والتقنية والعسكرية. ومن هنا، برزت استراتيجية الاعتماد على الذات كأحد الأعمدة الأساسية للسياسات التركية في مرحلة ما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة.
فواصلت تركيا مسيرتها بثبات، محققة تقدمًا ملحوظًا في مجالات تعزيز الحكم الديمقراطي، والقطاع الاقتصادي، والصناعات الدفاعية، والعمل الإنساني، والدبلوماسية الإقليمية.
وفي التعليم داخلياً، أعادت الدولة التركية هيكلة قطاع التعليم عبر ضمّ المؤسسات التي كانت تحت سيطرة منظمة «فيتو» إلى وزارة التربية الوطنية، مما عزز السيادة التعليمية ومكّن من استعادة السيطرة الكاملة على البنية التحتية التربوية.
أما خارجيًا، فقد برزت «مؤسسة المعارف التركية» كفاعل دولي في مجال التعليم، إذ تولّت إدارة المدارس التي كانت تستغلها «فيتو» في عدة دول، ووسّعت أنشطتها لتشمل 586 مؤسسة تعليمية في 55 دولة، ضمن علاقات رسمية مع 108 دولة، مقدّمة التعليم لأكثر من 70 ألف طالب.
اقتصاديًا، شهدت البلاد نموًا متواصلًا، حيث بلغت قيمة الصادرات في عام 2024 أكثر من 260 مليار دولار، مع توقّعات بتجاوز 270 مليار دولار في 2025، مدفوعة بتوسيع قاعدة الإنتاج وتنوع الأسواق. كما ارتفعت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لتتجاوز 15 ألف دولار، حيث ما زال الاقتصاد التركي من بين أكبر 20 اقتصادًا في العالم.
أما قطاع السياحة، فقد حقق أداءً لافتًا باستقبال أكثر من 60 مليون زائر العام الماضي، ما يعكس الاستقرار والجاذبية المتنامية التي باتت تميّز موقع تركيا على خريطة الاقتصاد العالمي.
وفي السنوات الاخيرة سجّلت تركيا قفزات نوعية في مجالات الإنتاج المحلي، لا سيما في قطاع الصناعات الدفاعية الذي أصبح من أبرز روافد التقدم التكنولوجي في البلاد. فقد رسّخت شركات تركية موقعها كمورّدين رئيسيين للأسواق العالمية، عبر تصدير منتجاتها الدفاعية إلى أكثر من 180 دولة.
ويأتي هذا التقدم في إطار رؤية تركية تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتعزيز القدرات الدفاعية بما ينسجم مع التحديات المتغيرة في الإقليم. فامتلاك منظومات ردع متطورة لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. وفي هذا السياق، يشكّل تطوير الصناعات الدفاعية أرضية قوية لتعزيز التعاون مع الدول الشقيقة، بما يسهم في بناء منظومة أمن إقليمي قائمة على الشراكة والتكامل في مواجهة التهديدات المشتركة.
تركيا وتوسيع الحضور الدولي وسط مشهد إقليمي ودولي متأزم
أعادت تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، رسم معالم سياستها الخارجية على أسس أكثر استقلالية وواقعية.
وعززت حضورها كفاعل إقليمي ودولي مؤثر، تجلى بوضوح في انخراطها النشط في أزمات جوارها، مثل الملفين الليبي والسوري، إضافة إلى دعمها الحاسم لأذربيجان في قره باغ، وموقفها المتوازن في الأزمة الأوكرانية، حيث اضطلعت بدور وساطة محوري في اتفاق تصدير الحبوب من موانئ البحر الأسود، ما عزز من موقعها كقوة توازن ووسيط موثوق في النظام الدولي.
في السياق ذاته، حافظت تركيا على ثوابتها الأخلاقية في القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وعبّرت بشكل متكرر عن رفضها لازدواجية المعايير في التعامل مع حقوق الشعوب. كما فتحت في الوقت ذاته قنوات تواصل دبلوماسي مع مختلف القوى العالمية، من واشنطن إلى موسكو، مرورًا بعواصم أوروبا وآسيا، معتمدة خطابًا مرنًا يراعي المصالح دون التفريط بالمبادئ.
وقد تُوّج هذا النشاط بدبلوماسية نشطة وواسعة النطاق، تمثلت في امتلاك تركيا واحدة من أكبر شبكات التمثيل الدبلوماسي على مستوى العالم بـ262 بعثة في القارات الخمس، ما منحها المركز الثالث دوليًا. هذا الامتداد الدبلوماسي أسهم في ترسيخ نهج تركي خارجي يقوم على احترام السيادة، وتطوير شراكات استراتيجية قائمة على الندية، والدفاع عن العدالة في المحافل الدولية، متناغما مع المبادئ الأخلاقية والواقعية.
وفي إطار سياستها القائمة على دعم الحلول السياسية والاستقرار الإقليمي، تواصل تركيا تأكيد دعمها للعملية الانتقالية في سوريا، مع إبداء التقدير للجهود المبذولة للحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسيادتها. وتؤمن بأن تحقيق الاستقرار المستدام يتطلب تعاونًا بنّاءً بين دول الجوار والدول الشقيقة، وهو ما تسعى إليه تركيا من خلال دعمها المستمر لهذا المسار.
كما تولي تركيا أهمية خاصة لتعزيز تعاونها مع عدد من الدول، مثل ليبيا والسودان والصومال وأفغانستان واليمن، وذلك عبر تبنّي مقاربة شاملة تشمل دعم الاستقرار والمساعدات الإنسانية، وتنفيذ مشاريع تنموية ذات بعد استراتيجي. ويعكس هذا التوجه التزام أنقرة الثابت بمبادئ التضامن والتعاون، المرتكزة إلى علاقات تاريخية وروابط حضارية مشتركة.
قطر: وقفة أخوية لا تُنسى
من أبرز مظاهر التضامن في تلك الليلة التاريخية، الموقف المشرف لدولة قطر الشقيقة، التي كانت أول دولة تتواصل مع القيادة التركية مُعربة عن دعمها الكامل للشرعية ورفضها القاطع لمحاولة الانقلاب. فقد بادر صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالاتصال بفخامة الرئيس رجب طيب أردوغان، مؤكدًا التضامن الأخوي المطلق، كما أوفدت قطر وفدًا رسميًا إلى أنقرة في الأيام التالية، ما ترك أثرًا بالغًا في نفوس الأتراك حكومة وشعبًا.
وقد تميزت العلاقات التركية–القطرية بتكامل المواقف وتبادل الدعم في أوقات الأزمات. ومؤخراً، أدانت تركيا بشدة أي اعتداء ينتهك سيادة دولة قطر الشقيقة، حيث أكد فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان أن تركيا ستقف دومًا إلى جانب أشقائها القطريين.
وتطورت العلاقات الثنائية إلى شراكة استراتيجية متينة، عززتها اللجنة الاستراتيجية العليا التي تأسست عام 2015، والتي عقدت حتى اليوم عشر جولات ووقّعت 117 اتفاقية تعاون تشمل مجالات الدفاع، والطاقة، والتعليم، والاستثمار، والإعلام. ويعمل اليوم في قطر أكثر من 770 شركة تركية، بينما تنشط نحو 250 شركة قطرية في السوق التركية، ضمن بيئة تعاون مزدهرة تعكس الثقة المتبادلة والرؤية المشتركة لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا في المنطقة.
خلاصة التجربة
لقد أثبتت تركيا في ليلة 15 يوليو/تموز أن إرادة الشعوب لا تُهزم، وأن حماية الديمقراطية ليست حكرًا على المؤسسات، بل مسؤولية وطنية يتقاسمها الجميع. لقد انتصرت تركيا ليس فقط على الانقلاب، بل على تاريخ طويل من التبعية، والتدخل، والهيمنة الداخلية والخارجية.
وها هي اليوم تدخل مئويتها الثانية بجمهورية أقوى، وشعب أوعى، واقتصاد أكثر تنوعًا، وسياسة خارجية أكثر توازنًا، وصناعات دفاعية أكثر استقلالاً.
إن ذكرى 15 تموز ستظل حية في الذاكرة الوطنية التركية، لا كجرح، بل كعلامة مجد، ونقطة تحول، ودليل على أن الأمة التي تثق بنفسها، وتتشبث بإرادتها، لا تُهزم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3864
| 22 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1677
| 24 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1530
| 24 مارس 2026